منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 15

تحميل Word

015

التناقض: الحاجة إلى هذا البحث والتعريف به

ذكرنا في مذكرة المنطق وأيضا في خلاصة المنطق أن الشيخ الفضلي قسم الاستدلال إلى قسمين: استدلال مباشر واستدلال غير مباشر، وفرق بين الاستدلال المباشر والاستدلال غير المباشر بأن الاستدلال المباشر هو إقامة الدليل لإثبات المطلوب مباشرة، وجعل من طرق الاستدلال المباشر مبحث القياس، ومبحث الاستقراء، ومبحث التمثيل.

أما الاستدلال غير المباشر والذي يعني إقامة الدليل لإثبات لازم المطلوب، أو الإتيان بعبارة أوضح، الإتيان بلازم المطلوب لإثبات المطلوب، وجعل من طرقه التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض.

إذاً، التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض من الاستدلالات غير المباشرة لإثبات المطلوب، خلافا للشيخ المظفر؛ فإن الشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه جعل التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض من نوع الاستدلال المباشر، بينما القياس وعكس القياس والتمثيل والاستقراء من الاستدلال غير المباشر.

في البداية لا يتوجه الطالب إلى هذا الأمر، لكنه في أثناء المباحثة وما شابه ذلك كثيرا ما يقع تحت هذا السؤال: لماذا هناك في خلاصة أو مذكرة المنطق فرق الشيخ الفضلي بين الاستدلالين بفرق للفرق الذي ذكره الشيخ المظفر؟ فإن الشيخ المظفر جعل التناقض من الاستدلال المباشر، بينما الشيخ الفضلي دام ظله جعل التناقض من الاستدلال غير المباشر. أحببت أن ألفت إلى هذه المسألة، وبيانها إن شاء الله يتضح بعد الانتهاء من أحكام القضايا.

هناك إذا وقفنا عند البديهية العقلية، يذكر الشيخ المظفر أن هذا النحو يسمى استدلالا مباشرا، أي استعمال التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض. هناك إذا وقفنا عند هذه النقطة نبين أن النظرين يختلفان، فإن نظر الشيخ الفضلي يختلف عن نظر الشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه.

قلنا إن أنواع التلازم أو يمكن إثبات المطلوب عن طريق أحد أنواع التلازم الأربعة. النوع الأول هو الانتقال من صدق القضية إلى كذب القضية، أو من كذب القضية إلى صدق القضية، وهذان النوعان من التلازم -أي التلازم بين الصدق والكذب- مجالهما التناقض.

بينما الانتقال من صدق القضية المبرهن عليها إلى صدق القضية المطلوبة فهذا مجاله العكس المستوي وعكس النقيض، والنوع الرابع هو الانتقال من كذب القضية المبرهن عليها لإثبات كذب القضية المطلوبة.

إذاً، فكرة التناقض إنما يؤتى بها عند استحالة إقامة الدليل؛ فمثلا إذا أردنا أن نثبت أن النفس مجردة أو أن الصورة العلمية التي تحصل عند الإنسان هي صورة مجردة غير مادية، قد يصعب إثبات ذلك، فآتي بما هو لازم للقضية التي يجب أن نثبتها في مجال الصدق أو الكذب.

فقضية (الروح موجودة) هي القضية المطلوب إثباتها، ولكن ربما يصعب إثبات وبرهنة صحة أو كذب (الروح موجودة)، سآتي بما هو لازم لها في مقام الصدق أو الكذب فأقول: (الروح غير موجودة). هنا (الروح ليست موجودة)، هذه القضية أحاول أن أبرهن على كذبها؛ فإذا كذبت (الروح ليست موجودة) صدقت (الروح موجودة)، وإذا صدقت (الروح ليست موجودة) كذبت (الروح موجودة).

إلى الاستدلال على قضية ليست نفس القضية المطلوبة، ولكن العلم بكذب القضية المبرهن عليها وهي (الروح ليست موجودة) يلزمه العلم بصدق القضية المطلوبة وهي (الروح موجودة)، أو بالعكس بأن صدق القضية المبرهن عليها يلزم كذب القضية المطلوبة عندما يكون صدق إحداهما يلزم كذب الأخرى. فإذا صدق (الإنسان قائم) كذب (الإنسان ليس قائما).

