دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق

دروس مقررة — النصوص المتاحة

37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 25

تحميل Word

الدرس 25

كان الكلام في الدرس العاشر في الصفات الفعلية، وقد تحدثنا عن صفة الخلق وصفة الخالقيه. وقلنا: إن صفة الخالقيه من الصفات الفعلية باعتبار أنها صفة تقوم بين ذات الخالق وذات المخلوق، وتكلمنا عن معنى الخلق بشكل عام والخلق بشكل خاص.

اليوم إن شاء الله نتكلم عن عملية الخلق عند الله عز وجل، ونتكلم عن تصرفات الإنسان في الأشياء وصنعه للصناعات، فهل يوجد فرق بين صنع الإنسان للصناعات وخلق الله للموجودات أم لا؟

المصنف يقول: يوجد فرق. أما بالنسبة إلى فعل الإنسان وصنع الإنسان للصناعة، فانه يمكن أن نفرق بين فعل الإنسان ونتيجة فعل الإنسان؛ فعل الإنسان يعبر عن حقيقة، ونتيجة فعل الإنسان تعبر عن حقيقة. فمثلا المزارع يبذل جهدا وافرا ليحرس الأرض ويسقي الأرض، حتى تكون نتيجة الفعل هي خروج الشجرة. فنتيجة الفعل -وهو خروج الشجرة في الخارج- غير فعل المزارع في الخارج؛ لفعل المزارع حقيقة في الخارج ولنتيجة فعله أيضا نتيجة في الخارج. وهكذا النجار حينما ينشر بالمنشار ويضرب بالمطرقة وما شابه ذلك، تكون نتيجة الفعل هي تحقيق الكرسي أو الطاولة، فنتيجة الفعل تختلف عن نفس الفعل.

إذاً في الخارج يوجد أمران متغايران: الفعل ونتيجة الفعل، عملية الصنع والمصنوع، عملية الزراعة والشيء المزروع. فإذاً، فعل الإنسان وسائر أفعال الإنسان يمكن أن نفرق فيها -ارحمكم الله- بين الفعل ونتيجة الفعل.

لكن بالنسبة إلى خلق الله عز وجل، لا يمكن أن نقول في الخارج يوجد خلق -هي عملية الخلق- ويوجد نتيجة الخلق وهو المخلوق؛ لا يمكن أن ندعى ذلك. لماذا؟

لما تقدم فيما سبق، قلنا إن الخلق من الصفات الإضافية التي تتقوم عن طريق إقامة علاقة ونسبة بين الخالق وبين المخلوق. فإذا قلنا الموجود في الخارج ذات الخالق وذات المخلوق، وأما مفهوم الخالقيه مفهوم الخلق فلا وجود له في الواقع الخارجي بخلاف الصفات الذاتية، مثل ماذا؟ قلنا: مثل العلم، مثل القدرة، مثل الحياة. فقلنا: هذه الصفات التي هي عين الذات، تكون هذه الصفات لها عين خارجية أم لا؟ لها عين خارجية.

إذاً -يغفر الله لكم- الفارق الأساس بين الصفات الذاتية وبين الصفات الفعلية: أن الصفات الذاتية لها تحقق عيني خارجي، بخلاف الصفات الفعلية ليس لها تحقق عيني خارجي. الصفات الذاتية مثل العلم والقدرة والحياة سنخ صفات تنتزع من عين الذات، باعتبار أن هذه الذات المقدسة حائزة على نوع من أنواع الكمالات، وبالتالي تكون هذه الصفة هي عين الذات والذات هي عين الصفة، هذا في الصفات الذاتية.

