دروس مقررة — النصوص المتاحة
37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 4
الدرس 4
أهمية البحث عن الدين والدواعي إليه
تكلمنا في الدرس الثاني ووصلنا إلى عنوان أهمية البحث عن الدين. في هذا المقطع يبين الشيخ حفظه الله ما تقدم بالأمس؛ قلنا إن دواعي البحث عن الخالق ودواعي البحث عن الدين ثلاثة:
الدافع الأول هو حب الاستطلاع؛ فإن الله عز وجل فطر الإنسان وأودع فيه غرائز، فمن هذه الغرائز حب الاستطلاع والبحث والتنقيب.
الدافع الثاني الذي يدفع الإنسان نحو البحث عن الدين هو لزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة. قلنا إنه لو سلكت طريقاً إلى مدينة وعلمت أن لهذه المدينة عشرة طرق مثلاً، وكان واحداً منها سالماً فقط وأما التسعة البقية ففيها السباع والذئاب وقطاع الطرق واللصوص، فإن العقل يحتم على الإنسان أن يبحث وينقب عن ذلك الطريق السليم من أجل الوصول إلى تلك المدينة. وهكذا لو كانت هناك منفعة مرجوة، ولا سيما إذا كانت القوة في المنفعة، كما لو علمنا بوجود كنز ثمين في عشرة أراضٍ مثلاً، فإن العقل يحتم على الإنسان أن يبحث وينقب في تلك الأراضي العشرة من أجل تحصيل ذلك الكنز الثمين، رزقنا الله وإياكم كل منافع الدنيا والآخرة إن شاء الله.
(سؤال): لورطت هناك غاية؟ نعم؟ لورطت هناك غاية؟ هكذا من غاية يعني؟
(جواب): نعم، هذا يتوقف على وجود إما ضرر محتمل أو منفعة مرجوة.
(سؤال): ضرر زي؟ يعني يقطع الطريق مثلاً لا يجيء غاية وإنما مثلاً قد يكون ليس عندي مثلاً بس يعني كقطعه مجرد كمثل المرور يعني كله هو هذا، على كل حال هذا خارج عن الدليل الذي أخذناه. المعرفة داخلة فيه، لو كان مجرد المعرفة.
(جواب): شلون يعني؟ هذا يصير يدخل في حب الاستطلاع وحب الفضول؟ همم، أنت بتشوف شخص أحياناً يتكلم يقول: ليش تتدخل؟ عنده فضول. الدافع هنا ماذا؟ ليس دفع المفسدة أو تحصيل المنفعة، الدافع حب الاستطلاع وحب البحث، هذا يندرج في النقطة المهمة.
النقطة الثالثة هي الشعور الديني، الذي هو أحد الأبعاد الأربعة للإنسان كما ادعاها بعض علماء النفس؛ قالوا إن الإنسان والروح الإنسانية لها أربعة أبعاد: حب الاستطلاع، والشعور بالخير، والشعور بالجمال، والبعد الرابع هو الشعور الديني. على كل حال، تقدم الكلام بالأمس في عدم الاستدلال بالدافع الثالث؛ لأنه يقع محطاً للنزاع، فقد يستشعر البعض هذا الشعور وقد لا يستشعر هذا الشعور، وبالتالي يرفض هذا الدليل وهذا الدافع.
كلامنا فعلاً في الدافعين الأولين وهما عقليان: حب الاستطلاع، ولزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة. وهما كما ترون لهما عموم ولا يختصان بالدين، حب الاستطلاع في كل شيء، ودفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة في كل شيء، لكن وفي الدين بالخصوص.