والقضيتان اللتان لهما هذه الصفة، أي صفة صدق إحداهما يلزم منه كذب الأخرى، هما القضيتان المتناقضتان؛ فإذا أردت مثلا أن تبرهن على صدق القضية (الروح موجودة) مع فرض أنك لا تتمكن على ذلك مباشرة -يعني لا تتمكن من إثباتها بنحو مباشر- فيكفي أن تبرهن على كذب نقيضها وهو (الروح ليست موجودة)؛ فإذا علمت كذب هذا النقيض لابد أن تعلم صدق القضية الأولى من باب أن النقيضين لا يكذبان معا، وإذا برهنت على صدق النقيض لابد أن تعلم كذب الأولى لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يصدقان معا.

ما هو التناقض؟

ما معنى مباشر وما معنى غير مباشر؟ إلى الحد الآن ما أوضحه ما هو المناط في كون الاستدلال مباشرا وما هو المناط في كون الاستدلال غير مباشرا؟ الضابط لم يصرح، وربما يظن أن معرفة نقيض القضية أمر ظاهر بين، كمعرفة نقائض المفردات، فيقال: نقيض الإنسان (لا إنسان)، نقيض القائم (لا قائم)، نقيض الحجر (لا حجر)، كالإنسان واللا إنسان التي يكفي فيها الاختلاف بالإيجاب والسلب -يعني إثبات ونفي-.

ولكن الأمر ليس بهذه السهولة؛ إذ يجوز أن تكون الموجبة والسالبة صادقتين معا، يعني مجرد كون إحداهما مثبتة موجبة والأخرى سالبة لا يلازم وجود التناقض بينهما. بدليل مثلا إذا قلنا: (بعض الحيوان إنسان)، هذه قضية موجبة، و(بعض الحيوان ليس بإنسان)، قضية سالبة. إذاً هنا يوجد اختلاف بين القضيتين إيجابا وسلبا، مع ذلك كل من القضيتين صادق، ويجوز أن تكونا كاذبتين معا. كما إذا قلنا: (كل حيوان إنسان) و(لا شيء من الحيوان بإنسان).

هنا نجد أن القضية الأولى موجبة والقضية الثانية سالبة، مع ذلك لا يوجد تناقض بينهما. لماذا لا يوجد تناقض بينهما؟ لأن معنى التناقض هو أنه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى، وهنا كلاهما كاذبتان، فلم يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى؛ فـ (كل حيوان إنسان) كاذبة، و(لا شيء من الحيوان بإنسان) أيضا قضية كاذبة، وعليه لا غنى للباحث عن الرجوع إلى قواعد التناقض المذكورة في علم المنطق لتشخيص نقيض كل قضية.

الكلام فعلا يقع في ثلاث نقاط، النقطة الأولى في تعريف التناقض. أما فيما يرتبط بالنقطة الأولى في تعريف التناقض، فقد عرف الشيخ المظفر التناقض بأنه اختلاف بين قضيتين يقتضي لذاته أن تكون إحدى القضيتين صادقة والأخرى كاذبة.

حتى يتضح هذا التعريف نذكر أمرا: أن التناقض تارة يتحقق بين المفردات وأخرى يتحقق بين القضايا. فوقوع التناقض بين المفردات كما في قولنا نقيض الإنسان (اللا إنسان)، ونقيض البقر (اللا بقر). فهنا نجد أن التناقض كان واقعا بين مفردات (إنسان) و(لا إنسان).

وما مر في مبحث الألفاظ في أقسام التقابل لما ذكرنا أن أقسام التقابل أربعة، أول قسم من أقسام التقابل تقابل الإيجاب والسلب، كان هناك المنظور الأول التقابل بين المفردات، ما هو التقابل بين الإنسان واللا إنسان؟ بين القائم واللا قائم؟ فقلنا تقابل الإيجاب والسلب أي تقابل التناقض.

أما هنا، لما كان الكلام في المبحث التصديقي، فيقع التناقض بين المركبات، بين القضايا وليس بين المفردات. إذاً فمحل البحث هنا هو التناقض الواقع بين القضايا وليس الواقع بين المفردات، ولهذا أول كلمة أخذها الشيخ المظفر في تعريف التناقض بأنه اختلاف قضيتين.

