دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق

دروس مقررة — النصوص المتاحة

37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 6

تحميل Word

الدرس 6

مقدمة في ضرورة البحث عن الدين

وصل الكلام في الدرس الثالث إلى الشرط المقوم للحياة الإنسانية. وقلنا إن الشرط المقوم للحياة الإنسانية، وكون الحياة فعلاً إنسانيّاً، هو الالتزام برؤية كونية وأيديولوجية صحيحتين. فالإنسان في حياته، إذا لم يلتزم لا بأيديولوجية صحيحة ولا برؤية كونية سليمة، فهذا الإنسان لا يمكن أن نعده إنسانًا حقيقةً وإنسانًا حقيقيّاً، وإنما هو إنسان في صورة الإنسان، وفاقد لواقع الإنسانية، هذا بشكل مختصر.

وبشكل موسع ومفصل، نقول: هذا الدليل -طبعاً لا يقع عليكم- نحن الآن نبحث ضرورة البحث في الأمور الدينية. نحن الآن نريد أن نقيم أدلة على ضرورة البحث عن الدين. ذكرنا ثلاثة أمور: الاستقراء، لزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة، والشعور الديني. واليوم الأمر الرابع من الطرق، وهو: أن البحث عن الدين شرط مقوم للحياة الإنسانية.

هذه النقطة الرابعة وهذا الباب يتقوم بثلاث مقدمات نذكرها بإيجاز، ثم نفصلها تفصيلاً، ونوفق فيما بينها، ونستنتج النتيجة:

• المقدمة الأولى: أن الإنسان موجود باحث عن الكمال.

• المقدمة الثانية: الكمال الإنساني إنما يتحقق في ظل الأفعال الاختيارية المنبعثة من صفحة معارفه.

• المقدمة الثالثة: أن الأحكام العملية للعقل إنما تتصور على ضوء مقدمات نظرية.

ونأتي إلى هذه المقدمات الثلاث ونفصلها واحدةً واحدةً.

المقدمة الأولى: الإنسان موجود باحث عن الكمال

المقدمة الأولى: الإنسان موجود باحث عن الكمال. كل إنسان خلقه الله عز وجل وفطره على حب الكمال. فكل إنسان لديه غريزة تدعوه نحو طلب الكمال والتكامل. ولذلك، كل إنسان عندما يتأمل في أعماق نفسه وفي دوافعه الداخلية، يجد أن هناك شيئاً يدفعه لطلب الكمال. وهناك منبهات وجدانية تدل على وجود هذه الغريزة.

من هذه المنبهات: أن الإنسان يكره أن يظهر بتلك العيوب والنقائص، وما ذلك إلا لأنه يحب الكمال. ولذلك تجد هذا الإنسان يخفي تلك العيوب والنقائص التي لم تظهر، بل حتى التي ظهرت يكره أن يذكر بها ويكره أن تظهر، وما ذلك إلا لبغضه للكمال -أقصد لبغضه للنقص-.

قد تشكل بإشكال وتقول: إن حب الكمال والسعي نحو الكمال لا يبرز في كل البشر؛ فها نحن نرى المنحرفين يتفاخرون ويتفجعون بفضائهم للرزائل والمحارم! وها نحن نرى الظلمة يتفافرون بظلمهم للأنام وسلبهم للبلاد! وما ذلك إلا لأن غريزة حب الكمال ليست غريزة عامة وشاملة؛ نعم، المؤمن الصالح توجد عنده -يرحمكم الله- هذه الغريزة، بينما الفاسق الطالح لا توجد عنده هذه الغريزة.

والجواب: كل الناس -وعليكم السلام، تفضل جزاكم الله خيراً- كل الناس لديهم هذه الغريزة، كلنا لديهم غريزة حب الذات ولديهم أيضاً غريزة حب الكمال. وكل الناس يشتركون في هذه القوة، يعني كل إنسان يسعى نحو الكمال كليّةً وكبرىً. كل إنسان يشترك في تطبيق هذه الكبرى، وصغريات هذه الكبرى يختلفون فيها:

• المؤمن يرى أن كماله في عبادة الله عز وجل.

