دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق

دروس مقررة — النصوص المتاحة

37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 38

تحميل Word

الدرس 38

اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.

كان الكلام في الدرس السادس عشر، وقد ذكرنا المقدمة التي قدم فيها الشيخ البحث عن أسباب تعدد الآلهة وأسباب الشرك. واليوم إن شاء الله نتكلم عن الدليل الذي أورده لإثبات وحدانية الله عز وجل. نحن ندعي أن الإله والخالق والمبدع واحد، وهو الله وحده لا شريك له، لكن لا بد من إقامة الدليل على ذلك.

الشيخ حفظه الله يتكلم عن هذا الدليل يقول: الأمر يدور بين فرضيتين؛ إما أن يكون الإله واحداً، أو متعدداً (اثنين فصاعداً). نحن نتكلم عن هذه الفرضية: أن الإله متعدد، يعني إلهين أو أكثر من إلهين. فإذا أصلنا هذه الفرضية، لم يبقَ إلا أن نلتزم أن الإله واحد.

يقول حفظه الله: لو التزمنا أن الآلهة متعددة، نأتي إلى المعلولات وإلى الظواهر الكونية وإلى المخلوقات، توجد ثلاثة افتراضات عقلية، وهذه الافتراضات الثلاثة كلها باطلة. إذا بطلت هذه الافتراضات الثلاثة، بطل أساسها وهو كون الآلهة متعددة. وإذا بطلت هذه الفرضية، لزم أن نلتزم أن الإله واحد لا شريك له.

واضح إن شاء الله؟ هذا هو لب المطلب. لو التزمنا أن الآلهة متعددة، توجد هناك ثلاث فرضيات:

• الفرضية الأولى: أن تكون جميع الظواهر الكونية وجميع المعلولات هي معلولة لجميع هذه العلل ولجميع هذه الآلهة، فكل ظاهرة من الظواهر الكونية هي مخلوقة لكل هذه الآلهة. لو افترضنا عندنا خمسة آلهة، فإن كل ظاهرة من ظواهر الكون مخلوقة لهذه الآلهة الخمسة. هذا هو الافتراض الأول.

• الافتراض الثاني: أن كل مجموعة من الظواهر الكونية مخلوقة لإله واحد من الآلهة. مثلاً: إله خلق السماء، إله خلق الأرض، إله خلق الماء، وهكذا. فكل مجموعة من الظواهر وكل مجموعة من المعلولات خلقها إله من الآلهة.

• الصورة الثالثة والافتراض الثالث: أن الذي خلق جميع هذه المخلوقات والمعلولات إله واحد وخالق واحد، وأما بقية الآلهة فهي مدبرة وليست خالقة. فالمثال: إله واحد هو الذي خلق الكون وكل الحياة، والأربعة الآلهة الباقية قامت بدور التدبير.

إذاً، هذه فرضيات ثلاث لو التزمنا بتعدد الآلهة.

الآن نأتي إلى هذه الفرضيات واحدة واحدة ونناقشها:

مناقشة الفرضية الأولى وتعدد الوجود

واضح الصورة الأولى؛ وهي أن تكون جميع المعلولات وجميع الظواهر معلولة لكل إله.

أولاً: ما معنى الخلق؟ أن تقول إن كل ظاهرة مخلوقة لكل إله، فلو عندنا عشرة آلهة يعني هذا الشيء خلق عشر مرات، لو عندنا عشرين آلهة يعني كل شيء خلق عشرين مرة. ما هو المراد من الإيجاد؟ ما هو المراد من الخلق؟ المراد من الخلق يعني الإيجاد، علة الخلق يعني علة الإيجاد.

وبالتالي حينما تقول إن الإله أوجد الظاهرة الفلانية أو خلق الظاهرة الفلانية، يعني أوجد الظاهرة الفلانية بعد أن لم تكن موجودة. وبالتالي، لو التزمنا أن الآلهة وكل إله يوجِد الأشياء، لابد أن نلتزم أن الإله الثاني والثالث والرابع أوجد ما هو موجود ولا يوجِد ما هو معدوم، لأن الإله الأول خلق هذه الظاهرة وأوجدها، والإله الثاني يوجِد ما هو معدوم، وبالتالي يلزم أن يكون للشيء الواحد عدة وجودات، مع أننا ندرك بالوجدان أن كل شيء له وجود واحد.