فإن قلت: يلزم من ذلك أنه إذا وقع اختلاف بين مفردتين كـ (إنسان) و(لا إنسان) لا يكون ذلك تناقضا؟ نقول: ذلك يندرج تحت مبحث التقابل. إذن الاختلاف على نوعين، تارة يكون الاختلاف بين مفردتين، وأخرى يكون الاختلاف بين قضيتين.

إخراج القسم الأول: جاء بكلمة القضيتين، قال: اختلاف في قضيتين. إذاً اختلاف في قضيتين يخرج فيما إذا كان الاختلاف في مفردتين.

يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة؛ مثلا إذا قلنا: (كل إنسان ناطق)، هذه هي القضية الأولى، وقلنا: (بعض الإنسان ليس بناطق)، هنا نجد قضيتين مختلفتين، يلزم من صدق أحدهما -وهو (كل إنسان ناطق)- كذب الأخرى -وهو (بعض الإنسان ليس بناطق)-.

ما يهم بيانه في هذا التعريف كلمة لذاته. لماذا أخذ الشيخ المظفر أو المناطقة كلمة (لذاته) في حد التناقض، في تعريف التناقض؟

هنا عندما قال إن التناقض اختلاف في قضيتين يقتضي لذاته، ماذا يقتضي؟ أن يكون صدق إحدى القضيتين يلزم منه كذب القضية الأخرى. لأنه ليس مجرد اختلاف القضيتين يوجب أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، نظير ما ذكرناه؛ إذا قلنا مثلا: (بعض الحيوان إنسان) وقلنا: (بعض الحيوان ليس بإنسان)، قضيتان مختلفتان إحداهما موجبة والأخرى سالبة، ولكن لم تقتض هذه القضية لذاتها أو لغير ذاتها -أساسا لا يوجد فيها اقتضاء أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة- فإن قضية (بعض الحيوان إنسان) قضية صادقة، وقضية (بعض الحيوان ليس بإنسان) أيضا قضية صادقة، فلم يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى.

إذاً فبقوله: (اختلاف في قضيتين يقتضي...) يقتضي هذا الاختلاف بين القضيتين أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة؛ هذا يخرج مثل هذه القضية: (بعض الحيوان إنسان) و(بعض الحيوان ليس بإنسان)؛ فإنه يوجد اختلاف مع ذلك هذا الاختلاف لأن إحداهما موجبة والأخرى سالبة مع أن هذا الاختلاف لا يقتضي أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة.

أو نظير إذا قلنا: (زيد ساكن) و(زيد ليس بمتحرك)، قضيتان مختلفتان؛ فإن القضية الأولى قضية موجبة وهي (زيد ساكن)، والقضية الثانية قضية سالبة وهي (زيد ليس بمتحرك)؛ مع أنه يوجد اختلاف بالإيجاب والسلب، مع ذلك لا يقتضي هذا الاختلاف صدق إحداهما وكذب الأخرى. إذاً لهذا قال: (اختلاف في قضيتين يقتضي هذا الاختلاف أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة).

أنواع الاختلاف

هنا قد يقال إن اختلاف القضية على عدة أنواع، تارة تكون القضيتان مختلفتين في نوع القضية، بأن تكون إحداهما قضية حملية والأخرى قضية شرطية، يسمى هذا اختلاف بين القضيتين أو اختلاف في القضيتين. مثلا يمكن أن تكون إحدى القضيتين متصلة والأخرى منفصلة، هذا يصدق عليه عنوان اختلاف في القضيتين.

ومن الواضح أننا في مبحث التناقض لا نريد الاختلاف بهذا النحو، أن تكون إحداهما حملية والأخرى شرطية أو إحداهما متصلة والأخرى منفصلة، نريد بالاختلاف هو الاختلاف بالإيجاب والسلب.

إذاً لابد أن يضيف الشيخ المظفر في تعريفه هذا القيد أن يقول: (التناقض اختلاف في القضيتين بالإيجاب والسلب يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة) لإخراج مثل الاختلاف في القضيتين في نوع القضية (حملية، شرطية، متصلة، منفصلة)؛ إذاً لابد أن يضيف هذا القيد.

