دروس مقررة — النصوص المتاحة
37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 8
الدرس 8
إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك. إلهي والحقني بنور عزك الأبهى فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا، ومنك خائفا مراقبا، يا أرحم الراحمين. وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
الدرس الرابع: طريق العلاج لمسائل الرؤية الكونية الأساسية
تكلمنا فيما سلف عن علاج المسائل الأساسية للرؤية الكونية، وبالتالي نقول: لا بد أن نتعرف على أصول الدين الحق، لكن يتجلى أمامنا السؤال التالي: ما هو المنهج الصحيح؟ وما هو الطريق الصحيح الذي لا بد أن نسلكه لعلاج المسائل الكونية؟ ما هي طرق المعرفة؟ كيف يتوصل الإنسان لمدركات أساسية صحيحة؟ ما هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه؟ وما هو طريق المعرفة الذي ينبغي عليه أن يسلكه لكي يحصل على مدركات صحيحة؟ تفصيل هذه الدراسة يتكفل بها قسم المعرفة من الفلسفة؛ هناك تدرس نظرية المعرفة في قسم المعرفة من الفلسفة المعنون بعنوان الإبستمولوجيا. هناك يبحث عن أنواع المعرفة الإنسانية، وتقوم تلك المعارف... الكلام عن أنواع المعرفة بشكل تفصيلي ليس هو غاية هذا الكتاب، غاية هذا الكتاب دراسة المباحث العقائدية لأنه يبحث نظرية المعرفة ومن أراد أن يتوسع فعليه بمراجعة كتاب المصنف المنهج الجديد في تعليم الفلسفة؛ هناك تطرق إلى نظرية المعرفة، والشيخ السبحاني حفظه الله أيضا له كتاب معنون بعنوان نظرية المعرفة، يمكن أن يراجع هذين الكتابين وغيرهما.
ما هي أنواع المعرفة؟ يمكن أن نقسم المعرفة الإنسانية من بعض الجوانب إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: المعرفة التجريبية والعلمية.
القسم الثاني: المعرفة العقلية.
القسم الثالث: المعرفة التعبدية.
القسم الرابع: المعرفة الشهودية.
نتطرق إلى هذه المعارف وهذه الأقسام بشكل مفصل ونأخذها واحدة واحدة، وأما التفصيل الذي قد يخرج عن صلب الكتاب وصلب الموضوع فيمكن أن يراجع به ماذا يراجع بشأنها في الكتب المفصلة.
1. المعرفة التجريبية
المعرفة الأولى هي المعرفة التجريبية، هذه المعرفة يتوصل إليها بالاستعانة بالحواس، لكن لا يمكن أن نلغي دور العقل؛ يعني في المختبرات عندما نقوم بمختلف التجارب للحصول على علاج لمرض معين أو لتشخيص ظاهرة كونية معينة بالتحليل المختبري وبكرار التجربة قد نصل إلى نتائج. هذه المسائل وهذه النتائج هي من معطيات العلم التجريبي، من معطيات المعرفة الحسية، المعرفة التجريبية، المعرفة العلمية. طبعا يستفاد من مثل هذه العلوم التجريبية في أي علوم؟ في العلوم التجريبية مثل الكيمياء، الفيزياء، علم الأحياء، التاريخ الطبيعي الذي يدرس الكائنات الحية. طبعا لا يمكن أن نلغي دور العقل، لكن دور العقل هو دور الممم، دور المجرد للمدركات الحسية.