(سؤال): خدمة الشخص لو في الباب الثاني؟ الخدمة. أي خدمة؟ يعني خدمة الأمة، خدمة الناس. نعم، في الباب الثاني؟ يعني شلون خدمة الناس؟ تعلق على خدمة الناس مثلاً، بلا شك لكن هذا خارج عن البحث. نحن الآن نتحدث عن الأسباب التي تدفع للبحث عن الدين، دوافع البحث عن الدين. ما هو الداعي لكي نبحث في مسائل الدين؟ ولما كلامك بالنسبة إلى أن تتحدث عن داعي العمل والدافع للعمل صحيح، قربة إلى الله، خدمة الناس، الداعية وقربة إلى الله، لكنه خارج عن محل البحث. محل بحثنا هو الأسباب والدوافع والدواعي التي تدفع الإنسان أن يبحث عن الدين.
الشيخ حفظه الله يأتي إلى التطبيقات ويقول: وُجدت دعاوى جداً كبيرة على لسان من يدعون النبوة والرسالة والإمامة ويقولون: يوجب دين. فحب الاستطلاع يحتم علينا أن نبحث في دعاوى هؤلاء، لاسيما وأنها دعاوى كبيرة وليست صغيرة. حب الاستطلاع يدعونا إلى البحث في دعاوى الأنبياء والمرسلين والأئمة.
الأمر الآخر: هؤلاء الأنبياء قالوا: توجد جنة ونعيم ويوجد نار وجحيم. فإذا توجد مصلحة مرجوة ويوجد ضرر محتمل، فالعقل يحتم علينا أن نبحث عن الدين من أجل دفع الضرر المحتمل وتحصيل المنفعة المرجوة.
المانعون عن البحث الديني ورد القرآن عليهم
لكن هناك من لا يبحث في المسائل الدينية لأحد أمرين:
الأمر الأول: للكسل؛ فليس الكل لديهم ذلك المزاج الذي يبحث فيه عن الدين.
والأمر الآخر: ليس لكسل، ربما شخص عالم وفاهم ولديه الدكتوراه وبروفيسور، لكنه لا يريد الالتزام بنقائد الدين لأنها تقيده؛ هو يريد أن يشرب الخمر، هو يريد أن يفعل ما يشاء، هو يريد الإباحية ولا يريد القيود، ولا يحب القيود. وبطبيعة الحال الدين يفرض ضوابط شرعية وحدوداً معينة، فقد تقيد إرادة ذلك الإنسان؛ الدين بطبيعة الحال ينظم الشهوات وهو لا يريد التنظيم لتلك الشهوات فيرفض الدين من الأساس، واضح؟
وبالتالي تجد مثلاً البعض الذين ذهبوا إلى الشيوعية، بعضهم ليس إيماناً بهذا المبدأ الفكري وإنما من أجل التخلص من الالتزامات والقيود؛ لا يريد أن يصلي، لا يريد أن يصوم، يقول من الأساس لا يوجد إله، فإذا أنكر الأساس لم يلتزم بالفرع.
الشيخ حفظه الله يقول: هؤلاء يعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم ﴿ كالأنعام بل هم أضل سبيلا ﴾. يقول: أنا أشبه بتشبيه أرقى نوعاً ما، ثم انطلقت إلى تشبيه القرآن الكريم؛ يقول: لدينا طفل، هذا الطفل يمرض، تقول له: نريد أن نذهب إلى الطبيب، تجد هذا الطفل لا يذهب إلى الطبيب خوفاً من ضرب الإبرة أو خوفاً من شرب الطعام المر، فيتفاقم ويستفحل هذا المرض فيموت هذا الطفل. يقول: عقلية هؤلاء الذين يتركون البحث عن الدين للكسل أو من أجل الرغبات والنزعات والشهوات أضعف من عقلية هذا الطفل، هم أشجع من هذا الطفل! لماذا؟ لأن الطفل لم يرزق العقل الكافي والإدراك الكافي، بينما هؤلاء رزقوا العقل الكافي. مضرة الطفل مضرة دنيوية بسيطة، ومضرة هؤلاء مضرة أخروية كبيرة وعميقة. ثم يقول: هم أجمع من الأنعام؛ لأن الأنعام لا عقل لها وهؤلاء قد أنعم الله عليهم بالعقل فلم يعقلوا، والأنعام ليست لها تلك المضرة الأخروية الأبدية وإنما ضررها بسيط دنيوي، بينما هؤلاء ضررهم ضرر كبير وضرر أخروي. الخلاصة ما ذكره الشيخ الأستاذ حفظه الله نقرأ هذا المقدار، ثم نشرع في شبهة وجواب الشبهة، والجواب فيه بعض الدقة.
