دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق

دروس مقررة — النصوص المتاحة

37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 9

تحميل Word

الدرس 9

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه الطاهرين، وكلامي وألفاظي لموضع الزلل الأجهد، فأكون لك عارفاً، وعن سواك منحرفاً، ومنك خائفاً مراقباً يا أرحم الراحمين.

كان الكلام عن أنواع المعرفة، وقسمنا أنواع المعرفة الإنسانية إلى أربعة أقسام:
المعرفة الأولى هي المعرفة التجريبية، أو ما يُصطلح عليها في العرف حالياً بالمعرفة العلمية.
القسم الثاني هو المعرفة العقلية أو الفلسفية.
القسم الثالث هي المعرفة النقلية أو التعبدية أو الدينية. وعليكم السلام ورحمة الله.
والقسم الرابع هو المعرفة الشهودية أو الكشفية أو العرفانية أو الإشراقية.

وبالتالي فإن الرؤى الكونية تتعدد وتتنوع تبعاً لانقسام أنواع المعرفة. فكما أن أنواع المعرفة أقسامها أربعة، كذلك الرؤى الكونية يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام أو أربعة أنواع:

• فالنوع الأول هو الرؤية الكونية العلمية أو التجريبية، وهي تلك الرؤى والأفكار والعقائد التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق معطيات الحس فقط. السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله.

• الرؤية الكونية الفلسفية هي عبارة عن الرؤى التي يتوصل إليها من الاستدلالات والبحوث العقلية والفلسفية.

• والرؤية الثالثة هي الرؤية الكونية الدينية التي يتوصل إليها عن طريق الاعتقاد بالآراء الدينية والمذهبية.

• والرؤية الأخيرة والرابعة هي الرؤية الكونية العرفانية التي تحصل من الكشف والشهود.

الآن لابد من البحث: أي هذه الرؤى أوفق وأوصل للطريق؟ عندنا أربعة أنواع من الرؤى الكونية: رؤية كونية علمية، رؤية كونية فلسفية، رؤية كونية عرفانية، رؤية كونية دينية. نحن في أصول الدين حينما نريد البحث، أي هذه الرؤى الكونية الأربع أفضل وأوفق وأسلم؟ لابد من بحث هذه الرؤى الأربع واحدة واحدة، وبالتالي إن سقطت كلها إلا واحدة فهي الأوفق والأسلم.

إن شاء الله من خلال هذا العرض سنبطل الرؤية الكونية العلمية القائمة على التجربة، وسنبطل الرؤية الكونية الدينية القائمة على أساس النقل، وسنبطل الرؤية الكونية العرفانية القائمة على أساس الكشف والشهود، فستبقى الرؤية الكونية العقلية الفلسفية. وإبطالنا لتلك المعارف الثلاث والرؤى الثلاث لا يعني أننا لا نستفيد منها في صميم البحوث العقائدية؛ نحن نستفيد من المعرفة التجريبية، نستفيد من المعرفة الشهودية، نستفيد من المعرفة النقلية، لكن ليست هي الأساس، الأساس هي المعرفة الفلسفية العقلية لأنها تستوعب جميع أطراف البحث، بينما الرؤى الثلاث والمعارف الثلاث تختص ببعض الجوانب. هذا خلاصة البحث.

أما بالنسبة إلى الرؤية التجريبية -الرؤية الكونية العلمية- فلا يمكن الاعتماد عليها، لماذا؟ لأنها ضيقة ومحدودة بحدود الحس والطبيعة، فالتجربة تدور في فلك الطبيعة والحواس وما تناله الحواس من تلك القضية. وأما ما وراء الطبيعة المعبر عنه بالميتافيزيقيا فلا تناله يد التجربة. عالم الغيب من الملائكة والعالم العلوي لا تناله يد التجربة، فإذا المعرفة التجريبية قاصرة عن إدراك ما وراء الطبيعة لأنها مكبلة بحدود اقتضيها، بل هي مكبلة بخصوص ما تدركه الحواس الخمس من القضية، فلو كانت هناك أمور طبيعية لم تدركها الحواس الخمس فلم تنالها يد المعرفة التجريبية.