وأما في الصفات الفعلية، فقلنا: إن الصفات الفعلية ليس لها وجود في الخارج؛ الخالقيه غير موجودة في الخارج، مفهوم الخالقيه، مفهوم الربوبية، مفهوم الألوهية لا؛ الموجود في الخارج ذات الإله، ذات الرب، ذات الخالق، هذا طرف الإضافة، والطرف الآخر ذات المخلوق، ذات العالم، واضح إن شاء الله؟

فإذاً صنع الإنسان للمصنوع يوجد في الخارج الصانع، ويوجد في الخارج المصنوع، ويوجد في الخارج عملية الصنع. في الخارج يوجد الزارع ويوجد المزروع وتوجد عملية الزراعة. في الخارج يوجد النجار ويوجد الشيء الذي وقعت عليه النجارة وتوجد أيضا عملية النجارة، واضح أم لا؟

الإنسان حينما يريد أن يقوم بعمل ما يحتاج إلى جهد ويبذل طاقة وتحرك، بينما بالنسبة إلى واجب الوجود الله عز وجل الخالق يوجد في الخارج ذات الخالق وذات المخلوق، عين ذات الخالق وعين ذات المخلوق. وأما مفهوم الخالقيه صفة الخالقيه غير موجودة في الخارج؛ الخارج موجود ذات الخالق وذات المخلوق، صفة الخالقيه صفة عقلية لازم عقلي ينتزعه الذهن من نسبة المخلوق إلى الخالق ومن إيجاد علاقة ورابطة بين الخالق والمخلوق وبإضافة المخلوق إلى الخالق.

إذاً، إحدى الصفات والفوارق الرئيسية بين خلق الله للمخلوقات وبين صنع الصانع الإنسان للمصنوعات: أنه بالنسبة إلى الخالق توجد ذاتات في الخارج فقط، وهو ما ذات الخالق وذات المخلوق. وأما عملية الخلق وصفة الخلق غير موجودة في الخارج، ليس لها عين في الخارج. بينما بالنسبة إلى صنع الإنسان يوجد في الخارج ذات الصانع للإنسان وذات المصنوع وذات عملية الصنع. واضح لحد الآن نحن صورنا الفارق؟

ما الدليل على أن عملية الخلق غير موجودة في الخارج؟ نحن قلنا: يوجد في الخارج الخالق والمخلوق، أما عملية الخلق غير موجودة. نستدل بدليل:

الدليل الأول: عملية الخلق تحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى حركة. ومن الواضح أن واجب الوجود الله عز وجل منزه عن الحركة، كما سبق وثلّبنا عنه الحركة والتغير والتكامل. الإنسان حينما يزرع، حينما ينجر، حينما يصنع المصنوعات يحتاج إلى حركة أم لا يحتاج إلى حركة؟ لكي يتحقق الوجود العيني والخارجي لفعله لابد من حركة. إذا قلنا أن خلق الله عز وجل له عين خارجية غير ذات المخلوق في هذه الحالة يلزم أن تكون عملية الخلق تحتاج إلى حركة، وواجب الوجود الخالق منزه عن أي حركة لأن الحركة من لوازم الأجسام، الحركة من لوازم ماذا؟ الأجسام، واضح إن شاء الله؟

إذاً هذا هو الدليل الأول على أنه عملية الخلق صفة الخلق في الخارج غير موجودة، صفة الخلق مفهوم ينتزعه عقل الإنسان من إضافة المخلوق إلى الخالق، واضح إن شاء الله؟

الدليل الثاني: لزوم ماذا؟ لزوم التسلسل.
كيف يلزم التسلسل؟ نقول هكذا: لو سلمنا أن المخلوق -أو احنا مو كلامنا عن المخلوق، كلامنا عن الخلق- لو سلمنا أن الخلق له عين خارجية (يعني له عين متحققية في الخارج)، الأعيان الموجودة في الخارج ممكنة أو واجبة؟ فقط الله عز وجل عين خارجية وواجبة، فبمجرد افتراض أن الخلق له عين في الخارج، إذاً هذه العين ممكنة. بما أن هذه العين ممكنة، إذاً هي مخلوقة. كيف هي مخلوقة؟ لأنها لكي تخرج من حيز الإمكان -وهو تساوي الوجود والعدم- إلى حيز الوجود تحتاج إلى من يفيض عليها الوجود، وهو الخالق. واضح إذا كانت مخلوقة؟

إذا كانت مخلوقاً، قلنا إن المخلوق له حيثيتان: له عملية الخلق ونتيجة الخلق. وإذا قلنا إن الخلق له عين في الخارج تختلف عن نتيجة الخلق، نقول: سلمنا إن الخلق له عين موجودة في الخارج. كلنا هذه العين الموجودة في الخارج لابد أن تكون ممكنة، إذا كانت ممكنة لابد أن تكون مخلوقة، إذا كانت مخلوقة الخلق له حيثيتان وعيناً في الخارج: ما ذات المخلوق؟ اللي هو نتيجة الخلق، وعين الخلق عملية الخلق.