نقرأ هذا المقدار: «أهمية البحث عن الدين، هذا المقدار بسيط ليس فيه شيء، اتبعنا مما سبق في بداية الدرس الثاني أن الدافع الفطري الغريزي لمعرفة الحقائق من جانب -هذا الدافع الأول، أي الدافع الغريزي وهو حب الاستطلاع- والرغبة في الوصول إلى المنافع والمصالح والأمن من الضرر والخطر من جانب آخر -هذا الدافع الثاني لزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة- يشكلان دافعاً قوياً للإنسان -لاحظ الشيخ ذكر الدافعين الأولين، الدافع الثالث تقدم منه بالأمس أنه لا يتطرق إليه- للتأمل في المعلومات والآراء المكتسبة وتفصيلها.
وعلى ضوئه، حين يعلم شخص بوجود أفراد كبار على امتداد التاريخ ادعوا بأنهم مبثوثون من خالق الكون لهداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، من هم أنبياء؟ وقد بذلوا أقصى جهودهم في سبيل إبلاغ رسالاتهم وهداية البشر وتحملوا كل ألوان المتاعب والتحديات، بل ضحوا بأرواحهم في سبيل هذا الهدف، فإن هذا الشخص بدفع من ذلك الدافع الفطري -أي الدافع الفطري حب الاستطلاع- يتحرك للبحث عن الدين ليرى مدى صحة دعوة الأنبياء وهل توجد أدلة منطقية كافية على صحة دعواهم؟
وخاصة حين يعلم بأن دعوتهم -إشارة إلى الدافع الأول، لذلك قال: أنه حينما أسِر بعض المسلمين في الروم جاؤوا بواحد أمام مرأى الجميع وجعلوه في زيت مقلي، أدخلوه في الزيت المليء ثم رفعوه فبان نصف الجسد الشريف هيكلاً عظمياً والنصف الآخر بقي كما هو، فبكى المسلمون، وقال حاكم الروم: هذه ليست إلا نار الدنيا التي قال لكم محمد إن نار الآخرة أهذى منها وأشد، فقال زعيم المسلمين عند ذاك: لئن أحرقتمفرقة من هذه النار، وإنما كنت أتمنى أن تكون لي سبعون روحاً لأتي بها نبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم أبدل عقيدتي من أجل النار الدنيوية، على كل حال حينما يتأمل الإنسان في مثل هذه الإرادة الصلبة يقول: ما هذه العقائد؟ ما هذه المبادئ؟
فإن هذا الشخص بدفع من ذلك الدافع الغريزي يتحرك للبحث عن الدين ليرى مدى صحة دعوة الأنبياء وهل توجد أدلة منطقية كافية لصحة دعواهم؟ وخاصة حين يعلم بأن دعوتهم ورسالتهم تتضمن البشارة بالسعادة والنعمة الأبدية والإنذار بالشقاء والعذاب الأخروي -أي إشارة إلى الوجه الثاني: لزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة- أي أن الإيمان بدعوتهم يتضمن المنافع المحتملة اللانهائية فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن عصيانهم تتعقبه الأضرار والأخطار المحتملة اللانهائية، فلا يبقى أي مبرر لمثل هذا الشخص في عدم الاهتمام بالدين وفي موقف اللامبالاة من أجل محاولة البحث عنه.