ومن هنا يقول الشيخ: إن قولهم رؤية كونية تجريبية -هي من باب التسامح والتجوز في التعريب في التعبير- هذا الكلام ليس إلا إطفاء بالون كبير واسع على شيء ضيق، والأدق أن نسميها المعرفة المادية، لا أن نطلق عليها رؤية كونية. رؤية كونية يعني تلك الأفكار العامة والمتناسقة حول الإنسان والكون والوجود، هذه الرؤية الكونية. إن قلنا رؤية كونية مادية، رؤية كونية تجريبية، رؤية كونية علمية، هي تلك الرؤية المختصة بخصوص الجانب المادي للإنسان والكون والطبيعة، ولا تشمل مطلق الحدود الخارجة عن المادة للإنسان والكون والطبيعة.

فإذا المعرفة الأولى وهي المعرفة التجريبية -الرؤية الكونية التجريبية- أصلاً إطلاق لفظ الرؤية الكونية عليها غير صحيح، لأن الرؤية الكونية تفيد الشمول، تشمل الطبيعة وما وراء الطبيعة، بينما التجربة والعلم تفيدنا في حدود الطبيعة ومعطيات الحس من هذه القضية. إذاً لا يمكن الاتكاء على الرؤية الكونية العلمية التجريبية، بل نحن نقول هذا التعبير غير دقيق، والأدق نسميها معرفة العالم المادي، معرفة المادة في عالم الطبيعة.

الرؤية الثانية وهي الرؤية الكونية الدينية، تقدم أن لها دوراً ثانويرياً وليس لها دور أساسي. لماذا؟ لأن الرؤية الكونية الدينية تعتمد على نقولات الأنبياء والمرسلين والأولياء، وإثبات حجية أقوالهم فرع إثبات وجود من أرسلهم ومن أعطاهم الحجية، وبالتالي المعرفة الدينية ليس لها دور أساسي في إثبات وجود الله.

مثل على وجود الله؟ تقول قال الله عز وجل [ضحك] وإلا لكم إلاه واحد! وهو يلزم الدور. كيف يلزم الدور؟ معرفة الله توقفت على القرآن، وتوقف القرآن على معرفة الله؟ معرفة الله توقف على كلام النبي، وحجية كلام النبي متوقفة على معرفة الله؟ إذاً توقفت معرفة الله على معرفة الله، هذا دور باطل.

مثل الآن أنا أقول ماذا؟ هل تذهب إلى المعرف؟ تقول لي إذا أنت ذهبت. وأنت هل تذهب؟ أقول إذا أنت ذهبت، فتوقف ذهابك على ذهابك وتوقف ذهابك على ذهابك، إذاً توقف الشيء على نفسه وتوقف الشيء على نفسه دور محال باطل، لا يمكن القول به.

هنا الكلام هو الكلام: من أن نعرف الله؟ من أن نستخرج الرؤية الكونية من كلام النبي؟ كلام النبي من أين حجيته؟ من وجود الله، فتوقف وجود الله على وجود النبي، ومعرفة كلام النبي وتوقفت حجية كلمات النبي على وجود الله، هذا دور باطل.

نعم، يمكن الاستفادة من الرؤية الكونية الدينية النقلية، المنهج النقلي، بعد الفراغ عن إثبات الصانع وبعد الفراغ عن إثبات وجود الله عز وجل. لأن هنا جملة من العقائد لا تناله يد العاقل، وإنما يختص الدين بذكره كبعض الشؤون في عالم البرزخ: أن النار الآن موجودة أم غير موجودة؟ ماذا موجود في الجنة؟ ما هو الصراط؟ ما هي الأعراف؟ أو حتى في عالمنا عرجوا، أن أئمتنا يرجعون، هذا لا تناله -ليست العقل يثبت أو ينفي- العقل يقول هذا ممكن، ممكن الوجود وممكن العدم. إثبات الرجعة وعدم إثبات الرجعة هذا نثبت فيه إلى النصوص الدينية.