لو افترضنا عندنا خمسين إلهاً، فهذه الآلهة الخمسين كلها ستعمل على إيجاد ظاهرة البرق في السماء، فبالتالي هذا الشيء وهو البرق يلزم أن يكون له خمسون وجوداً، لأن كل إله يقوم بإيجاده. والحال أننا ندرك بالوجدان أن ظاهرة البرق لها وجود واحد لا متعدد.

وهكذا لو افترضنا أن لدينا مئة إله، فإن البحر يلزم أن يكون له مئة وجود، لأن هذه الظاهرة وهي البحر لابد أن تكون معلولة لجميع الآلهة، ومجموع الآلهة -حسب الفرض- مئة، إذن لابد أن يكون للبحر مئة وجود، وهذا لا يمكن الاستدلال به إذ هو مخالف للوجدان. واضح إن شاء الله هذه الصورة الأولى.

مناقشة الفرضية الثانية ووحدة النظام الكوني

وتتبعها بطلان الصورة الثانية: لو نلتزم أن كل مجموعة من المخلوقات معلولة لإله واحد. مثلاً: كم إله عندنا؟ مئة. البحر معلول لإله، الأرض معلول لإله آخر، السماء معلول لإله آخر، العرش معلول لإله آخر، القمر معلول لإله آخر، وهكذا.

فكل شيء وكل ظاهرة ليست معلولة لمجموع الآلهة ولجميع الآلهة، وإنما هي معلولة لإله خاص، وهذا الإله الخاص مرتبط بمخلوقاته نفسه وليس مرتبطاً بمخلوقات الإله الآخر. فإذن، الشمس مرتبط بالشمس فقط وغير مرتبط بالقمر، لأن القمر مرتبط بإله خاص، والقمر غير مرتبط بإله البحر، فإذن البحر مرتبط بإلهه الخاص الذي أوجده. واضح إن شاء الله؟

وبالتالي نقول في مقام المناقشة: يلزم من تعدد الظواهر الكونية تعدد الآلهة، ويلزم من تعدد الآلهة تعدد الأنظمة، لأن كل إله أو كل خالق له نظام مختص به، وبالتالي يلزم أن يكون لكل إله نظام خاص.

فهل يلزم في الكون وحدة النظام أو تعدد الأنظمة؟ يلزم تعدد الأنظمة، وبالتالي يلزم تعدد الظواهر وتعدد الأنظمة في زمان واحد. والحال أننا ندرك بالوجدان أن الكون له نظام واحد أو نظام متعدد؟ له نظام واحد.

والدليل على ذلك أن لدينا ظاهرة سابقة وظاهرة لاحقة وظاهرة ستحصل في المستقبل، وبين هذه الظواهر الثلاث يوجد انسجام، مما يدل على وحدة النظام ويدل على أن خالق الظواهر الثلاث السابقة واللاحقة والمستقبلية إله واحد وفرض نظاماً واحداً. إذاً، هذه الفرضية الثانية أيضاً باطلة.

مناقشة الفرضية الثالثة واستحالة انفكاك الخالقية عن التدبير

نبقى مع الفرضية الثالثة، وهي أن الذي خلق جميع هذه الكائنات والمخلوقات والظواهر إله واحد، بحيث تجد النظام، لكن المدبر هي آلهة متعددة، فبقية الآلهة تقوم بدور الإدارة والتدبير والألوهية، وأما دور الخالقية فهو مختص بواحد.

فنقول: سبقت في الفلسفة أن لدينا علة ومعلولاً، وأن المعلول مرتبط بكل وجوده بالعلة. إذا تذكرتم، هناك ذكرنا أن لدينا علة معدة ولدينا علة حقيقية. قلنا إن العلة المعدة المعلول يرتبط بها حدوثاً فقط، مثل البذرة وارتباطها بالمزارع والتربة والماء والنبات؛ تحتاج لكي تكون شجرة إلى المزارع، يأتي المزارع ويرمي البذرة في التراب، طبعا هي لا تحتاج إلى شيء بعد ذلك وهو إلى النهاية بعد أن تصبح شجرة. واضح؟ أي علة معدة، كأب بالنسبة إلى الابن علة معدة واضح.