نعم، أجل، من الممكن أن يتجنى البعض البحث عن الدين لأحد سببين: أولاً للكسل وحب الارتخاء والراحة، وثانياً لأن الإيمان بالدين يفرض عليهم الكثير من الضوابط والحدود ويمنعهم من بعض الممارسات والشهوات التي ترغب بها نفوسهم. ولكن على هؤلاء أن يتقبلوا الآثار السيئة لهذا الكسل والخمول والغرور وما يعقبها بعد ذلك من العذاب الأبدي والشقاء الدائم. إن هؤلاء -من يتركون البحث عن الدين إما للكسل أو من أجل عدم التقيد- أكثر تعاسة وحماقة من ذلك الطفل المريض الجاهل الذي يمتنع عن الذهاب إلى الطبيب خوفاً من استعمال الدواء المر ويستعد للقاء حتفه الموت، وذلك لأن هذا الطفل لن يبلغ مرحلة من الوعي يحدد بها ما ينفعه وما يضره، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: بالإضافة إلى أن مخالفة توصيات الطبيب لا يترتب عليها إلا الحرمان من المنافع أو أيام قليلة من الحياة الدنيوية، بينما الإنسان البالغ العاقل له القدرة على التكييف فيما ينفعه ويضره -هذا الوجه الأول- وله القدرة على الموازنة بين اللذات المؤقتة والعذاب الأبدي -هذا الأمر الثاني-. ومن هنا اعتبر القرآن الكريم.. ماذا؟ لوجود فارقين: إن الأنعام لا تعقل والعاقل يعقل، الأمر الثاني: الأنعام تفقد متاع حياة دنيوية وهذا العاقل يفقد متاع حياة أخروية. ومن هنا اعتبر القرآن الكريم مثال هؤلاء الغافلين أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾ وفي آية أخرى يقول: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ﴾ يعني يتكلمون ولكن لا يتكلمون، يبصرون ولكن ليس لهم قلوب لا يعقلون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، في آذانهم وقر، ختم الله على قلوبهم، آيات كثيرة».
الجواب عن الشبهة النفعية في ترك البحث
نحن ذكرنا إن هنا ثمة من يبحث عن الدين لأحد أسباب: السبب الأول الكسل، السبب الثاني لا يريد أن يتقيد بقيود الدين وحدوده.
السبب الثاني يقول: ما الغاية من البحث عن الدين؟ قلت في الدافع الثاني: دفع الضرر المحتمل وتحصيل المنفعة المرجوة. وهو يقول: إن المضار والمنافع لا توجد منافع ومضار يتحصل عليها وتدفع بأيسر وقت وبسهولة، وهناك منافع ومضار تحتاج إلى جو طويل ووقت طويل وقد في النهاية لا تصل إلى نتيجة.
مثلاً، هذا الإنسان قلنا إن حب الاستطلاع ودفع الضرر المحتمل وتحصيل المنفعة المرجوة دافع عام في كل شيء؛ هو يبحث عن وظيفة فربما يحصل على الوظيفة بسرعة فيدفع مضرة البطالة ويحصل على منفعة الأجر والمعاش، وهكذا ما أكثر الأمور في الحياة الدنيا التي تدفع أضرارها بيسر وسهولة وتجلب منافعها أيضاً بيسر وسهولة. فإذا أمكن للإنسان أن يحصل على المنافع ويدفع المضار بيسر.. وهناك بعض الأمور يدفع ضررها ويحصل على منفعتها بعسر، فلماذا يذهب إلى الأمر العسير ويترك الأمر اليسير؟ والدين يحتاج إلى بحث طويل وإلى سنوات عديدة، وقد لا يصل إلى الدين الحق، وقد لا يصل إلى النتيجة النهائية الصحيحة، وقد يموت ويدركه الموت وهو لم يثبت على عقيدته، فلماذا يتبع نفسه في ذلك البحث الطويل الذي قد تكون نتيجته عقيمة، ويترك سائر اللذائذ والمنافع القريبة، ويترك ذلك سائر المضار والمساوئ القريبة جداً؟ من هنا، لماذا هو.. ماذا؟ لماذا هو يبحث عن الدين؟ فلتبحث عن أي شيء آخر ولا تعذب نفسها.