ناتي إلى نفس الخلق نقول هذا الخلق له عين متحفقة في الخارج؟ نعم، له عين متحفقة في الخارج. بما أن له عين متحفقة في الخارج فهو وجود ممكن، إذا كان ممكن يعني مخلوق، وإذا كان مخلوق إذن له حيثيتان في الخارج وعينان في الخارج؛ وهو المخلوق الذي يعبر عن نتيجة الخلق، وعين عملية الخلق.

نقول عملية الخلق بما أنها لها عين متحفقة في الخارج فهي ممكنة، فهو وجود ممكن فهو مخلوق، وهكذا يلزم التسلسل، واضح إن شاء الله؟

إذن نقول: يفترق صنع الإنسان للمصنوعات عن خلق الخالق للمخلوقات؛ في إن صنع الإنسان للمصنوعات يكون الإنسان صانع وهو موجود في الخارج، ونتيجة صنع الكرسي أو الزرع أو غيره أيضاً عين موجودة في الخارج، وعملية الصنع أو عملية الزراعة أيضاً عين خارجية. فعاملية الصنع يعني الفعل تغاير نتيجة الصنع، ففي الخارج يوجد عندنا فعل الإنسان ونتيجة فعل الإنسان، وفعل الإنسان ليس هو عين نتيجة فعل الإنسان.

بينما الله عز وجل في الخارج نقول: يوجد خالق ويوجد مخلوق، يعني ذات الخالق وذات... أما صفة الخالق -يامو ذات الخالق- صفة الخالق صفة الخلق غير موجودة في الواقع الخارجي. ولو التزمنا أن هذه الصفة موجودة في الخارج، عملية الخلق تحتاج إلى حركة، والحركة من لوازم الجسمان الأجسام المنزه عنها واجب الوجود. هذا هو الدليل الأول.

والدليل الثاني: يلزم التسلسل، لو التزمنا أن عملية الخلق لها سنخ وجود وتحقق عين خارجي لكان ممكن الوجود، إذا كان ممكن الوجود كان مخلوق، إذا كان مخلوق نقول يحتاج إلى عملية خلق، عملية الخلق لها سنخ تحقق خارجي لها عين خار في الخارج، هذه العين الخارجية ممكنة، إذا كانت ممكنة مخلوقة، إذا مخلوقة تحتاج إلى عملية خلق، عملية الخلق عين موجودة في الخارج، بما أن عين موجودة في الخارج فهي ممكنة، بما أنها ممكنة فهي مخلوقة، بما هي مخلوقة تحتاج إلى عملية خلق، يحتاج احتياجها إلى عملية خلق يعني لها عين متحققة في الخارج، وهكذا إلى آخر الدهر لا تنقطع السلسلة، واضح إن شاء الله؟

حقيقة عملية الخلق الإلهي وفوارقها عن صنع الإنسان

نقرا هذا المقدار: إذن عملية الخلق التي يقوم بها الله تعالى -صفحة 100، مو يقوم بها في صفحة 100، كلامنا في صفحة 100- أن عملية الخلق التي يقوم بها الله تعالى لا تشابه تصرفات الإنسان في الأشياء وصنع الإنسان للصناعات؛ حيث يحتاج الإنسان في عمله هذا -ما هو هذا العمل؟ صنعه للصناعات، تصرفه في الأشياء- يحتاج إلى الحركة، ويحتاج إلى استخدام أعضاء بدنه لتمثل حركة الإنسان الفعل، بينما تمثل الظاهرة التي تحصل من الفعل نتيجة الفعل. فإذن الفعل ونتيجة الفعل متغايران في فعل الإنسان.