مثلا: أنت في المختبر تجد أن هذا الأنبوب قد سخن، تكرر التجربة ثم تكتشف أن علة سخونة هذا الأنبوب أنه توجد حرارة كنت لم تلتفت إليها أو توجد نار أنت لم تشاهدها، هذه النار سببت ارتفاع حرارة هذا الأنبوب. إذاً دور العقل تعميم الظاهرة، مثلا ماذا؟ مثلا: كان يعتقد في القديم أن الإنسان كيف يبصر؟ يخرج شعاع من العين يقع على الجسم المرئي مثلا الساعة التي أمامي فأبصر، لكن العلم الحديث اكتشف لا، أن الإنسان يبصر هكذا: يسقط شعاع ضوئي على الساعة ثم ينعكس على عيني فأبصر. كيف توصلوا إلى هذه النتيجة؟ قاموا بعدة تجارب؛ مثلا جاؤوا بصندوق، هذا الصندوق مظلم، وجعلوا في هذا الصندوق مرآة، وثقبوا هذا الصندوق من جهة أخرى بثقب بحيث لم يتحقق الضوء إلا من خلال هذا الثقب، فلاحظوا أن الأشياء التي يتسلط عليها الضوء وينعكس على المرآة ترى، بينما الأشياء التي لا يصلها الضوء لا يمكن رؤيتها على الرغم من وجود المنظرة ومن وجود المرآة، مما يدل على أن الضوء أولا يسقط على المرآة ثم ينعكس، وأما المرآة بما هي مرآة لا تبصر؛ كذلك عين الإنسان التي هي بمثابة المرآة، عين الإنسان لا يخرج الشعاع منها كما لا يخرج الشعاع من المرآة، وإنما ينعكس الضوء على المرآة كما ينعكس على عين الإنسان، يضرب الضوء في الساعة أو في المنضدة وما شاكل ذلك وينعكس على العين.
على كل حال، هذا يققال له علم تجريبي، دور العقل دور التعميم؛ يعني يأتي بظاهرة ثم ظاهرة ثانية، ثالثة، يدرس هذه الظاهرة، يدرس، يدرس، يدرس ثم بعد ذلك يعمم الظاهرة. مثلا: كانت إحدى العالمات قد وضعت ماذا؟ فيلما في درجها وكان هناك مقدار من عنصر وكان هناك مفتاح، ووجدت ماذا؟ أن صورة المفتاح قد طبعت في ذلك الفيلم. احتملت احتمالا، قالت: لعل هذا العنصر فيه إشعاعات، هذه الإشعاعات عكست صورة المفتاح في ذلك الفيلم. كررت الظاهرة مرارا عديدة فتوسلت أنها أنه توجد بعض العناصر المشعة مثل اليورانيوم وأن هذا المفتاح قد طبع في ذلك الفيلم بفعل النظائر المشعة وبفعل العناصر التي تتضمن إشعاعات. هذا ما يقال له معرفة تجريبية معرفة علمية.
إذاً الحس هو منشأ الإدراك؛ منشأ إدراك أن المفتاح قد طبع في الفيلم هو ماذا؟ العين الباصرة، منشأ إدراك أن النظر يتحقق بانعكاس الضوء وحينما شاهدنا هذه الظاهرة بإجراء تلك التجربة. إذاً الحس منشأ الإدراك، لكن العقل يعمم هذا الإدراك؛ الحس يقول هذه الحديدة تمددت بالحرارة، العقل يقول كل حديد يمتد بالحرارة. الحس يقول هذا المفتاح قد طبع في هذا الفيلم بواسطة العنصر المشع، العقل يقول كل عنصر مشع إذا قرب إليه مفتاح فإنه سينطبع في الفيلم. إذاً العقل دوره دور التعميم، بينما الحس هو منشأ الإدراك، منشأ الإحساس، منشأ التصور. هذا العلم يقال له علم تجريبي، علم حسي، أو يقال له منهج أو معرفة علمية، معرفة تجريبية.