هذا الإشكال يمكن أن نقول إنه يعتمد على أساس مذهب فلسفي هو المذهب البرجماتي (المنفعة) التي تقوم عليها الآن الولايات المتحدة الأمريكية. الرأسمالية المادية أو الديمقراطية تقوم على مبدأ فلسفي إن صح التعبير، لأنه لا يُعد أصلاً من المذهب الفلسفي، المذهب النفعي: قيمة الفكرة بما تجر من نفع، كل فكرة قُدسيتها فيما تجره من نفع، إن جرت نفعاً فهي فكرة سليمة وصحيحة، وإن لم تجر نفعاً فهي فكرة عقيمة.
أنت تقول: إن الله واحد. هل يدخل في كيسيمان؟ لا يدخل في كيسيمان! إذن هذه فكرة عقيمة. واضح؟ لكن فكرة قانون العرض والطلب: إذا زاد العرض قل الطلب.. إذا قل العارض زاد الطلب، هذه فكرة يمكن تجد اعتبار أنها تجعل ربحاً للتجار.. انعكاس، إذا زاد العارض.. زاد الطلب؟ لا، ما يزيد الطلب، قل الطلب. هذه انعكاسية: إذا قل العارض زاد الطلب، إذا بضاعة قليلة الكل يطلبها صحيح، هذا الأولاد.. إذا كارتون الطماطم صار متوفر في الأسواق بـ 500 فلس ما أحد يشتري، وإذا زاد صار الكيلو بـ 500 فلس ضرب الحطب عليه مو هالشكل!
على كل حال، عندهم أن الفكرة قدسيتها من منفعتها، إن جرت نفعاً فهي فكرة سليمة، إن لم تجر نفعاً فهي فكرة سقيمة. أنت تقول: أنبياء ومرسلون وأئمة، هذه كلها لا تجر نفعاً دينياً عاجلاً، طبعاً نحن لسنا بصدد مناقشة المادية النفعية في قبال المادية الديالكتيكية الأساس الفلسفي للاشتراكية. المادية النفعية طبعاً من الأمور حتى لا.. قد لا تستحكم.. يعني الشبهة وإن كانت هي غير مستحكمة، هذا قصر نفعهم وقصر النفع على المنفعة الدنيوية والمنفعة المادية، لا يوجد في قاموسهم منفعة معنوية، مع أن الإنسان يدرك معاني معنوية كثيرة كحب الأبوين وصلة الأرحام وبر الوالدين وما شابه.
على كل حال، نحن الآن نريد أن نجيب على هذه الشبهة: ما هو مفاد الشبهة؟ إن البحث عن الدين طويل وعسير ومتعب وقد لا يوصل إلى نتيجة، فلماذا نستغرق البحث في البحث عن الدين ونترك البحث عن مسألة بسيطة ويسيرة قد نصل فيها إلى نتيجة؟
الجوابان النقضي والحلي على الشبهة
نجيب بجوابين: الجواب الأول جواب نقضي، والجواب الثاني جواب حلي.
الجواب النقضي هكذا: ليس الدين فقط نتائج حكومية! لو سلمنا أن نتائج البحث عن الدين تحتاج إلى بحث طويل، فما أكثر النتائج العلمية التي لم نتوسل إليها إلا بعد مرور الإنسانية بحقبة كبيرة، حقبة زمنية كبيرة من التجارب. الآن الكثير من الأدوية والعقاقير التي ماذا؟ أنتجت بين عشية وضحاها أنجزت.. ماذا؟ ملايين السنين وهكذا العناصر المكتشفة في علم الفيزياء والكيمياء واكتشاف القنبلة واختراع القنبلة الذرية واختراع النظائر المشعة، وما أكثر المعلومات وما أكثر المجهولات التي يُعمل إلى اليوم على الوصول إليها، هذه احتجت إلى سنين، بل بعض الأطباء سابقاً كان يجرب الأدوية على بعض أولاده ومات بعض أولاده بفعل هذه التجربة. إذاً البحث الطويل والنتيجة الطويلة هذه.. ماذا؟ ليست موقوفة على الدين.