لكن هناك بعض العلل علة حقيقية، يعني يحتاج المعلول إلى علته حدوثاً وبقاءً، بل المعلول بكل شؤونه مرتبط بالعلة، مثل الصورة الذهنية للإنسان؛ لو عُدم الإنسان أليست تنعدم الصورة الذهنية؟ ما هو علة ذهن الإنسان؟ ما هو المعلول؟ الصورة الذهنية. هذه الصورة الذهنية بكل وجودها مرتبطة بعلتها الحقيقية. واضح؟

نحن حينما نقول إن الله عز وجل أو هذه الآلهة علة، هل نقصد أنها علة حقيقية أم علة معدة؟ لا شك أننا نقصد أنها علة حقيقية.

إذا كانت علة حقيقية، فجميع معلولاتها مرتبطة في كافة شؤونها بهذه العلة. وبالتالي، كيف يمكن أن نلتزم أن إلهًا من هذه الآلهة خلقها وبقية الآلهة دبرتها وأدارتها؟ هذا عجز من الالتزام؛ فما دام أن الإله الأول هو الذي خلقها، لابد أن يكون هو المدبر، لأن هذه المعلولات والمخلوقات بكل وجودها وشؤونها مرتبطة بالعلة الحقيقية التي أوجدتها. واضح إن شاء الله؟

نعم، هذه المعلولات قد يكون بينها وبين بقية المعلولات تفاعلات، كما هو الحال في التفاعلات المادية والتغيرات المادية بين الكائنات، لكن هذا لا يعني أن الظاهرة المادية الأولى عللت الظاهرة المادية الثانية. نعم، قد تكون علة معدة، ولكن ليست هي علة حقيقية. نعم، قد تكون من باب الشرط، من باب العلة المعدة، من باب المقدمة الإعدادية، لكن هذا لا يعني أنها هي العلة الحقيقية. واضح إن شاء الله؟

ومن هنا نجد أن القرآن الكريم ذكر التدبير وذكر الخلق ونسبه إلى غير الله بإذنه، مثلاً عيسى المسيح عليه السلام قال: ﴿وَأَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾، وأيضاً حينما تكلم في بعض السور قال: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾.

وبالتالي التدبير والخالقية إما أن يكون في عرض الله عز وجل وإما في طول الله عز وجل. وتكلمنا عن العرضية والطولية؛ مثلاً الآن الأخ في عرض أخيه، لكن الابن في طول أبيه، والابن في طول جده، والجد في طول جد جده، بينما الأخوة كل منهما في عرض الآخر. وهكذا إذا تذكرت حينما شرحنا الكلم قلنا: تنقسم إلى اسم وفعل وحرف، فالاسم في عرض الفعل أو الحرف؟ الحرف في طول الفعل، وهكذا.

هذا مثال من باب التقريب والتمثيل فقط: الخالقية والتدبير إما أن تلتزم بوجود خالق ومدبر في عرض الله عز وجل، نعم شريك له في التدبير، شريك له في الخالقية، هذا لا يمكن الالتزام به لأنه تخرب صورة التوحيد. وأحياناً تلتزم بأن هناك خالقاً في طول الله؛ عيسى المسيح يخلق أم لا يخلق؟ يخلق، لكن بإذن الله. واضح؟ قال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ لا بالاستقلال. لو كان بالاستقلال لكان في عرض الله، لكنه في طول خالقية الله، أعطاه إياه. واضح؟

وهكذا التدبير، الله هو المدبر، لكن قد يخوّل بعض عباده شيئاً ما أو يعطيهم بعض الأمور، لكن التدبير في طول تدبير الله عز وجل.