• المنحرف يرى أن كماله في الإباحية.

• المؤمن يرى أن كماله في العمل بالواجبات وترك المحرمات.

• المنحرف يرى أن كماله في ترك الواجبات والعمل بالمحرمات.

إذاً، كل الناس يشتركون في هذه الكبرى: كل إنسان يبحث عن الكمال؛ حتى إبليس يرى كماله في إغواء البشر لأنه خسر. وما دام هو غارقاً يريد أن يغرق، وهو لا يعلم.. هو لا يعلم صحيح، ولكن على كل حال الآن بعد أن خسر كل شيء لماذا لا يخسر الآخرين أيضاً؟ حتى ماذا؟ يعمم هذا الشيء، وسوء الشيء إذا تعمم خفف على الإنسان أو على الشخص بعض الشيء.

على كل حال، طبعاً هذه قد تناقش، لكن الفلاسفة يقولون: كل إنسان باحث عن الكمال؛ هل الإنسان يبحث عن الكمال؟ سواء كان صالحاً أم طالحاً. وإنما الفارق في الصغريات وفي التطبيقات؛ الإنسان المؤمن يرى أن كماله بالالتزام بما ألزم الله به، بينما الكافر يرى أن كماله بالامتثال لشهواته ونزواته. إذن، تمت المقدمة الأولى وهي أن الإنسان موجود باحث عن الكمال.

المقدمة الثانية: الكمال الإنساني في إطاعة العقل

المقدمة الثانية: نبحث عن الكمال الإنساني باعتبار أننا ندرس ماذا؟ أن الإنسان باحث عن الكمال، نريد أن نبحث ما هو الكمال الإنساني وكيف يتحقق الكمال الإنساني؟ لبيان ذلك نبين ثلاثة وجودات، وهي: الوجود النباتي، والوجود الحيواني، والوجود الإنساني، ونبين خصائص هذه الوجودات الثلاثة. وبمعرفتنا لخصيصة كل وجود من هذه الموجودات الثلاثة سنشخص كمال هذا الوجود؛ سنشخص الكمال النباتي والكمال الحيواني والكمال الإنساني.

1. النبّات: كيف ينمو هذا النبات؟ لا شك أن عملية النمو في النبات تتحقق بصورة قهرية، فالنبات يتكاثر وينجب الثمرة من دون أي إرادة. فعملية التكاثر وعملية النمو وعملية الإثمار في النبات تتم بصورة قهرية لا إرادية. وبالتالي يتبين أن الكمال النباتي هو في النمو بصورة قهرية لا إرادية.

حتى النخلة، إن لقحتها باللقاح أنتجت التمر، وإن لم تلقحها -أو الفرض لقح ولم تنجح- هذا لاختلاف العوامل لا لإرادة الشجرة. طبعاً هذا الكلام إذا تعرضه على أي إنسان عاقل يقول لك: النخلة أو الشجرة تعقل أم لا تعقل؟ لا تعقل. ألها إرادة أم ليس لها إرادة؟ ليس لها إرادة. وإذا دارسو الأحياء يرون أن العمليات تتم عن طريق اللقاح ومشاركة الخشب، مشاركة الخشب بمثابة الشرايين وتلك بمثابة الأوردة، تتم عملية فيزيائية ميكانيكية تماماً تماماً كمكينة السيارة، عملية فيزيائية ميكانيكية (واحد زائد واحد يساوي اثنين) من دون أي إرادة. على كل حال إذن النبات لا إرادة له، وإنما تتم عملية النمو والتكاثر والإنتاج في النبات بصورة قهرية كما فطرها الله عز وجل.