لاحظوا: الجواب النقضي يسكت وخلاص، لكن ماذا؟ لا يحل المشكلة. يوسع الدائرة، يقول: عجب فلان، أنت تذهب إلى مجلس فلان؟ أقول: مو بس أنا، فلان الفلاني، فيسكت. أها، واضحنا؟ أنت تقول بكلام، تتكلم بكلام، أها، تقول: هذا هذا غير لائق، تقول: أنا أجيب لك رواية عن المعصوم، يقول: هذا الكلام. هذا جواب نقضي. لاحظوا ما حل المشكلة؛ إذا الكلام غير صحيح يبقى الإشكال وارد عليك، وارد على الرواية. نعم، إذا ذهابك إلى مجلس فلان غير صحيح، الإشكال وارد على ذهابه وعلى ذهاب فلان، لكن الجواب النقضي وظيفته الإسكاث والإفحام وتوسيع دائرة المشكلة، لكنه هو لا يحل المشكلة، المشكلة..
لكن الجواب الحلي أنا أعطيكم الآن سؤالاً عرض على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وعرض على الإمام الصادق (عليه السلام)؛ أحدهما أجاب بجواب نقضي، الآخر أجاب بجواب حلي.
جاء لهما شخص قال: هل يستطيع ربك أن يجعل العالم في بيضة؟ نعم، وهذه البيضة لا تكبر والعالم لا يصغر. الإمام الصادق (عليه السلام) قال له: قم. صعد فوق الصد، وضع فوق الصد.. صعد فوق الصد، كان أيام الإمام الصادق كلها ما عدا انتشار للجدل والصفصفة والزندقة والإلحاد، فاستخدم ماذا؟ جواباً جدلياً، جواباً نقضياً. قال: انظر بعينك. قال: ماذا ترى؟ قال: شمس سماء مناسب. قال: كلها في أين؟ في عينك التي أصغر من البيضة، أصغر من البيضاء! الله عز وجل استطاع أن يجعل كل هذه الأمور في ماذا؟ في هذه البيضاء، ما يقدر الله عز وجل أن يجعل العالم كله في بيضاء؟ سكت الإمام، ما أجاب الإمام، أسكت بلي!
نفس السؤال كان قد عرض على أمير المؤمنين (عليه السلام)، أجاب قال: ويحك، إن الله لا يوصف بعجز، ولكن الذي تقول لا يكون. الإمام يشير إلى قانون عقلي؛ مثلاً لو فرضنا عندنا ماء سعة لتر، وعندي كاس سعة نصف لتر، أستطيع أن أجعل الماء اللتر بأكمله.. بأكمله في كاس أبو نصف لتر؟ لا يمكن. إذن هنا الضعف ليس من الفاعل، أنا أستطيع أن أسكب الماء حتى يسير الضعف من القابل من الكاس، واضح ولا لا؟ الإمام يقول: الضعف ليس من القابل، من الفاعل وهو الله عز وجل، الضعف من القابل. ويحك، إن الله لا يوصف بعجز، الله وهو الفاعل الخالق غير مسلط، ولكن الذي تقول يعني يكون العالم هي بحجم ثالثة كل لجسم كونها جسم ما يصير هي في نفس الوقت كبيرة وفي نفس الوقت صغيرة في عين البيضاء، ولكن الذي تقول لا يكون.. قابل غير ممكن، غير واضح. الإمام (عليه السلام) أشار إلى هذه القضية، مثل الآن ماء سعة لتر أريد أن أضع في ماء في كاس سعة نصف لتر، هذا غير ممكن. هذا جواب حلي.
على كل حال، تلتفتون جيداً إلى الأجوبة: الجواب الأول جواب نقضي، الجواب الثاني دقيق ولطيف جواب حلي. والجواب الحلي جداً مفيد، وجدنا دقيق، وجدنا عميق. نقرأ هذا المقدار لعل الوقت لا يسع عليه، ذكر الجواب الحلي نذكره إن بقينا أحياء غداً، لكنه يحتاج إلى مزيد تدقق ومزيد عناية والتفات.