إذاً تبين أيضاً أن المعرفة الدينية النقلية لا يمكن الركون إليها، لماذا؟ لأن لها دوراً ثانويّاً وليس لها دوراً أساسياً. كما يقول: نثبت العرش ثم نثبت الله موجود أولاً ثم قل قال رسول الله، حجية كلام رسول الله فرع حجية وجود الله عز وجل. إذا أنكرت من الأساس الله غير موجود قط، إذاً بالتالي ماذا؟ إذاً بالتالي كلام الرسول لا حجية له. ولذلك التيارات الشيوعية ماذا؟ التيارات الشيوعية بعضهم والكثير منهم لجأ إلى إنكار وجود الله من أجل عدم التقيد بالتزامات الرسول ولا الأئمة، وتراهم يأتون ببعض الأمور المنافية لوجدانهم، كما حصل في بعض المدارس حيث وقف المدرس وقال: أيها الناس وأيها القلعة أنتم مجانين لا تعقلون! لماذا؟ قال: لأنكم تعبدون الله، أين الله؟ أرايتموه؟ كيف تعبدون شيئاً لم تروه؟

فوقف أحد الطلاب وقال: أيها الطلاب! أين عقل الأستاذ، هل ترونه؟ قالوا لا. قال: إذاً هو مجنون لا يحق له شيء! يا أستاذ! حينما تومئ بالشيء ألا بد أن تراه بالعين الباصرة؟ يكفي أن تراه بعين القلب. نحن لن نشاهد عقلك لكن قلوبنا تؤمن بوجود العقل. هذا بالبداية أصلاً لا يمكن أن تشاهدها بالعين الباصرة وإلا يلزم أن تكون جسماً، لكن تشاهدها بالقلوب عن طريق تلمس الآثار.

وضح إلى هنا تبين أن المعرفة أو الرؤية الكونية العلمية لا يمكن الاعتماد عليها. الرؤية الكونية الدينية أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها. بقيت الرؤية الكونية الفلسفية العقلية والرؤية الكونية العرفانية. الشيخ حفظه الله يقيم أربعة أدلة وأربع نقاط على عدم جواز الركون إلى المعرفة العرفانية، فتقع المعرفة الفلسفية العقلية. نحن الآن نقرأ هذا المقدار، نصل إن شاء الله إلى مناقشة المعرفة الكونية العرفانية. نقرأ هذا المقدار، قال حفظه الله:

أنواع الرؤية الكونية وأقسامها

وعلى ضوء التقسيم الذي ذكرناه للمعرفة حيث قسمناها إلى أربعة أقسام يمكن تقسيم الرؤية الكونية إلى الأقسام الأربعة التالية:
أولاً: الرؤية الكونية العلمية -يعني التجريبية- بأن يتوصل الإنسان من معطيات العلوم التجريبية إلى رؤية كلية -يعني عامة- حول الوجود. لأننا نتحدث عن الوجود الخاص وعن الوجود العام؛ الوجود الخاص خصوص وجود الله عز وجل، الوجود العام يعني مطلق الموجودات، ما فيها موجوداتنا والوجودات التي نتاعيش معها.
القسم الثاني: الرؤية الكونية الفلسفية، وتحصل هذه الرؤية من خلال الاستدلالات والبحوث العقلية والفلسفية.
الثالث: الرؤية الكونية الدينية -يعني النقلية- التي يتوصل إليها من طريق الاعتقاد بقيادة الهديان والإيمان بأحاديثهم ومنقولاتهم.
الرؤية الرابعة: هي الرؤية الكونية العرفانية التي تحصل من طريق الكشف والشهود وإشراقات الروح.

والآن علينا أن نبحث: هل يمكن لكل هذه الطرق أن تعالج مسائل الرؤية الكونية الأساسية؟ ومن أهم الأساسيات توحيد الله عز وجل، وجود الله عز وجل. تعالجها علاجاً حقيقياً واقعياً لتقدم حلولاً صائبة لها. مثلاً بحث الصانع: أيوصَد صانع أم لا يوصَد؟ وإذا وُجد هل هو واحد أم متعدد؟ فإذا أثبتنا ذلك أمكن لنا أن نتساءل بعد ذلك عن الأفضل من... يعني شنو أثبتنا ذلك؟ إذا قلنا أنه يمكن الاستناد والركون إلى جميع هذه الرؤى الأربعة، أنت بالخيار، تعمل بالرؤية الكونية العلمية أو الرؤية الكونية الدينية أو الرؤية الكونية العرفانية أو الرؤية الكونية العقلية، كلها طرق موصلة إلى الله عز وجل. حينئذٍ نتساءل: أي هذه الطرق أفضل؟ لكن في المرتبة السابقة سنثبت أن هذه الطرق الأربعة ليست كلها موصلة، ليست كلها تامة، وسنثبت التمامية لخصوص الرؤية الكونية العقلية الفلسفية.