طبعا العلم لا يختص بماذا؟ لا يختص بالتجربة، قد يحصل العلم من التجربة، قد يحصل العلم من العقل، قد يحصل العلم من ماذا؟ من النقل والتعبد، قد يحصل العلم من المكاشفة العرفانية، لكن في العصر الحديث اصطلح العلم على خصوص المعرفة التجريبية. لماذا؟ هم يقسمون العصور إلى ثلاثة: العصر الأول هو العصر الحجري، العصر الثاني القرون الوسطى، العصر الثالث هو العصر الحديث. في مرحلة القرون الوسطى كانت الكنيسة مهيمنة على الدولة، وكانت الأسر الممالكة وطبقة النبلاء مؤتلفة مع الكنيسة، وكانت الكنيسة تصدر قراراتها تصدر قراراتها وحتى لو كانت مخالفة للعلم، ومن يخالف يعذب؛ مثلا جاليليو حينما قال أن الأرض كروية وليست مسطحة كاد أن يعمد لولا أنه أعلن توبته تقية منهم.
على كل حال بعد ذلك حصلت ثورات في أوروبا أشهرها الثورة الفرنسية وإلا الثورات كثيرة: الثورة الإنجليزية، الثورة الفرنسية، الثورة الأمريكية. على كل حال جاؤوا ببعض المبادئ التي يروجونها أو يسوقونها اليوم كالديمقراطية وغيرها وحقوق الإنسان والتعددية والحرية. على كل حال أيضا قالوا لا يوجد علم ولا نؤمن بحقيقة علمية إلا إذا كانت التجربة تساعد على الإيمان بها، فقالوا معطيات العقل أو النقل أو الشهود هذه كلها خرافات أساطير؛ المعطى الحقيقي هو ما يمكن أن يحجر في المختبر. والتجربة تقول الله موجود أو فلان موجود، قيامة موجودة، عالم آخر موجود، اثبت لي ذلك بالتجربة! العلم المعطى العلمي الوحيد هو ما يستقى من التجربة، فقالوا: نحن نعيش اليوم عصر العلم ولا نعيش عصر الفلسفة والمعقولات الذهنية، نحن اليوم نعيش الواقع عصر العلم. وبالتالي العلم بحسب الاصطلاح الإسلامي العلم يشمل حتى المعرفة الشهودية المعرفة العقلية، لكن بحسب الاصطلاح الغربي الخاص يقولون المعرفة العلمية هي خصوص المعرفة التي تستقى من التجربة. هذا هو القسم الأول من المعرفة؛ المعرفة التجريبية المعرفة العلمية بالمصطلح الخاص.
2. المعرفة العقلية
المعرفة الثانية هي المعرفة العقلية. المعرفة العقلية عبارة عن المفاهيم الانتزاعية، أي أول ما عبر عنها بالمعقولات الثانية الفلسفية؛ لأن العقل يقوم بانتزاع الأشياء أو كما يقولون تشقير الأشياء وانتزاع حقائق كلية عامة.
مثلا: العقل يشاهد هذه النار سلطت على هذه الحديدة فارتفعت حرارتها، ثم يشاهد الحديدة الثانية سلطت عليها الحرارة فارتفعت حرارتها، ثم يشاهد الحديدة الثالثة سلطت عليها النار فارتفعت حرارتها، يستنتج وينتزع هذا المفهوم: لكل معلول وهو الحرارة علة وهي النار. المعطى الحسي لا يقول لكل معلول علة، المعطى الحسي ماذا يقول؟ يقول هذه الحديدة قد تمددت بالحرارة، يقول هذا الماء قد تمدد بالحرارة، هذا الماء قد تبخر بالحرارة، لكن لا يقول كل ماء متبخر له حرارة بخرته، لا يقول كل ماء متمدد، كل حديد متمدد له نار قد أسهمت في تمدده. إذاً المعرفة العقلية عبارة عن تلك المفاهيم الانتزاعية التي ينتزعها العقل.