2. الوجود الحيواني: الحيوان أعنده إرادة أم ليس عنده إرادة؟ بلا شك الحيوان عنده إرادة، وبالتالي إذا تقف أمام الأسد ينذرك أشلاءً إذا كان جائعاً. على كل حال لا شك ولا ريب أن الحيوانات تملك إرادة بخلاف النباتات.

ولكن إرادة الحيوان مكبلة بأسر الشهوات؛ فإرادة الحيوان تدور في حدود دائرة الحاجات الطبيعية والشهوات الحيوانية، ولا تتعدى إرادة الحيوان ما وراء الحدود الطبيعية والحاجات الطبيعية. فإذاً للحيوان إرادة، لكن نابعة من الشهوات الصماء العمياء التي لا تعقل. إذاً تمام الحيوان في وجود إرادة منبثقة من حدود طبيعية.

3. الوجود الإنساني: الإنسان كرمه الله عز وجل؛ يوجد في الإنسان وجود نباتي ووجود حيواني ووجود إنساني:

• أما الوجود النباتي: توجد بعض الأشياء في الإنسان قهرية؛ حركة المعدة ودقات القلب، أردت أم لم ترد هذه الحركة الطبيعية الفيزيائية موجودة. فإذاً يتبين أن هذه الحركات الطبيعية الفيزيائية لا تمثل الكمال الإنساني لأنها لا تمثل امتيازاً.

• أما الوجود الحيواني: الإنسان أيضاً عنده إرادة منبثقة من الشهوات العمياء؛ سعيه وراء الطعام عندما يجوع، النوم عندما يتعاب، والجنس وإلى آخره. إذاً للإنسان أيضاً إرادة مكبلة ومقيدة بأسر الشهوات الصماء العمياء، هذه إرادة حيوانية وكمال حيواني.

• أما الوجود الإنساني: ويوجد للإنسان كمال ثالث وامتياز ثالث على الوجود النباتي الفيزيائي وعلى الوجود الحيواني الذي يملك إرادة تدور في حدود الحاجات الطبيعية، يمتاز بميزتين:

• الميزة الأولى: رغباته الفطرية لا تتحدد بحدود حاجاته الطبيعية؛ رغبات الإنسان تشمل الحدود الطبيعية والحدود غير الطبيعية. كما أن للإنسان حاجات طبيعية من مأكل ومشروب وملبس ومسكن وزواج، فهذه حاجات فوق حدود الطبيعة، هذه حاجات معنوية؛ مثلاً يحتاج أن يأنس، فالإنسان مفطور على حب الاجتماع، مثلاً هذا الإنسان لديه حاجات معنوية، وهي ماذا؟ حاجة إلى الرحمة والعطف، حاجة إلى التعاون، حاجة إلى اللجوء إلى جهة غيبية. إذاً حاجات الإنسان ورغبات الإنسان الفطرية لا تتحدد بالحدود الطبيعية وبالحاجات الطبيعية، هذه هي النقطة الأولى.

• الميزة الثانية: الإنسان يملك قوة العقل، ومن خلال قوة العقل يستطيع أن يوسع في معلوماته إلى ما لا نهاية، بخلاف الحيوان والنبات الذي لا يملك سلطاناً.

إذاً، أثبتنا للإنسان خصوصيتين، هاتان الخ خصوصيتان يمتاز بهما الإنسان عن الحيوان والنبات:

1. أن رغبات الإنسان لا تتحدد بحدود الحاجات الطبيعية، وإنما رغبات الإنسان أوسع، تشمل الحدود الطبيعية وما هو فوق الحدود الطبيعية.

2. الإنسان لديه سلطان العقل، هذا العقل يستطيع أن يوصل الإنسان إلى معلومات لا نهائية.

إذا اتضح ذلك، فنحدد الكمال النباتي والكمال الحيواني والكمال الإنساني:

• الكمال النباتي: حصول الحركات الفيزيائية والميكانيكية بشكل طبيعي خالي من الإرادة. ولذلك تقول: هذه شجرة كاملة، يعني تنمو بحسب ذاتها بدون إرادة.