نقرأ هذا المقدار: «الجواب عن الشبهة: ربما يتشبث البعض للتهرب من التفكير والبحث عن الدين بهذه الحجة وهي: إنما يستحسن بذل الجهد والبحث عن قضية ومحاولة علاجها فيما لو كان لا.. إذاً الضعف 400% راح يموت، تتعالج ولا ما تتعالج؟ تعالج، تعالج على كل حال صفصفة.. ولكن ويحتمل التوصل من خلال جهده إلى الحل والنتيجة، ولكن ليس لنا مثل هذا الأمل ولا احتمال في البحث عن الدين ومسائله، يعني ليس لنا هذا الأمل في الوصول إلى الجواب السريع ومن هنا فللأفضل.. فللأفضل أن نبذل جهودنا وطاقاتنا في الأعمال التي نحتمل ونأمل أكثر في التوصل إلى نتائجها.
ونجيب هؤلاء أولاً بجواب نقضي وثانياً بجواب حلي. أولاً: أن الأمل في معالجة المسائل الدينية واحتمالها ليس بأقل من الاحتمال في معالجة المسائل العلمية، ونحن نعلم بأن معالجة الكثير من المسائل والقضايا العلمية إنما أمكن التوصل إليها نتيجة عشرات السنين من الجهود المضنية التي بذلها العلماء في هذا المجال. وثانياً: وهو الجواب الحلي الذي يحل المشكلة.
ألاحظ الجواب الحلي يصلح للعلماء، الجواب النقضي يصلح للعامة، لماذا؟ لأن الجواب النقضي فيه قوة إسكاث فيسكت الجمهور، الجواب الحلي فيه عادة دقة علمية هذه الدقة علمية تصعب على العامة، أي نعم لا يتحملها، وبالتالي الجواب الحلي يكون للعالم والجواب النقضي يكون للجاهل».
نعطيكم مثالاً، يقولون إنه أحد العلم.. عالمين تناقشا، واحد منهم يستخدم الجدل وواحد منهم يستخدم البرهان. أمام الناس الناس كلهم قالوا: الشيخ فلان اللي يستخدم الجدل هو الغلط. لما طلعوا شنو؟ العالم المجادل قال لي صاحب البرهان: هنيئا لك فقد هزمتني؛ لأنه يدرك أن ذاك استخدامه.. هذه قصة لا بأس بها، يقال إنه الشيخ والد الشيخ البهائي رحمة الله.. هذا كان رايح الحج في إحدى السنوات، ومن هناك على أثر رؤيا قرر أن يستقر في البحرين، نعم ذهب إلى البحرين.
في يوم من الأيام كانت هناك مناظرة بينه وبين أحد علماء.. جحا اسمها الشيخ داوود.. إذا اليوم إلى مدرسة الشيخ داوود، ألا نستقبله في المناظرة؟ قال الشيخ داوود: سيناقشك الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي بنقاش جدي، وقال لوالد الشيخ البهائي: سيناقشك الشيخ داوود بنقاش برهاني. فجاء الشيخ داوود يتصور أن الشيخ حسين بن عبد الصمد سيجادل، وذاك الشيخ حسين يتصور أن الشيخ داوود سيتكلم بكلام برهان. طرح البرهان والد البهائي، قال الشيخ داوود: لا نسلم! الجدل قائم على عدم التسليم، كلما طرح دليلاً قال لنا: لا نسلم! لم لا نسلم؟ فتأذى كثيراً والد الشيخ البهائي وقال: خلاص في أواد قد تصدوا لمحو العلم واشتغلوا باللملم، إلى ناقشتهم لن تلقى فيهم سوى قول اللملم.. لا نسلم!
واضح على كل حال، إن شاء الله الجواب الثاني يتيح عليه الكلام. صلى الله على محمد وآل بيته الكرام. اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم إن شاء الله.