مثلا: أنا وأنت وفلان وفلان نختلف في أشياء كثيرة، فلان أنفه طويل، فلان أنفه قصير، فلان طويل، فلان قصير، فلان ضعيف، فلان سمين، لكن يأتي العقل وينتزع مفهوما مشتركا فيما بيننا ويقول: إنسان؛ كلنا نشترك في الإنسانية. مثلا نذهب إلى الغابة، نقول هذا ثعلب وهذا ثعلب ذيله طويل، هذا ثعلب ذيله قصير، هذا ثعلب فروه جميل، هذا ثعلب فروه قبيح، ينتزع العقل مفهوما عاما: حيوان معك. هذه المعقولات الانتزاعية أو المعقولات الثانية الفلسفية هي عبارة عن المعرفة العقلية، واضح إن شاء الله؟ فهذه المفاهيم يقال لها معرفة عقلية، وميادين هذه المعرفة هي المنطق والعلوم الفلسفية والرياضيات.
نقرأ هذين المصطلحين، هاتين المعرفتين ونكمل الباقي:
أنواع المعرفة: يمكن تقسيم أنواع المعرفة الإنسانية من بعض جوانبها إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: المعرفة التجريبية والمعرفة العلمية لكن بمصطلحها الخاص، يعني المصطلح الخاص في العصر الحديث عند الغرب يقولون العلم هو ما يكون من معطيات الحس والتجربة فقط، لا تدخل لنا الكشف العرفاني، لا تدخل لنا المنهج النقلي والتعبدي. ويتوصل إليها المعرفة التجريبية بالاستعانة بالحواس، الحواس إما حواس ظاهرة وهي الحواس الخمس الباصرة والسامعة والذائقة والشم واللامسة، أو حواس باطنة وهي عبارة عن الأمور الوجدانية التي يدركها الإنسان بالوجدان؛ مثلا أنت تشعر بالخوف، تشعر بالجوع، تشعر بالعطش، هذه كلها عبارة عن حواس باطنية، حواس وجدانية. يقول وإن كان للعقل دوره في تجريد المدركات الحسية وتعميم المدركات الحسية وجعل المدركات الحسية عامة وشامله. كيف يجرد؟ العقل يشاهد هذه الحديدة تمددت بالحرارة وهذه الحديدة تمددت بالحرارة وهذه الحديدة تمددت بالحرارة ينتزع مفهوما عاماً ويقول ماذا؟ كل حديد يتمدد بالحرارة، فيعمم. الحس ماذا يقول؟ لا يقول كل حديد يتمدد بالحرارة، الحس يقول هذه الحديدة قد تمددت بالحرارة، العقل ينتزع كل الحديد يتمدد بالحرارة. قال: ويستفاد من المعرفة التجريبية من المعرفة التجريبية في العلوم التجريبية أمثال الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء.
المعرفة الثانية: المعرفة العقلية. وتتألف هذه المعرفة من المفاهيم الانتزاعية يعني المفاهيم التي ينتزعها العقل من بين الأشياء، يقارن هذا بهذا وذاك بذاك ثم ينتزع مفهوما كانتزاع لمفهوم العلة والمعلول يقول لكل معلول علة. إذاً هذا ما تبخر لابد أن تكون له علة وهي ماذا؟ الحرارة. المعقولات الثانية يقصد المعقولات الثانية الفلسفية، لأن المعقولات على ثلاثة أقسام يعني المفاهيم الكلية التي نتعقلها ثلاثة أقسام وثلاثة فئات:
القسم الأول: المفاهيم الأولى يعني المعقولات الأولى المفاهيم الماهوية مثل فهمك لمفهوم الإنسان، مفهوم البيان. هذا قسم.
القسم الثاني: المفاهيم الفلسفية يسمونها معقولات ثانية فلسفية مثل مفهوم العلة والمعلول.
القسم الثالث: المفاهيم المنطقية يسمونها معقولات ثانية منطقية مثل مفهوم الكلي، مفهوم الجزئي، مفهوم القياس، مفهوم العكس المستوي، مفهوم عكس النقيض وغيره من المفاهيم التي تدرس في المنطق.
إذاً المفاهيم على ثلاثة أقسام: مفاهيم أولية، مفاهيم أو معقولات ثانية فلسفية، ومعقولات ثانية منطقية.