• الكمال الحيواني: يكمن في الإرادة المنبثقة من الشهوات والرغبات والنزوات الصماء.

• الكمال الإنساني: كمال الإنسان بالإرادة المنبثقة من الرغبات الخارجة عن حدود الطبيعة التي يتحكم فيها العقل. إنسانية الفعل في كونه ناتجاً عن إرادة نابعة من حكم العقل؛ ففي مقام العمل العقل يشجل: هذا صحيح وهذا غير صحيح، هذا سليم وهذا سقيم، وعلى ضوء مدركات العقل تتولد وتنبت الإرادة.

من هنا الكمال الإنساني أين يكمن؟ يكمن في الفعل الاختياري لا الفعل الاضطراري. الفعل الاضطراري هو الكمال النباتي؛ والإرادة المكبلة بالشهوات هذا كمال حيواني؛ والكمال الإنساني في الإرادة التي يختارها. إنسانية الفعل في كون الفعل يصدر باختيار -لا مو مطلق الاختيار، قد يختار ما يوافق الشهوة وقد يختار ما يخالفها، قد يختار ما يوافق العقل وقد يختار ما يخالفه، لا- إذاً الكمال الإنساني أولاً في الإرادة الاختيارية، وثانياً المنبثقة من حكم العقل. هذا كمال الإنسان.

فأما إذا عدمت الإرادة فهذا كمال نباتي، وإن وجدت إرادة لم تنبثق من العقل فهذا كمال حيواني. لابد من مجموع هذين القيدين: أولاً إرادة فعل اختياري حتى لا يكون كمالاً نباتياً، ولا بد أن تكون منبثقة من حكم العقل حتى لا يكون كمالاً حيوانياً، واضح إن شاء الله؟

المقدمة الثالثة: الأحكام العملية للعقل ومدركاتها النظرية

الآن كلامنا في مطلق الكمال لكل إنسان متدين وغير متدين. ما هو كماله؟ كل إنسان متدين أو غير متدين، المقدمة الأولى تقول: هو يبحث عن الكمال. المقدمة الثانية تقول: كمال هذا الإنسان أين يكمن؟ في الإرادة الاختيارية المنبثقة من حكم العقل.

المقدمة الثالثة هي التي تخصص هذا الكمال -يعني كمال مطلق وليس كمالاً مقيداً-. المقدمة الثالثة تقول: كل كمال، يعني كل إرادة وجري عملي ناتج عن العقل يحتاج إلى مقدمات نظرية. كل نظام خلقي، كل أيديولوجيا، كل سلوك، كل فعل يحتاج إلى مقدمات نظرية إلى أسس فكرية. الأسس الفكرية إذا كانت صحيحة، هذا النظام القيمي والنظام الخلقي سيكون صحيحاً. وأما إذا كان هذا النظام الخلقي والسلوكي القيمي مبنياً على أسس باطلة، ستنسحب وستنجر تلك الأسس النظرية الباطلة إلى ذلك النظام.

وبالتالي نحن لحد الآن قلنا الأيديولوجيا الصحيحة، والسلوك الصحيح الذي يمثل كمال الإنسان هو ذلك السلوك المنبثق من إرادة اختيارية نابعة من حكم العقل في مقام العمل. ونحن نقول: إرادة الإنسان المنبثقة من حكم العقل في مقام العمل -هذا فعل، هذا سلوك- تحتاج إلى أساس نظري، تحتاج إلى أساس فكري؛ هذا الأساس الفكري يتمثل في الرؤية الكونية الإلهية القائمة على خلاصة أصول أساسية وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد.

وبالتالي تبين أن الكمال الإنساني يتجلى في معرفة الأصول الأساسية للدين وهي التوحيد والنبوة والمعاد. وبالتالي الأيديولوجية الصحيحة تتوقف على أصول الرؤية الكونية الإلهية الصحيحة.

ما هي أصول الرؤية الكونية؟ ثلاثة:

1. التوحيد: معرفة الوجود ومبدأ الوجود.