وأما في خلق الله فلا يكون الخلق شيئاً والمخلوقات شيئاً آخر -وقلت من هذا التعبير مو تقول إذا مو ذاك شيء وهذاك شيء آخر يعني المخلوقات هي عين الخلق، استفيد لا يريد أن يقول المصنف: الموجود في الخارج ذات الخالق وذات المخلوق، وأن عملية الخلق فهي مفهوم وصفة ينتزعه عقل الإنسان من إضافة المخلوق إلى الخالق- واضح إن شاء الله؟

الآن يستدل، وذلك -لماذا لا يكون الخلق شيئاً والمخلوقات شيء آخر لماذا؟- الدليل الأول: بالإضافة إلى تنزه الله تعالى عن الحركة وخصائص الموجودات الجسمانية -هذا الدليل الأول- يعني يلزم من الالتزام بأن الخلق له وجود في الخارج غير نتيجة الخلق يلزم أن تنتسب الحركة، والله عز وجل منزه عن الحركة وسائر الأمور الملائمة للجسم.

الدليل الثاني: فإنه لو كان لخلق الله مصداق عيني خارجي زائد على ذات المخلوق -هذه المقدمة الأولى-، لكان هذا المصداق العيني الخارجي موجوداً ممكن الوجود -المقدمة الثانية-، إذا كان ممكن الوجود يعني مخلوق، إذا مخلوق يحتاج إلى عملية خلق، إذا احتاج إلى عملية خلق الخلق له وجود عيني في الخارج، إذا إلى وجود عيني في الخارج فهو ممكن الوجود، إذا ممكن الوجود فهو مخلوق، إذا مخلوق يحتاج إلى عملية خلق، إذا احتاج إلى عملية خلق فهو له وجود عيني في الخارج، وهكذا.

ولذلك يقول: ومخلوقاً من مخلوقات الله بدوره، إذا مخلوق يعني يحتاج إلى عملية خلق، إذا احتاج إلى عملية خلق الخلق له عين موجودة في الخارج، ونعيد الكلام ولا نحتاج إلى إعادة ليعود الحديث مرة أخرى حول خلقه نفسه أيضاً هذا الخلق عملية الخلق لها عين في الخارج أم لا؟ نعم، الخلق إذا التزمنا إن لها عين في الخارج، وهكذا يلزم التسلسل.

إذاً لابد أن ناره التزم أن عملية الخلق لها عين في الخارج، ولكن وكما ذكرنا في تعرييف الصفات الفعلية أن هذه الصفات أي صفات الفعلية مثل خالق رازق مفاهيم مو ذوات خارجية، مفاهيم منتزعة من الإضافة وإقامة العلاقات والروابط والنسب بين الله والخلق. الموجودين في الخارج ذات الله وذات الخلق يعني ذات المخلوقات، أما عملية الخلق مفهوم نتزعه من إضافة المخلوق إلى الخالق وليس له عين في الخارج. وقوام الإضافة والنسبة -يعني بما تتقوم الإضافة، بما تتحقق الإضافة- يكون قوامها باللحاظ العقل يعني الإضافة والنسبة والرابط مو موجود في الخارج، موجود في الذهن؛ مثل الحين الأب والابن، الأب والابن موجودين في الخارج؟ لا، ما موجودين في الخارج، مفهوم الأب والابن يمشون في الخارج؟ [غير واضح] ذات الأب وذات الاب، ذات الأب وذات الاب هيدنا موجودين في الخارج، مفهوم الأب ومفهوم الابن الذهن ينتزعه.

الموجود في الخارج مفهوم الرئيس والمرؤوس لا، ذات الرئيس وذات المرؤوس مصداق الرئيس ومصداق المرؤوس موجودين في الخارج، أما صفة الرئيس والمرؤوس الذهن ينتزعه، فقوام وتحقق النسبة والعلاقة والرابطة في الذهن مو في الخارج، واضح إن شاء الله؟

هذا تمام الكلام في صفة الخالقية. نتكلم عن الصفة الثانية من الصفات الفعلية وهي صفة الربوبية.