دفع بعض التوهمات في الولاية التكوينية والتشريعية

يقول الشيخ: وإذا اتضح هذا نرفع بعض التوهمات. من هذه التوهمات إثبات الولاية التكوينية والتشريعية للنبي وللأئمة المعصومين سلام الله عليهم.

فطبعاً التكوين مأخوذ من ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، يعني أخلق فينفلق، وبالتالي أُطلق الاصطلاح على التكوين على عالم الخلق. فحينما يقال "عالم التكوين" يعني عالم الخلق، ومنه اشتقت "الولاية التكوينية"، يعني الولاية على عالم الخلق.

فحينما نقول إن النبي عليه السلام أو للنبي ولاية تكوينية، يعني يستطيع أن يتحكم في الكائنات الموجودة، يعني يستطيع أن يشير إلى القمر ويشقَّه نصفين بإذن الله عز وجل، يستطيع أن يجعل الشمس تخرج من المغرب بدل المشرق، يستطيع أن يشير إلى البحر فينفارق، أن يشير إلى الأرض فتنفطر أو تنشق، وهكذا.

التحكم في عالم التكوين وعالم الخلق إنما يكون بالولاية التكوينية، لكن هذه الولاية في طول ولاية الله عز وجل وليس في عرضها. لو التزمنا أن للنبي والإمام ولاية تكوينية بالاستقلال يضاهي ولاية الله، حينئذ يلزم الشرك. لكن لو التزمنا أن الله عز وجل قال بأن هؤلاء عباد مكرمون مَنَّ عليهم بهذه النعمة، فهذا توحيد.

وهكذا بالنسبة إلى الولاية التشريعية، يعني لهم حق التشريع. فإذا التزمنا أن النبي والإمام له ولاية تشريعية؛ فبمعنى أن الله عز وجل أذن لهم أن يشرعوا في مساحة محدودة معينة، فجعل لهم حق التشريع. كما في المثال المعروف: أن الركعتين الأوليين من الصلاة هما فرض فرضهما الله عز وجل، بينما الركعتان الأخريان هما سنة سنَّها رسول الله صلى الله عليه وآله وفرضها رسول الله صلى الله عليه وآله لحفظ حق تشريعي أعطاه الله إياه. واضح؟

وبالتالي، لو التزمنا أن للنبي والإمام ولاية تكوينية ولاية تشريعية، هذا لا ينافي التوحيد، لأننا لا نقصد من إثبات الولاية التكوينية والتشريعية للنبي أن النبي في مقابل وعرض ولاية الله التكوينية والتشريعية، فالولاية التكوينية والتشريعية بالأساس لله عز وجل، وبالتبع وبالعناية جُعِلت للنبي والرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وهل الأنبياء والأئمة عليهم السلام يمتلكون هذه الولاية؟ أي ولاية؟ التكوينية؟
يختلفون، لكن المعروف والمشهور بين علمائنا إثبات الولاية التكوينية للنبي والإمام المعصوم، فقط هذا هو المشهور. لكن البعض، لا، ليس بهذا المعناه، لا؛ أحياناً من الأساس له ولاية، وأحياناً الله عز وجل يعطيه الكرامة. الولاية بمعنى لو شاء فعل، واضح؟ يعني له صلاحية ومخوَّل، إذن فلو شاء فعل. لكن أحياناً عَبْدٌ من عباد الله الصالحين لإخلاصه لله عز وجل، الله عز وجل يعطيه كرامة من الكرامات في موضع معين.

وبالتالي نفس الولاية التكوينية والتشريعية فيها كلام، والشيخ هنا ليس في صدد الإثبات والمنع، ولعله يبحثها في بحث النبوة والإامامة. الشيخ هنا بصدد بيان أنه لو التزمنا وأثبتنا الولاية التكوينية والتشريعية، فهذا لا ينافي وحدانية الله عز وجل. أما إنها هي ثابتة أو غير ثابتة، فهذه تبحث في الجزء الثاني عندما يتكلم عن النبوة وعن الإمامة. واضح إن شاء الله؟

قراءة النص المعتمد للدليل

نقرأ هذا المقدار:

«الدليل على توحيد الله: إن افتراض وجود إلهين أو آلهة متعددة للكون لا يخرج عن الاحتمالات الثلاثة:

• الأول: فإما أن نفترض أن كل واحدة من هذه الظواهر والكائنات الكونية معلولة ومخلوقة لجميع هذه الآلهة، يعني كل آلهة خلقت جميع هذه المخلوقات. أي الصورة الأولى.