2. المعاد: معرفة منتهى الوجود (وكل واحد يسأل: من أين جئت؟ توحيد. وإالى أين انتهي؟ معاد).

3. النبوة: معرفة النظام السليم الموصل الذي يأخذ بيد الإنسان من المبدأ إلى المنتهى (وما بين المبدأ والمنتهى، ما هو النظام السليم والأصلح؟ هو النظام الرباعي، أنه النبوة وملحقاتها الإمامة، كما أن العدل من ملحقات التوحيد). والسبيل الوحيد الذي يمكن التوصل للنظام الذي يوفر السعادة هو النبوة.

خلاصة الدليل ببرهانه ومقدماته

فهذا الدليل يعتمد على ثلاثة مقدمات. أي دليل؟ الآن نحن نريد أن نصل إلى هذه النقطة: لماذا يجب البحث عن الدين؟ لا تغيب عنك الفكرة الأساسية؛ توجد عدة أمور تدعو للبحث عن الدين:

1. حب الاستطلاع.

2. لزوم دفع الضرر المحتمل وجلب المنفعة المرجوة.

3. الشعور الديني.

4. البحث عن الدين شرط مقوم للحياة الإنسانية، يعني إذا لا يوجد بحث عن الدين لا توجد إنسانية، لا يتحقق الكمال الإنساني. كيف ما تتحقق الإنسانية؟ كيف ما تتحقق الإنسانية والكمال الإنساني؟ نبحثه بثلاث مقدمات.

ويعتمد هذا الدليل على ثلاثة مقدمات:

• الأولى: الإنسان موجود يبحث عن الكمال.

• الثانية: إذا عرفنا أن كل إنسان يبحث عن الكمال، نريد أن نشخص الصغرى لا الكبرى. قررنا الكبرى: كل إنسان يبحث عن الكمال. نريد أن نبين التطبيق الصحيح، الصغرى الصحيحة: ما هو كمال الإنسان؟ قال: كمال الإنسان إنما يتحقق في ظل الأفعال الاختيارية المنبثقة من حكم العقل. ليش أفعال اختيارية؟ إذا فعل مو اختياري اضطراري يصبح كمالاً؟ نرى بالواقع لا. إذا فعل اختياري غير منبثق من حكم العقل بل منبثق من حكم الشهوة والهوى، صار كمالاً حيوانياً. إذا اجتمع القيدان: إرادة وأفعال اختيارية منبثقة من حكم العقل، صار كمالاً إنسانياً.

• الثالثة: الأحكام العملية للعقل إنما تتكون على ضوء مدركات نظرية معينة. يعني شنو الأحكام العملية للعقل؟ يعني السلوك الصحيح والأيديولوجيا الصحيحة التي يقررها العقل لابد أن تستند على رؤية كونية صحيحة. الأحكام العملية للعقل -يعني الأيديولوجيا الصحيحة التي يشخصها العقل- إنما تتكون، يعني تتحقق على ضوء مدركات نظرية معينة، يعني على رؤية كونية صحيحة. وأهم المدركات النظرية المعينة: الأصول الثلاثة للرؤية الكونية، أي معرفة مبدأ الوجود (التوحيد)، ومعرفة مصير الحياة (المعاد)، والسبيل (النبوة).

ونبدأ بتوضيح كل واحد من هذه المقدمات الثلاث:
لو تامل كل واحد منا في دوافع الإنسان، يلاحظ أن الدافع الأساس للكثير منها هو الرغبة في الكمال، ولن نجد إنساناً يرغب في النقص في وجوده. المنبه الوجدانى: فنراه يسعى جاهداً وبحسب وسعه لإزالة كل النقائص والعيوب عن نفسه ليبلغ كماله المنشود، وقبل إزالتها يحاول إخفاءها عن الآخرين.