طبعا الشيخ مصباح حفظه الله تطرق إلى هذه المفاهيم بشكل مفصل في كتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة الجزء الأول صفحة 200 هناك مثل وفصل من أراد المزيد عليه المراجعه هناك. لكن مراد هنا من المعقولات الثانية مراد خصوص المعقولات الثانية الفلسفية مثل مفهوم العلة ومفهوم المعلول، أنت كيف تنتزع مفهوم العلة والمعلول؟ تقارن العلة والمعلول، النار والحرارة. تلاحظ هل يمكن التفكيك بين النار والحرارة أم لا؟ هل وجدت نار بدون حرارة أو حرارة بدون نار أم لا؟ ثم تستنتج أنه لكل معلول علة، وما دام وجدت الحرارة وجدت هذا المعلول وجد فلا بد أن توجد علتها العلة هي النار.
المعرفة الثانية: المعرفة العقلية وتتألف هذه من المفاهيم الانتزاعية يعني التي ينتزعها العقل وهي المعقولات الثانية. يراد هنا المفاهيم المعقولات الثانية الفلسفية مثل مفهوم العلة والمعلول مفهوم الوجود، غير ماذا؟ المعقولات الثانية المنطقية مثل مفهوم العكس المستوي، مفهوم القياس إلى آخره. والعقل له الدور الرئيسي في التوصل إليها وإن كان قد يستفاد من بعض المعطيات الحسية وإن كان قد يستفاد من بعض المعطيات الحسية والتجريبية كمنشأ لانتزاع المفاهيم؛ يعني حينما نقول معرفة عقلية لا نريد أن العقل يتعقل الأشياء محضاً من دون الاستعانة بأي شيء، العقل لكي ينتزع قانون العلة والمعلول لابد أن يذهب ويجرب فيشاهد أن هذه الحديدة قد تمددت بالحرارة، وإلا كيف ينتزع هذا المفهوم العام من دون أن يتتبع هذه الجزئيات المختلفة؟ فإذاً العقل يستعين بالحس والتجربة كمنشأ يعني وأساس لانتزاع المفاهيم أو لتشكل بعض مقدمات القياس.
نحن نعرف أن القياس مكون من مادتين: صغرى وكبرى؛ مثلاً تقول: هذه الحديدة تمددت بالحَرّ، أو مثلاً تقول: الحديد معدن (هذه مقدمة صغرى فيها الجزئي، تقول الحديد معدن)، وكبرى: وكل معدن يمتد بالحرارة، النتيجة تكون: الحديد يمتد بالحرارة. أو تأتي بقياس آخر ماذا تقول؟ العالم حادث هذه صغرى، وكل حادث متغير هذه مقدمة ثانية كبرى، النتيجة: العالم متغير. طبعا قد تكون المقدمة الصغرى أو المقدمة الكبرى من الحس؛ مثلاً: الحديد معدن هذا ماذا؟ من الحس انتزعتها. وكل حديد يمتد بالحرارة أيضاً بالحس نحن ندرك ذلك. إذاً أحياناً قد تكون مقدمة عقلية والأخرى حسية ولذلك يقول: أو لتشكل يعني المعطيات الحسية والتجريبية بعض مقدمات القياس وميادين هذه المعرفة، المعرفة العقلية هي المنطق، علم المنطق، والعلوم الفلسفية والرياضيات.