نحن الآن في المناقشة ناقشنا الرؤية الكونية العلمية، قلنا هي محصورة بالحدود الطبيعة والمعادن، ولذلك الأدق أن نسميها معرفة العالم المادي لا أن نسميها الرؤية الكونية. وناقشنا أيضاً المعرفة أو الرؤية الكونية الدينية، قلنا لها دور ثانوي لأنها لا تثبت الأساس وهو وجود الله عز وجل. وجود الله ينبغي أن يطلب من علم غير النقل.

طبعاً هذه الرؤية الكونية العرفانية سنقيم أربع نقاط عليها وملاحظات. تبقى في النهاية الرؤية الكونية العقلية الفلسفية.

نقد وتقويم الرؤية الكونية العلمية التجريبية

الآن واحد واحد يناقشون. الآن أولاً سيناقش الرؤية الكونية العلمية التجريبية؛ مع ملاحظة المجال المحدود والضيق للمعرفة الحسية والتجريبية، حيث تحدث هذه المعرفة في نطاق الظواهر المادية والطبيعية. يتضح لنا أننا لا يمكننا معرفة أصول الرؤية الكونية ومعالجة المسائل المتعلقة بها اعتماداً على معطيات... يعني ما تعطيه معطيات -المفروض ما تعضيه- العلوم التجريبية فحسب -يعني فقط-.

وذلك لأن مثل هذه المسائل -المسائل يعني الرؤية الكونية، مسائل الرؤية الكونية الأساسية، مثل إثبات وجود الصانع، إثبات وحدة الصانع- خارج عن ميدان العلوم التجريبية واختصاصها. فلا يحق لأي علم تجريبي أن يتحدث عن هذه المسائل نفيا أو إثباتا يثبت وجود الصانع أو مثله. يقولون هذه خارجي تخصصاً لا تخصيصاً. يعني من الأساس خارج موضوعها. فهي خارجة تخصصاً لا تخصيصاً، ولا يحق لأي علم تجريبي أن يتحدث عن هذه المسائل أي مسائل المسائل الأساسية للرؤية الكونية نفياً أو إثباتاً.

فمثلاً لا يمكن لنا أن نثبت أو ننفي وجود الله تعالى من خلال تجارب المختبرات -نستغفر الله- وذلك لأن يد التجربة الحسية أقصر من أن تنتفت إلى عالم ما وراء الطبيعة، لا تنتفت إلى عالم شنو الميتافيزيقيا، لتثبت أو تنفي شيئاً خارجاً عن نطاق الظواهر المادية. هي مكبلة بأسر المادة، منزوعة بحدود المادة الموجودة في الطبيعة.

ومن هنا فالرؤية الكونية العلمية والتجريبية بالمعنى المصطلح للرؤية الكونية التي ذكرناها سابقاً، وذكرنا في بداية الدروس ذكرنا المعنى الأيديولوجي ومعنى الرؤية الكونية يرجع إليها هناك، قلنا الرؤية الكونية هي عبارة عن مجموعة من الأفكار الكلية المتناسقة حول الكون والإنسان والحياة. عليكم السلام ورحمة الله. والوجود بصورة عامة يعني بصورة كلية ومطلقة. واضح؟ صفحتكم مباركة.