الآن تشكل ماذا تقول؟ تقول: ما بالنا نرى الظالم يأنف، وما بالنا نرى الفاسق يأنف؟ نقلها كمال؟ كمال ومنشأ تشخيص الكمال للانحراف بالفطرة! الإنسان الذي يحصل على تربية صحيحة، صغريات هذه الكبرى تكون صحيحة، وتطبيق هذه الكبرى يكون صحيحاً، بينما الإنسان الذي يحصل على تربية سيئة يحصل انحراف بالفطرة فتشخيصه للكمال يكون غير صحيح. فهو يعتبره كمالاً إذا أحب، هذا ما يحس أن هذا نقص؛ يقول هذا تاتي له بمنبه. أليس عندنا في الروايات أن «كل إنسان يولد على الفطرة» وفي قلب الإنسان نقطة بيضاء، فإذا أذنب خرجت نقطة سوداء إلى أن تستحكم، وهو قول الله عز وجل: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وطبعاً في حديث عن الإمام علي (عليه السلام) أنه: «كفى بالعلم فخراً ألا ينسيبه الجاهل إلى نفسه»، أو «كفى بالجهل فخراً أن ينسبه الجاهل إلى نفسه».

وإذا وقف هذا الدافع إزاء دافع البحث عن الكمال في مسار الفطرة السليم فإنه سيؤدي إلى رقي الإنسان وتكامله المادي والمعنوي. ولكن لو وقع دافع البحث عن الكمال في مسار منحرف نتيجة لبعض العوامل والظروف فإنه سيؤدي إلى الكثير من الصفات السيئة، أمثال الاستعلاء والتكبر والرياء والتعالم على السماوات والارض. المؤمن يرى أن كماله في التواضع، الكافر أو الظالم يرى أن كماله في التكبر وأن التواضع فهذا دليل الضعف والمسكنة!

ولذلك شو يقول؟ أحياناً بعض الشواهد التاريخية تقول إنه أمر بشخص أن يضرب عنقه فأبطأ، قال: «ويحك! عجل قبل أن يدركني ملك الموت، عجل بضرب عنقك، مالي لا أطلع من الدنيا إلا وأنا أدارك عنقه». ويقال أيضاً أن الحجاج بن يوسف الثقفي -كما يذكر المحقق البحراني في الكشكول- أنه لشدة لذته لرؤية الموت.. وما ذلك إلا لماذا؟ واقعها كذا، عندما يأنس.. أنت ترى أن كمالك في الشفقة والرحمة بالإنسان، فذاك المؤدب والجلاد يرى أن كماله في صناعة الصراعات والآلام.

إذاً، فالرغبة في الكمال عامل فطري كامن في عمق الروح الإنسانية، ولكن لها غالباً مظاهر شعورية تجذب إليها الانتباه. ولو تأملنا قليلاً فيها لعلمنا أن الأساس والمصدر لكل هذه المظاهر الشعورية هو الرغبة في الكمال. إذاً توجد قاعدة كلية وكبرى كلية: كل إنسان باحث عن الكمال، وتطبيق وتشخيص مصداق الكمال يختلف في الناس نظراً لانحراف الفطرة وسلامة الفطرة.

كمال الإنسان في إطاعة العقل

الآن يبين الكمال النباتي والحيواني والإنساني:

• النبات: فتتم عملية النمو والتكامل في النباتات بصورة حتمية قهرية جبرية خاضعة لتوقر العوامل والظروف الخارجية؛ مثل وجود الماء، وجود السماد، وجود الهواء، من دون إرادتها ولا تصنع الاستمرار التي تختارها، بل ولا.. النخلة تقول عنوانها.. طبعاً النبات لا يملك الشعور ولا الإرادة.