حقيقة الربوبية وأقسامها التكوينية والتشريعية

صفة الربوبية بسيطة ليس فيها أي صعوبة؛ من الروابط بين الله الخالق والممكنات المخلوقة تنتسب صفة الربوبية، فنقول: هذه المخلوقات كما أنها في الحدوث تفتقر إلى الله، في بقائها تفتقر إلى الله عز وجل. فإذاً المخلوقات والمعلولات والموجودات الممكنة كما تفتقر إلى الله في تحققها وحدثها، تفتقر إلى الله عز وجل في بقائها واستمرارها. والله عز وجل يفيض الوجود دائما وأبداً إلى الموجودات، وما إن ينزع فيضه عن هذه الموجودات في هذه الحالة تنعدم هذه الموجودات، وبالتالي ننتسب صفة التدبير.

الإنسان يحتاج إلى الله عز وجل لكي يدبر أموره منذ أن يخلقه إلى أن ينقضي عمره، وبالتالي صفة التدبير تلازم صفة الربوبية رب الأرباب، واضح؟ يعني كل الأمور في تدبير شؤونها تحتاج إلى الله. أي صفة الربوبية أن كل الممكنات تفتقر في وجودها وفي ديمومتها إلى الله عز وجل، واضح؟

وبالتالي يتبين أن الربوبية على نحو؛ إما ربوبية تكوينية وإما ربوبية تشريعية.
الربوبية التكوينية: ما هو المراد من عالم التكوين؟ عالم التكوين هو عالم الخلق، منتزع من قوله عز وجل ﴿إنما أمرها إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾. كن فيكون هذا للمخلوق: كن أيها الشيء فيكون هذا الشيء. فعالم التكوين يعني عالم الخلق، فالربوبية التكوينية يعني تدبير المخلوقات بإيجاد هذه المخلوقات وتيسير لوازمه هذه المخلوقات.

وعندنا ربوبية تشريعية: الربوبية التشريعية مختصة بالمخلوقات والكائنات التي تملك شعور وإرادة وهو الإنسان. يقول له هذا وهذا جيم وهذا حرام وهذا مستحب وهذا مكروه وهذا مباح أنت مخير فيه، واضح؟

إذن الربوبية على نوعين: إما ربوبية تكوينية وإما ربوبية تشريعية. الربوبية التكوينية تشمل كل الكائنات لأن الله هو الذي يكونها ويصورها ويخلقها، والربوبية التشريعية مختصة بالكائنات التي تملك شعور وإرادة كالإنسان، الله عز وجل يشرع له تشريعات، وبالتالي الله عز وجل يقيم على الإنسان حجج لكي يثبت له تلك التشريعات، هذه الحجج على نوعين: إما حجج داخلية باطنية، وإما حجج خارجية.

الحجج الباطنية: العقل، القلب، الضمير.
والحجج الخارجية: الأنبياء والكتب والرسل والأئمة.

إذاً الإنسان وكل الموجودات تفتقر إلى الله عز وجل تبارك تستغلي ويفتقر إليك، لبيك يفتقر إليك في عالم التكوين، ويفتقر إليك في عالم التشريع والتقنين. وفي عالم التشريع والتقنين الله عز وجل يقيم الحجة على العباد وعلى الخلق إما بحجج باطنية داخلية وإما بحجج خارجية، واضح إن شاء الله؟

نقرا هذا المقطع:
الربوبية ومن الروابط التي تلاحظ بين الله والخلق، أن المخلوقات ليست في أصل وجودها محتاجة لله تعالى فحسب فقط يعني الوجود والحدوث، وإنما في الحدوث والبقاء والاستمرار، بل إن كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى وليست لها أي استقلالية، ويمكن له تعالى التصرف فيها بما شاء وأن يدبر أمورها بما يريد.