ومن هنا -يعني بما أن المعرفة التجريبية محدودة بحدود المادة- فالرؤية الكونية العلمية والتجريبية بالمعنى المصطلح للرؤية الكونية الذي ذكرناه سابقاً، ليست إلا سراباً خادعاً يحسبه الظمآن ماء. ليس برؤية، هي معرفة للمديات من حدود عالم الطبيعة فقط. فلما تقول رؤية كونية يعني ماذا؟ يعني أفكار عامة وكلية ومتناسقة حول مطلق الوجود. الكون، الإنسان، الكل الإنسان ومطلق الوجود محصور في الحضور في في خصوص المادة. إذن هذه تتناول قسم من الرؤية، ليست برؤية كونية أصلاً. الرؤية الكونية أفكار عامة متناسقة حول الكون والإنسان ومطلق الوجود. مطلق الوجود يشمل الوجود المادي والوجود غير المادي. قال: ليست إلا سراباً خادعاً ولا يمكن أن يطلق عليها مصطلح الرؤية الكونية بمعناها الصحيح. ويمكن أن نسميها -أي نسميها يعني المعرفة التجريبية العلمية الرؤية الكونية العلمية على أبعد الفروض يعني لو تنزلنا- معرفة العالم المادي، واضح؟ ومثل هذه المعرفة لا يمكن لها أن تقدم الحلول الصائبة للمسائل الأساسية للرؤية الكونية. يد التجربة تقدم لأن الحلول بالنسبة للصانع موجودة وغير موجودة أو واحدة وغير واحد؟ لا. هذا تمام المناقشة في الرؤية الكونية العلمية، إذاً سقطت من الاعتبار.

نقد وتقويم الرؤية الكونية الدينية النقلية

الآن نروح إلى الرؤية الكونية الدينية النقلية. أما المعارف والمدركات التي يتوصل إليها من طريق التعبد، يعني شنو؟ من عالم النقل. فكما ذكرنا سابقاً -يرحمكم الله- أن دورها ثانوي وليس أساسياً، لأنها تفتقر إلى إثبات الصانع، وهي لا يمكن أن تثبت الصانع لأنه يلزم من إثباتها للصانع يلزم الدور، أن دورها ثانوي متفرع عن الإثبات المسبق لاعتبار المصدر. يعني لحجية المصدر، هذا المصدر حجة لو مو حجة؟ أو المصدر التي تصدر من هذه المعرفة؟ شنو المصدر والمصادر؟ يعني الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين.

لابد لكي تكون هذه النقولات والروايات والآيات حجة، لابد من حجية المصدر. حجية قول النبي، حجية قول المعصوم، فرع وجود من أسس النبوة الإمامة ومن أرسل الرسول وكلفه بالإمامة، وهو الله عز وجل. فإذن لاحظ شلون، وجود الله ثبت بقول النبي، قول النبي لا يثبت إلا إذا ثبت وجود الله، صار وجود الله في مرتبة متقدمة ومرتبة متأخرة، واضح؟ توقف وجود الله على وجود الله! من أنت تعرف الله عز وجل؟ من قول النبي. قول النبي منين حجة؟ لأن الله بعثه. إذن فكرت سبقه الله موجود، توقفت معرفة الله على معرفة الله، توقف وجود الله على وجود الله، هذا دور محال باطل.

أي لابد أن نثبت أولاً نبوة النبي له ومصْدراً لتكون رسالته وأحاديثه معتبرة. وقبل ذلك -يعني قبل إثبات نبوة النبي- يجب إثبات وجود المرسل علة تعالى. لا يكون مرسل إلا بوجود مرسل، ومن الواضح أنه لا يمكن أن نثبت من حديث الرسول نفسه ماذا؟ لا يمكن أن نثبت بوجود المرسل ونبوة الرسول ذاته.

فمثلاً لا يمكن لنا أن نقول بما أن القرآن الكريم يصرح لأن الله موجود إذاً فيثبت وجود الله، لا يمكن، لماذا؟ لأن حجية القرآن فرع وجود من خلق القرآن وأنزل القرآن، هذا بعد أن نثبت وجود الله، لكن ولن نثبت وجود الله مو بالناقص بالعقل أو بالكشف، بعد أن نثبت وجود الله ونثبت نبوة نبي الإسلام ونتعرف عليه، يكفر شنو؟ كفر، لا بالعقل وأن القرآن الكريم على حق، بعد ذلك كله يمكن لنا أن نتقبل سائر المعتقدات الفرعية -التي تتفرع على إثبات وجود الله وجود نبوة القرآن والتعاليم العملية هناك تعاليم في مقام العمل من صلاة وصيام وزكاة عبادات ومعاملات- استناداً إلى المخبر السابق والمصدر المعتبر. وأن المسائل الأساسية، أي المسائل الأساسية؟ مسائل أصول الدين، الشيخ يريد أن يقول فروع الدين تثبت بالنقل بعد أن تثبت أصول الدين بالعقل. ولذلك يقول في أصول الدين لابد الكل أن يكون أن يكونوا مجتهدين ولا يعجز التقليد، بل لابد من الاجتهاد والبحث والنظر في أصول الدين، بينما فروع الدين يجوز فيها التقليد. وإن المسائل الأساسية أصول الدين فلا بد من إثباتها مسبقاً من طريق آخر وهو طريق العقل. إذاً فطريق التعبد ليس فاعلاً في إثلاج المسائل الأساسية للرؤية الكونية.