3. المعرفة التعبدية
المعرفة الثالثة هي المعرفة التعبدية والنقلية؛ يعني ما جاءنا من القرآن الكريم وما جاءنا من الروايات عن النبي والأئمة الطاهرين. إذاً ماذا نقصد بالمعرفة التعبدية؟ نقصد تلك المعارف والمعلومات التي يتلقاها أتباع الأديان من أحاديث قادتهم وزعمائهم الدينيين. نحن نتلقى معلومات من النبي والأئمة الطاهرين إذن هذه معرفة نقلية. لكن من يعبد إلهاً آخر أو يدين بدين آخر يعتقد بما ينقل له عن قادته وزعمائه، وربما يكون إيمانه أيضاً أشد رسوخا من المعتقدات الناشئة من الحس والتجربة. لكن المعرفة التعبدية دورها ثانوي، ليس أساسي، دورها فرعي، دورها جانبي. لماذا؟ لأنك كيف ثبت لك أن هذا قائد وأن هذا نبي وأن هذا إمام وأن هذا معصوم؟ لابد أن يكون للعقل دور في الرتبة السابقة. إذا حكمت عقلك وثبت لك من طريق العقل أن هذا نبي أو هذا قائد أو هذا إمام واجبت طاعته وافترضت طاعته حينئذ وجب عليك أن تأخذ بما يقول لك وما ينقل لك من أقواله، وبالتالي هذه المعرفة النقلية فرع المعرفة العقلية؛ أولاً بالعقل تعرف الله وتعرف كتاب الله وأقوال رسول الله ثم بالنقل تلتزم بما يأتيك عن رسول الله وعن الله عز وجل، وبالتالي هذه المعرفة ليس لها دور أساسي دور اولي، وإنما لها دور ثانوي.
يقول القسم الثالث: المعرفة التعبدية وهذه المعرفة لها دور ثانوي لأنها مستندة في تحققها إلى معرفة مسبقة عليها هي المعرفة بالمصدر المعتمد عليه. أي مصدر معتمد عليه؟ أنت تعتمد على القرآن، تعتمد على السنة، على أحاديث النبي الفلاني، على أحاديث القائد الفلاني. أنت لابد أن تعرف الله، أو النبي، أو الإمام، والقائد الفلاني بالعقل، ثم بعد ذلك تلتزم بما ينقل لك عنه. يقول: وهذه المعرفة لها دور ثانوي لأنها مستندة في تحققها إلى معرفة مسبقة عليها هي المعرفة بالمصدر المعتمد عليه، وعن طريق خبر المخبر الصادق لابد أن ينقل لك أيضاً عن النبي مخبر صادق أو عن الإمام. وتعد منها يعني من المعرفة التعبدية المعرفة النقلية المعارف والمعلومات التي يتلقاها أتباع الأديان من أحاديث قادتهم وزعمائهم الدينيين، وربما كان إيمانهم بها أشد رسوخاً من المعتقدات الناشئة من الحس والتجربة.
4. المعرفة الشهودية
القسم الرابع: المعرفة الشهودية. هذه المعرفة عبارة عن الكشف والشهود. قبل أن نشرع في ها نريد أن نوضح قسمين. هذه المقدمة يبحث عنها في علم المنطق هناك؛ يقولون إن العلم على نحوين: إما علم حضوري وإما علم حصولي.
مثلا وضعت يدي في النار فاحترقت فتألمت كثيرا، شعوري بألم الاحتراق هذا الشعور وهذا الألم بنفسه حاضر في أعماقي. لكن فلنفرض أنك تشاهد احتراق يدي، فتتألم أنت أيضا، لكن مع فارق أنني نفس الألم قد حضر عندي، بينما صورة الألم قد حضرت في ذهنك. وهكذا لو أن شخصا جائع جدا، فإن نفس الجوع، نفس ألم الجوع حاضر في نفسه، بينما أنت حينما تلحظه صورة الجوع تحضر في ذهنك. وهكذا الإنسان الغضبان، أو الإنسان الذي يشعر بالكآبة، أو الإنسان الذي هو فرح مستبشر مسرور، شعوره بالبشر والفرح، شعوره بالألم هذا حاضر في نفسه. لكن أنت تنظر إليه، هذا ليس عبارة عن حضور نفس الشيء، نفس السرور، نفس الألم، وإنما حضور صورة الألم. وبعبارة أخرى: حينما يذهب المريض إلى الطبيب، شعور المريض بألم المرض علم حضوري لأنه عبارة عن حضور نفس المعلوم لدى العالم، حضور نفس الألم لدى المريض. بينما شعور الطبيب بعلم المرض علم حصولي؛ يعني حصلت وحضرت صورة المعلوم وليس نفس المعلوم.