وحين نلاحظ هذه الرابطة بصورة عامة ننتزع منها مفهوم الربوبية، الذي من لوازمه تدبير الأمور، وله مصاديق عديدة؛ كالحافظ -مصاديق التدبير أنه يحفظ الباعث- والمحيي والمميت يحيي هذا ويميت هذا لكي يدبر شؤون المملكة سبحانه لا يعتدي على أهل مملكته، والرازق والهادي والآمر والناهي وأمثال هذه الصفات والمصاديق.

ويمكن تقسيم الأمور المرتبطة بالربوبية إلى مجموعتين:

1. الربوبية التكوينية: منتزع من قوله ﴿كن فيكون﴾، التي تشمل تدبير الأمور لكل الموجودات يعني في عالم الخلق ورضى احتياجاتها، وبكلمة واحدة: تدبير العالم.

2. المجموعة الثانية: الربوبية التشريعية، وهي مختصة بالموجودات التي تمتلك الشعور والإرادة والاختيار، بخلاف الربوبية التكوينية تشمل كل الموجودات.

إذاً فالربوبية الإلهية المطلقة تعني أن -المطلقة يعني ماذا ربوبية إلهية مطلقة؟ يعني تكوينية وتشريعية- ربوبية إلهية مطلقة يعني مطلق التدبير؛ التدبير في عالم التكوين والتدبير في عالم التشريع. إذاً فالربوبية الإلهية المطلقة تعني أن المخلوقات في كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى. أي شؤونها الوجودية؟ أعني عالم التكوين والخلق، وأن العلاقات والروابط بينها تنتهي بالتالي إلى ارتباطها بالخالق، وهو تعالى الذي يدبر ويدير بعض المخلوقات بوساطة بعض المخلوقات الأخرى.

الله عز وجل هكذا يسخر بعض المخلوقات لبعض المخلوقات وهو الذي يوهب هذا عالم غريب يعني سبحان الله تأتي السمكة وتخرج إلى السطح وتفتح فكها، ثم يأتي ذلك الطائر ويلتقط بقايا الطعام من بين أسنان تلك السمكة، فكان رزق ذلك الطائر في بقايا الطعام الموجودة بين أسنان تلك السمكة، وفي نفس الوقت تعضفت أسنان تلك السمكة، فتبارك الله أحسن الخالقين يسخر بعض المخلوقات لبعض، وهو الذي يفيد الرزق من خلال مصادر الرزق التي يوفرها ويخلقها، وهو الذي يهدي الموجودات التي تملك الشعور من طريق الوسائل الداخلية كالعقل وسائر القوى الإدراكية، والوسائل الخارجية كالأنبياء والكتب السماوية، وهو الذي يضع للمكلفين الأحكام والقوانين ويضع الوظائف والتكاليف.

صفة التدبير والربوبية والفرق بينها وبين الخالقية

ثم في النهاية الشيخ يعرج على مسألة واضحة ذكرناها فيما سبق؛ أن الصفات الفعلية ليس لها تحقق في الواقع الخارجي وإنما تنتزع مفاهيم إضافية. قلنا: إما تنتزع مباشرة مثل مفهوم الخالقيه تضيف المخلوق إلى الخالق تنتزع مفهوم الخالقيه، وإما أحيانا تضيف عدة وسائط وعدة إضافات مثل مفهوم الرزق، قلنا مفهوم الرزق فلان يضاف إلى فلان وفلان رزقه عند فلان أو فلان رزقه عند فلان في النهاية تتصل إلى الله الرزاق ذو القوة المتين، واضح؟

صفة التدبير من أي الصفات؟ هل صفة التدبير والربوبية تنتزعها مباشرة من الرب والمربوب كما هو الحال بالنسبة إلى الخالق والمخلوق أم أنها من قبيح صفة الرازق تضيف عدة إضافات فلان رزق عند فلان، فلان رزق عند فلان، فلان رزق عند فلان إلى أن تصل إلى الله عز وجل؟

يقول الشيخ حفظه الله: الربوبية كـ ماذا؟ كرره الرازقية عدة إضافات، ولذلك استخدم القرآن ﴿اسأل ربك﴾ في قضية يوسف سلام الله عليه وعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ارجع إلى ربك اسألهم ما بال النسوة التي قطعن أيديهن أطلق الرد على هزيز مصر الربيع عن المدبر رب العمل يعني المدبر العمل.