• الثاني: وإما أن كل مجموعة منها معلولة لواحدة من الآلهة المفترضة. الصورة الثانية.

• الثالث: وإما أن نعتبرها جميعاً -يعني جميع هذه الظواهر والكائنات الحية- مخلوقة لإله واحد، بينما نفترض سائر الآلهة مدبرة للكون. الصورة الثالثة.

الآن نناقش الصور:

مناقشة الصورة الأولى: أن افتراض أن كل ظاهرة وكائن له آلهة متعددة خالقة له هو افتراض محال، وذلك لأن القول بأن هناك إثنين أو أكثر من الآلهة الخالقة -بمعنى العلة الموجدة، تخلق الموجود- يعني أن كل واحد منها يفيض وجوداً، وبإفاضة الوجود فلو عندنا عشرون إلهاً يعني عشرون وجوداً لكل مفعول. ونتيجة لذلك -يعني معنى الآلهة إفاضة الوجود- أن توجد أنت وجودات بعدد الآلهة المفترضة للشيء الواحد، مع أن كل موجود ليس له إلا وجود واحد. وإلا -لولا أن لكل موجود وجوداً واحداً- لم يكن وجوداً واحداً. واضح؟ إذاً هذا الشق الأول باطل، لأننا بالوجدان ندرك أن الشيء الواحد له وجود واحد لا متعدد.

مناقشة الصورة الثالثة (وأما الشق الثاني والثالث): وأما افتراض أن كل واحد منها خالق لمخلوق معين أو لمجموعة معينة من المخلوقات فيلزم من هذا الافتراض... [غير مفهوم] ...وإلا فالظواهر الكونية يلزم منها وجود أنظمة متعددة في الكون، وكل واحد منها مستقل ومنفصل عن الآخر أي أنظمة، مع أن للكون نظاماً واحداً بالوجود. وكما يوجد ارتباط وتفاعل بين الظواهر الموجودة في زمان واحد وتحتاج كل منها إلى الأخرى، فإن هناك ارتباطاً وعلاقة بين الظواهر السابقة على هذه -باختلاف الأزمنة- مع الظواهر الحاضرة الراهنة، وكذلك بين الظواهر الراهنة والظواهر المستقبلية واللاحقة، بما يدل على وجود نظام واحد وكل ظاهرة سابقة ممهدة لوجود اللاحقة. إذاً فهذا الكون الذي يتألف من أجزاء مترابطة متلاحمة ويحكمه نظام واحد، لا يمكن أن يكون معلولا لعدة علل موجدة، وإنما لمعلل واحد.

وأما الافتراض الثالث -وهو أن الخالق لكل المخلوقات إله واحد، وأما سائر الآلهة فتكتفي بمهمة تدبير الكون وإدارة الكون- فهذا الافتراض غير صحيح أيضاً. لماذا؟ وذلك لأن كل معلول قائم بكل شؤون وجوده بعلته الموجدة له، لماذا؟ لأننا نفترض في العلة الموجدة أنها علة حقيقية وليست علة معدة، والعلة الحقيقية يرتبط المعلول بكافة وجوده بهذه العلة، وليس لأي موجود مستقل آخر غير العلة سبيل للتصرف في هذا المعلول إلا أن يكون من قبيل أي أن يكون الموجود الآخر المستقل من قبيل التفاعلات الحاصلة بين معلولات العلة نفسها، لأن معلولات العلة تتفاعل فيما بينها فيما إذا كانت على نحو الشرط أو العلة المعدة. واضح إن شاء الله؟