إذاً العلم الحضوري هو عبارة عن حضور نفس المعلوم لدى العالم، بينما العلم الحصولي هو عبارة عن حضور صورة المعلوم لدى العالم، وشتان بين العلم الحضوري والعلم الحصولي. وبالتالي العلم الحضوري لا يخطئ؛ ما دام نفس المعلوم هو حاضر، إذاً لا يحمل لا يحتمل الخطأ، ولا يقبل الاشتباه، بينما العلم الحصولي، الذي هو عبارة عن صورة، يقبل الاشتباه، لأن الصورة قد تكون واضحة ودقيقة، وقد تكون مشوهة، فل علم الحصول يقبل الخطأ والاشتباه لأنه عبارة عن حضور صورة الشيء، حضور صورة المعلوم لدى العالم، وهذه الصورة قد تكون دقيقة، وقد تكون غير دقيقة. بينما العلم الحضوري لا يقبل الخطأ لأنه عبارة عن حضور نفس المعلوم.
سؤال: أحيانا تذهب إلى الطبيب تقول ماذا؟ لدي ألم في رأسي، يفحص عليك يقول: من رجلك. تقول: لا. يقول: من رجلك لكنك تتوهم أن الألم في رأسك. أو مثلا هذا الشخص الذي تجرى له عملية يقول: أنا عطشان. يقول الطبيب: لا تسقوه ماء لأن هذا شعور كاذب هو من الألم يشعر بالعطش وفي الواقع هو ليس بعطشان. أليس شعورا بالعطش؟ أليس شعوراً بألم الرأس؟ أليس علماً حضورياً وقد أخطأ هنا؟ كيف تقول إن العلم الحضوري لا يخطئ؟
الجواب: حضور ألم الرجل والإصبع حضور ألم العملية موجود في النفس ولا يقبل الخطأ. لكن نقل هذا العلم الحضوري حينما هذا يقول ألم في رأسي، حينما يقول أنا عطشان، هذا الكلام الذي يقوله عبارة عن علم حصولي؛ هو يريد أن ينقل لك صورة الألم، لا ينقل لك نفس الألم. هذا النقل الذي هو عبارة عن علم حصولي يقبل الخطأ، مثال للتقريب: أنت ترى رؤية في المنام من أفضل ما يكون وفيها الكثير من التفاصيل والدقائق، لكن حينما تريد أن تنقل وتسرد هذه الحلمة وهذه القصة لأخيك مثلا قد تتوقف في بعض المواضع تقول: لا أتذكر. حينما عاينت الحلمة وأنت نائم كان آنذاك العلم حضوريا، يعني نفس الحلمة نفس المعلوم كانت حاضرة عندك. بعد الاستيقاظ حينما أردت أن تنقل تلك الحلمة كان هذا العلم علم حصولي؛ أنت تريد أن تحصل لنا وأن توجد لنا صورة لتلك الرؤية لا أن توجد نفس الرؤية.