وبالتالي كل مربوط إلى رب يعني كل عامل إله مسؤول فوقه، هذا المسؤول يعتبر رب يعني مدبر، واضح؟ هذا العامل البسيط فوقه مسؤول مدبر، هذا المسؤول فوقه مسؤول مدبر، وهكذا إلى أن تصل إلى مدبر الأمور باحث من في القبور مسجر البحور مبين الحديد لدود، واضح؟

فإذن صفة الربوبية من الصفات النسبية الإضافية التي تنتزع من إضافة عدة إضافات، إجراء عدة إضافات كصفة الرزاقية، بخلاف صفة الخالقية تنتزع صفة الخالقية مباشرة، واضح إن شاء الله؟

قال: والربوبية كخالقية مفهوم إضافي، لكن مع فرق بين الربوبية وبين الخالقية؛ الخالقية تنتزع مباشرة بين الخالق والمخلوق، بينما الربوبية لا تنتزع مباشرة بإجراء عدة إضافات كالرازقيه.

قال مع الفرق بأنه تلاحق في مجالاتها -يعني مجالات ماذا؟ مجالات الربوبية مو مجالات الخالقية- مجالات الربوبية المختلفة؛ لأن هناك ربوبيات مختلفة، واحد ربوبية رئيس جمهورية، واحد ربوبية مسؤول بلدية، واحد ربوبية رئيس وزراء مثلاً. تلاحظ في مجالات الربوبية المختلفة الإضافات الخاصة بين المخلوقات نفسها، كما ذكرنا في مفهوم الرزاقية أنك تجري عدة إضافات.

النقطة الثانية يقول: لو تآمنا في مفهوم الخالقية ومفهوم الربوبية لا يمكننا وجود تلازم. ما هو معنى الرب؟ يعني المدبر يعني هو علة الحدوث وعلة البقاء. علة الحدوث هي الخلق، فإذن الربوبية ملازمة للخالقية ولا يمكن افتراض أنه خالق لكنه غير مدبر، أو مدبر لكنه غير خالق؛ لأن المدبر معناه أنه علة الوجود وعلة البقاء، علة الحدوث وعلة الاستمرار، وسمة التدبير موجودة من بداية الخلق إلى النهاية إذن هو الخالق. فصفة التدبير وصفة الربوبية ملازمة لصفة الخالق، واضح؟

قال: ولو تآمنا بدقة في مفهوم الخالقية والربوبية -ما هو مفهوم الخالقية؟ يعني العلة الموجدة، ما هو مفهوم الربوبية؟ يعني المدبر في الوجود وفي الاستمرار والبقاء- وكونهما من الصفات الإضافية، سيتضح لنا أن هناك تلازماً بين هاتين الصفاتين الخالقية والربوبية، ويستحيل أن يكون رب الكون غير الخالق ليس بخالق، لا يمكن. بل إن الذي خلق المخلوقات بتلك الخصائص المعينة والعلاقات فيما بينها هو الذي يحافظ على المخلوقات ويدبر المخلوقات.

وفي الواقع أن مفهوم الربوبية والتدبير منتزع من كيفية خلق المخلوقات وارتباطات المخلوقات؛ لأن التدبير لا يكون إلا بعد الخلق. ما هو المراد من الربوبية؟ يعني المدبر في الوجود وفي البقاء المحقق لحدوث المعلول والمحافظ على بقاء المعلول، محقق للحدوث يعني علة حدوث الموجودات في الخلق، فالربوبية سمة التدبير منتزعة من مفهوم الخالقية.

هذا تمام الكلام في صفتين من الصفات الفعلية وهما صفة الخالقية وصفة الربوبية، يبقى الكلام في صفة الألوهية وسائر الصفات الفعلية يأتي عليها الكلام. صلى الله على محمد وآله الكرام.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.