مناقشة الطريق العرفاني والإشراقي

وأما الطريق العرفاني والإشراقي فالحديث عنه طويل، ولنا عليه عدة ملاحظات.

الملاحظة الأولى: التفت جيدة للمناقشات الجيدة. أنت حينما تقول رؤية كونية، ماذا تقصد من الرؤية الكونية؟ يعني جملة أفكار وتصورات ذهنية. فرؤية كونية يعني تصورات ومفاهيم ذهنية كلية متناسقة عن الكون والإنسان ومطلق الوجود. إذاً الرؤية الكونية هي عبارة عن صور ذهنية، مفاهيم ذهنية.

نأتي إلى المعرفة الشهودية والعرفانية. المعرفة الشهودية بل أمزضتها لنا، هل هي علم حصولي أم علم حضوري؟ علم حضوري! فالمعرفة العرفانية والكشفية والشهودية لا تحضر صورة المعلوم، يحضر عين المعلوم ونفس المعلوم. وضربنا مثالاً قلنا: المريض يذهب إلى الطبيب بألم، المريض علم حصولي. إذاً العلم الحصولي هو حصول صورة الشيء لدى العقل أو لدى الذهن، بينما العلم الحضوري حضور عين المعلوم نفس المعلوم.

نأتي الآن إلى الرؤية الكونية. الرؤية الكونية من سنخ العلم الحضوري لو العلم الحصولي؟ علم حصولي! الرؤية الكونية عبارة عن صور ذهنية كلية، مفاهيم كلية عامة متناسقة عن الكون والإنسان والوجود، فهي من سنخ العلم الحصولي. المعرفة العرفانية يعني مشاهدة الشيء، الكشف عن الشيء، المواءمة مع الشيء، إشراقات الروح المهيمنة على حقيقة المعلوم، هي من سنخ العلم الحضوري.

فكيف تطلق نفس أصلاً إطلاق رؤية كونية عرفانية فيه مسامحة فيه مجاز؟ من تقول رؤية كونية يعني علم حصولي، من تقول عرفانية يعني علم حضوري، من تقول رؤية كونية يعني مفاهيم ذهنية، صور ذهنية، صور للشيء، من تقول عرفان كشف شهود إشراق معاينة يعني عين الشيء حاضر. كيف توفق بين هذه العبارة رؤية كونية عرفانية؟ رؤية كونية يعني مفاهيم ذهنية صور ذهنية. من تقول عرفان كشف شهود إشراق يعني علم حضوري، يعني نفس المعلوم حاضر، عين المعلوم حاضر. من تقول رؤية كونية يعني صورة المعلوم حاضر. فإذاً كلامك فيه مسامحة، ليس فيه دقة.

لكن يقول الشيخ: لعل من نشأة هذه المسامحة أن لدينا جملة من الرؤى والصور الذهنية ما هو أساسها ومنشؤها الكشف؟ وبالتالي هذا الذي يرى الرؤيا مثلاً يحلم الحلمة ثم يستيقظ وينقل لك صورة، هذه الصورة ما هو أساسها؟ الكشف، معاينة الحلمة، إشراق الروح في تلك الحلمة. فإذاً الكشف والشهود والإشراق والعرفان أساس تولد الصور الذهنية، لا أن نفس الكشف والعرفان والشهود صور ذهنية. نفس الكشف والشهود والعرفان عبارة عن عين المعلومات الحاضرة وليس صور المعلومات. حينما تحضر هذه المعلومات تكون أساساً لتولد صور ذهنية، واضح أم لا؟