على كل حال بعد أن اتضح معنى العلم الحضوري أنه حضور نفس المعلوم، والعلم الحصولي هو عبارة عن حصول صورة المعلوم، نقول: المعرفة الشهودية والعرفانية تختلف عن المعارف الثلاث التي أخذناها (المعرفة النقلية، المعرفة العقلية، المعرفة التجريبية). هذه المعارف الثلاث من سنخ العلم الحصولي، من شأنها أن توجد لنا صورة المعلوم؛ التجربة المفاهيم الانتزاعية العقلية الأمور النقلية تنقل لنا صورة للمعلوم، لا تنقل لنا نفس المعلوم. بينما العلم الشهودي العلم العرفاني العلم الكشفي ينقل لنا نفس المعلوم؛ من تحصل لديه المكاشفة، من تحصل لديه معاينة الحقائق، من يكشف له عن الواقع، يعاين ويشاهد نفس الحقائق. نقول: شاهدوا الجنة كشفاً فرأوها رأي عين. أو لا نقول إن الحسين (عليه السلام) كشف عن أبصار أصحابه فرأوا الجنة عيناً. الإمام الحسين (عليه السلام) لم ينقل لهم صورة، عين الجنة رأوها. إذاً العلم العرفاني، الكشف والشهود هو عبارة عن ماذا؟ هو عبارة عن معاينة نفس الواقع، بخلاف العلم التجريبي، علم العقل، العلم التعبدي، فهذا عبارة عن علم حصولي قد يقع فيه الاشتباه لأنه عبارة عن نقل للصورة.
لكن التفتوا يا إخوان: العلم العرفاني والكشفي صحيح هو عبارة عن ماذا؟ عن علم حضوري لا يقبل الخطأ، لكن نقل العلم الحضوري للآخرين كثيرا ما قد يقع فيه التحريف ونخلط ما عوينه والتفسيرات الذهنية لذلك الشيء الذي عوينه. مثلا: أنت ترى رؤية في المنام تراها بحسب الواقع تامة، حينما تنقلها إلى الآخرين تخلط بين تحليلك الذهني وتفسيرك الذهني للحلمة وبين نفس الحلمة التي عاينتها. حينما كنت نائما ومعاينا للحلمة كان ذلك العلم علماً حضورياً، لكن حينما جئت تنقل للآخرين كان هذا العلم علم حضوري علم حصولي مخلوط بتفسيرات ذهنية وبالتالي هو يقبل الخطأ. إذاً العلم العرفاني إذا صح هو علم تام لا يقبل الخطأ، لكن كثيرا ما يخلط بين العلم العرفاني ونقل العلم العرفاني الذي هو عبارة عن علم حصولي.
رابعا القسم الرابع: المعرفة الشهودية. وهذه المعرفة خلافا للأقسام السابقة تتعلق بعين المعلوم وذات المعلوم وليس بصورة المعلوم، نفس المعلوم تعاين تشاهد نفس المعلوم دون وساطة الصورة والمفهوم الذهني للمعلوم كما هو الشأن في سائر أنواع المعرفة الثلاثة التي أخذناها (المعرفة التجريبية والعقلية والتعبدية) فإنها تنقل صورة المعلوم ولا تنقل ذات وعين المعلوم حيث يتوصل إليها الإنسان في تلك المعارف الثلاث من خلال الصور الذهنية. وهذه المعرفة الشهودية ما دامت هي علم حضوري يعني حضور نفس المعلوم هي مصونة من الخطأ والاشتباه. ولكن وكما وضح في محله وسيأتي إن شاء الله إنما يطلق عليه المعرفة الشهودية والعرفانية عادة في الواقع ليس هو عين ذات المعلوم وإنما يخلط بين معاينة ذات المعلوم والتفسير الذهني لذلك المعلوم. وكما وضح في محله إنما يطلق عليه المعرفة الشهودية والعرفانية عادة هو في واقعه تفسير ذهني للمشاهدات، وهو يعني التفسير الذهني للمشاهدات يقبل الخطأ والاشتباه. لماذا؟ لأن التفسير الذهني للمشاهدات عبارة عن نقل الصورة للمعلوم وليس عبارة عن نفس ذات المعلوم وبالتالي هو علم حصولي، والعلم الحصولي يقبل الخطأ والاشتباه بخلاف العلم الحضوري الذي هو عبارة عن معاينة ذات المعلوم لا يقبل الخطأ والاشتباه.
أنواع الرؤية الكونية يأتي عليها الكلام إن شاء الله في الدرس القادم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