ولكنها كلها خاضعة للفعل الموجد لها، ما هي كلها؟ ولكنها -يعني المعلولات- معلولات العلة، ولا تخرج عن حكومة قدرة العلة وسلطان العلة الخالقة، ولا يتم شيء إلا بإذنه التكويني -يعني بإذن الخالق الموجد، بإذنه التكويني يعني إذنه في عالم الخلق ﴿كُن فَيَكُونُ﴾-. وفي هذه الحالة لا تكون كل تلك الآلهة -غير الإله الخالق الموجد- ربّاً بمعناه الحقيقي بل الله؛ إذ إن معنى الرب الحقيقي، إذ إن المعنى الحقيقي للرب أن يقوم بالتصرف المستقل في مربوبيه، والمفروض في هذه التصرفات والتأثيرات أنها غير مستقلة، بل إنما هي على نحو الإعداد بالتبع وممتدة لعلة علة العلل، بل إنها كلها مقدسة من ربوبية الخالق وبالقوة التي يزوِّدها بها ذلك الخالق، ولولاه لما أمكن أن توجد هذه التصرفات. واضح؟

النمرود حينما قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ... [غير مفهوم] ... قال إبراهيم (عليه السلام): ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. كما أن الخالقية التي تتم بالأذن الإلهي لا تنافي التوحيد في الخالقية. واضح؟ يعني أن الخالق واحد. وفوق القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ما يدل على ثبوت مثل هذا الخلق والتدبير، لكن لا بالاستقلال وبالأصالة، بل التدبير التبعي بالتبع وغير المستقل لذات عباد الله. واضح؟ إذ يقول الله في كتابه الكريم على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾، ويقول تعالى أيضاً: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾.

والحاصل أن التوهم بإمكان آلهة متعددة للكون ناشئ من قياس الله وتشبيه الله بالعلل المادية والمعدة، بينما الله علة حقيقية وليست معدة، حيث يمكن القول بتعددها للمعلول الواحد. واضح؟ يعني تعدد العلل المعدة للمعلول الواحد، كما في الشجرة البذرة لكي تصبح شجرة، فلها علة معدة متعددة: الهواء، والماء، والتراب، والمزارع وما شابه ذلك. فتعددت العلل والمعلول واحد. لكن بالنسبة إلى العلل الحقيقية لا يمتنع... لا يمكن أن نلتزم أن العلل متعددة. حيث يمكن القول بتعددها -يعني بتعدد العلل المادية والمعدة للمعلول الواحد- ولكن لا يمكن أن نشبه العلل الموجدة بإمكان هذه العلل، لأنها علة حقيقية وليست معدة، ولا يمكن أن نفسر لأي معلول عدة علل موجدة أو عدة أرباب مدبرة بالاستقلال، بل يمكن الالتزام أنها مدبرة بالتبع.

إذاً، فلأجل تذويب هذا التوهم لا بد أن نتأمل بدقة أكثر في مفهوم العلة الموجدة وخصائص هذا النوع من العلة حتى ندرك استحالة تعدد مثل هذه العلة للمعلول الواحد، وكذلك لا بد من التأمل في ترابط الكون ليتضح لنا أن هذا النظام المتراكم الذي يحكم الكون لا يمكن أن يكون مخلوقاً لآلهة متعددة أو خاضعاً لتدبير أرباب مستقلين. واضح إن شاء الله تعالى؟

واتضح لنا من خلال ما ذكرناه أيضاً أن القول بالولاية التكوينية لبعض عباد الله الصالحين لا ينافي الإيمان بالتوحيد -طبعاً من أبرز مصاديق عباد الله الصالحين الأنبياء والأئمة عليهم السلام- لا ينافي الإيمان بالتوقيف [بالتوحيد]، ولكن يجب أن لا تفسر هذه الولاية بمعنى الخالقية أو الربوبية المستقلة، بمعنى العرض لا بالطول. واضح؟

كما أن القول بالولاية التشريعية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام لا ينافي الربوبية التشريعية الإلهية، لأن هذه الولاية التشريعية إنما وجدت من الله تعالى، فهي ولاية تشريعية طولية وليست عرضية، وبالإذن الإلهي ومستمدة ومكتسبة من الله تعالى».

الدرس السابع عشر معاني التشريع وهو مهم، يأتي إن شاء الله في الدرس القادم.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. اللهم صل وسلم على محمد وآله.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.