وبالتالي أنت إذا تستيقظ من الحلمة عندك تصور لحلمك أحياناً أو ما عندك؟ عندك، لكن تصور لا ينطبق بالضرورة على الحلمة التي شاهدتها في الواقع. لأنك أثناء الحلمة عين المعلوم حاضرة عندك، تستيقظ من الحلمة صورة صورة المعلوم حاضرة عندك. هذه الصور ما يصير تقول هذه الصور هي شنو؟ حلم، لا! الحلم اللي عايشته الآن الذي تنقله تفسيرك الذهني للحلمة، حينما تستيقظ من الحلم وتنقل الحلمة رأيت كذا كذا هذا ما تنقله هل هو الحلمة؟ لا، ليس هو الحلم. هو صور ذهنية منشؤها وأساسها الحلم، الحلم أي هو؟ اللي عايشته في النوم هذا هو الحلم. أما ما تنقله انطباعك عن الحلم، صورة ذهنية تنقل وتبين الحلم الذي شوهد بالكشف والمعاينة، واضح؟

وبالتالي إذا واحد قال: اسمع حلمي. مو حلمي؟ هذا بحسب التعبير مو حلمة، صور ومفاهيم ذهنية للحلمة. شلون أنت تستمع تقول اسمع الحلمة اسمع الحلمة؟ ليش ما هو ما هي علة ماذا هذا التجاوز والتسامح؟ منشأ هذه الصور الذهنية والمفاهيم هو معاينة الحلم ومشاهدة الحلم، واضح؟

وبالتالي نقول خلاصة هذه النقطة الأولى: إن نفس إطلاق الرؤية الكونية على العرفان غير دقيق، في مسامحة، فيه تجوز، عدم دقة. لماذا؟ لأن من تقول رؤية كونية يعني صور ومفاهيم ذهنية، من تقول عرفانية كشفية شهودية إشراقية يعني ماكو صور ذهنية، عين المعلوم موجود. وشنو صورة المعلوم؟ ما هو منشأ هذا التسامح والتجوز؟ منشؤه إن هذه المفاهيم الذهنية والصور الذهنية نشأت على أي أساس؟ ما هو منشؤها؟ معاينة تلك المعلومات، واضح؟

نقرأ هذا المقدار: قال وأما الطريق العرفاني والإشراقي فالحديث عنه طويل. أولاً يذكر أربع نقاط للشيخ، إحنا اليوم نقتصر على النقطة الأولى أن الرؤية الكونية ماذا؟ ما هو معناها؟ عن معرفة تتألف من مفاهيم ذهنية، يعني لا يمكن التفكيك بين الرؤية الذهنية بين الرؤية الكونية والمفاهيم الذهنية. ولكن في عالم الشهود ليس هناك أي مجال للمفاهيم الذهنية، بل هناك معاينة للواقع. في عالم الشهود معاينة لعين المعلوم، مكاشفة لذات المعلوم لا للصور الذهنية المنتزعة من المعلوم.

إذاً فإسناد هذه المفاهيم -يعني إسناد المفاهيم الذهنية التي هي علم حصولي إلى الشهود الذي هو علم حضوري- فيه نوع من المسامحة، يعني فيه نوع من عدم الدقة، فيه نوع من التجوز التي لوحظ فيها... يعني أنه لماذا حصلت هذه المسامحة بأي لحاظ؟ لوحظ فيها منشأ هذه المفاهيم. المفاهيم الذهنية علم حصولي لو حضوري؟ حصولي. العرفان علم حصولي لو حضوري؟ حضوري. ليش سميناها معرفة رؤية كونية عرفانية؟ يعني رؤية كونية منشأ هذه الرؤية العرفان، واضح لو لا؟ مو نفس العرفان هو الرؤية الكونية، لا لا لا، لأن الرؤية كونية يعني علم حصولي، عرفان يعني علم حضوري. أنت من تقول رؤية كونية عرفانية يعني تفهم أن الرؤية الكونية هنا هي العرفان، لا، رؤية كونية عرفانية يعني صور ومفاهيم ذهنية منشؤها العرفان، واضح إن شاء الله؟

هذا تمام الكلام في المناقشة الأولى، إن شاء الله تبقَى ثلاث مناقشات، ثم نستنتج النتيجة بعد إن بقينا أحياء. صلى الله على محمد وآله.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.