• الحيوان: يمكن أن يكون لها نصيب من الإرادة والاعتياد في تكاملها -شلون إرادة واختيار في التكامل؟ هذا الأسد إذا ما يفترس ما يعيش، شلون ينمو أو يتكامل بإرادته؟- ولكنها إرادة منبثقة من الغرائز الحيوانية العميقة، يعني شنو العميقة؟ المعزولة عن حكم العقل؛ يتحقق عملها ونشاطها في حدود الحاجات الطبيعية. إذاً هذه فارقة ثانية، الحيوان لا حكم للعقل عنده، وحاجاته تدرج ضمن الحاجات وحدود الحاجة الطبيعية، وعلى ضوء شعور البيت محدد بمقدار حواس الحيوان فقط.

• الإنسان: إضافة إلى ما يملكه من الخصائص النباتية والحيوانية -خصائص نباتية مثل حركة دقات القلب، المعدة، الرئة؛ وخصائص حيوانية كذريعة اندفاع للأكل، للشرب، للنوم، للجنس، فهذه إرادة حيوانية- فإن الإنسان يختص بميزتين روحيتين تفوقان وتميزان على الكمال النباتي والحيواني، وهما:

1. من جهة لا تتحدد رغبات الإنسان الفطرية لحدود الحاجات الطبيعية، بل رغبات الإنسان تشمل الحاجات الطبيعية وغير الحاجات الطبيعية، هذا الأمر الأول.

2. ومن جهة أخرى يملك الإنسان قوة العقل، حيث يمكن الإنسان من خلال قوة العقل أن يسرف في معلوماته إلى ما لا نهاية.

ولأجل هاتين الميزتين -المفروض تقول الميزتان لعلمنا من الترجمة، لأن في الفارسية ما في مثنى، في جمع، أما مفرد وإما جمع؛ المفروض مثل الإنجليزي- ولأجل هاتين الميزتين تتجاوز إرادة الإنسان حدود الطبيعة الضيقة، هذا الأمر الأول ليش تتجاوز حدود الطبيعة الضيقة؟ لأن رغبات الإنسان الفطرية لا تتحدد بحدود الطبيعة الضيقة وتتجه باتجاه لا نهاية لوجود قوة العقل.

وكما أن الكمالات المختصة بالنبات إنما تنشأ بواسطة القوى النباتية المعينة، وكما أن الكمالات الحيوانية إنما تحصل من إرادتها المنبثقة من الغرائز والإدراكات الحسية العميقة، وكذلك الكمالات المختصة بالإنسان -التي تتمثل في الواقع في كمالات الإنسان الروحية- إنما يتوصل إليها من خلال إرادته الشعورية حتى لا يكون كمالاً نباتياً، وعلى ضوء توجيهات العقل وإرشاداته حتى لا يكون كمالاً حيوانياً.

هذا العقل الذي يتعرف على مختلف الاتجاهات والمستويات المطلوبة، وحينما تتصادم وتتزاحم هذه المستويات المطلوبة فإنه يختار الأفضل منها. ومن هنا نعلم بأن إنسانية الفعل بوجود قيد تتحقق، إنما تتحقق بالإرادة المنبثقة من الميول والرغبات التي يختص بها الإنسان أولاً، وثانياً وعلى ضوء هداية العقل وتوجيهه.

وأما الفعل الذي يصدر من دهر حيواني فقط -شنهي دهر حيواني؟ يعني من إرادة نابعة من شهوة عمياء- فهو عمل حيواني. كما أن الحركة التي تنشأ من القوة الميكانيكية لبدن الإنسان -مثل شنو القوة الميكانيكية؟ حركة حركة القلب، حركة المعدة، واضح لو لا؟ هاي حركة ميكانيكية يعني طبيعية، مثل الماكينة، شلون البستن يتحرك بشكل ميكانيكي؟ نفس الماكينة ما لها إرادتها أنت كذلك- فهي حركة فيزيائية، يعني حركة فيزيائية يعني شنو حركة؟ طبيعية. واضح تعرفون الفرق بين التغير الكيميائي والتغير الفيزيائي؟ التغير الفيزيائي هو التغير الطبيعي، بينما التغير الكيميائي لا، تغير غير الطبيعي.

تفتهم الكلام؟ يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.