هنا إذا قلنا (يقتضي)، يخرج القضيتين اللتين بينهما اختلاف لكنه لا يقتضي صدق أحدهما وكذب الأخرى، كما إذا قلنا: (زيد ساكن) و(زيد ليس بمتحرك). ولكنه قال لذاته، معناه أنه قد يوجد اختلاف في القضيتين يقتضي صدق أحدهما وكذب الأخرى لكنه تارة ليس لذاته. إذاً فهنا ثلاثة أقسام:

1. الاختلاف في القضيتين لا يقتضي أساسا صدق أحدهما وكذب الأخرى، نظير إذا قلنا: (بعض الحيوان إنسان) و(بعض الحيوان ليس بإنسان)، اختلاف في قضيتين لا يقتضي صدق أحدهما كذب الأخرى، كلاهما قضيتان صادقتان.

2. أنه يقتضي لكن لا لذاته.

3. يقتضي لكنه لذاته.

ما هو مثال الاختلاف في القضيتين بحيث يقتضي ولكن لا لذاته؟ مثلا إذا قلنا: (زيد إنسان)، هذه قضية موجبة، و(زيد ليس بناطق)، قضية سالبة. إذاً يوجد اختلاف في القضيتين؛ القضية الأولى (زيد إنسان)، القضية الثانية (زيد ليس بناطق)؛ القضية الأولى موجبة، القضية الثانية سالبة؛ وأيضا يقتضي صدق إحداهما كذب الأخرى؛ فإذا كانت القضية الأولى صادقة وهي (زيد إنسان)، إذا تكذب القضية الثانية وهي (زيد ليس بناطق).

إذاً اقتضى اختلاف القضيتين من حيث الإيجاب والسلب صدق إحداهما وكذب الأخرى، فإذا كذبت قضية (زيد ليس بناطق) تصدق قضية (زيد إنسان)، ولكن هذا الاقتضاء ليس لذاته، ليس لذات القضية لزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، بل إنما كانت القضية الثانية وهي (زيد ليس بناطق) -لأنها في قوة قولنا (زيد ليس بإنسان)- الذي يقتضي كذب القضية لذاتها هو (زيد إنسان) و(زيد ليس بإنسان).

أما كانت القضية الثانية وهي (زيد ليس بناطق) قضية كاذبة، ليس من ذات القضية الأولى، بل لأن القضية الأولى هي في قوة قولنا (زيد ناطق)، أو أن القضية الثانية في قوة قولنا (زيد ليس بإنسان).

هنا، هذا الذي أوجب أن تكون القضية الثانية وهي (زيد ليس بناطق) قضية كاذبة لأن القضية الأولى وهي (زيد إنسان) لازمها أنه (زيد ناطق). هذا معناه أنه يوجد اقتضاء أن تكون القضية الأولى صادقة والقضية الثانية كاذبة، لكن كذب القضية الثانية لم يكن ناشئا من ذات القضية الأولى، بل نشأ من لازمها، لأن لازم (زيد إنسان) أنه (زيد ناطق)، و(زيد ناطق) نقيض (زيد ليس بناطق). أو لأن لازم القضية الثانية وهي (زيد ليس بناطق) لازمها (زيد ليس بإنسان)، و(زيد ليس بإنسان) هو نقيض (زيد إنسان).

فهنا اختلاف بين القضيتين ويقتضي صدق إحداهما كذب الأخرى ولكن ليس لذاته. مثال أوضح آخر وهو الذي ينص عليه الشيخ المظفر، إذا قلنا: (كل إنسان حيوان) قضية موجبة وهي صادقة، والقضية الأخرى (لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية سالبة.

من الواضح أن القضية الأولى (كل إنسان حيوان) قضية صادقة، والقضية الثانية (لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية كاذبة. إذن يوجد اختلاف في القضيتين؛ القضية الأولى موجبة، القضية الثانية سالبة، ويوجد اقتضاء؛ اقتضى من صدق إحداهما كذب الأخرى، فإن القضية الأولى صادقة، والقضية الثانية (لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية كاذبة.

ولكن هذا الاقتضاء ليس لذاته. ما هو مرادنا من أن القضية لذاتها تقتضي كذب القضية الأخرى أو صدق القضية الأخرى؟ ما معنى لذاتها؟ لذاتها بمعنى طبيعة القضية يقتضي أن تكون صادقة أو كاذبة ويلزم منها كذب أو صدق الأخرى. ما معنى طبيعة القضية؟ كل قضية طبيعتها أنها مركبة من مادة ومن صورة.

هنا إذا جئنا إلى قضية (كل إنسان حيوان)، هذه القضية نجد أنها عبارة عن موجبة كلية. هنا نجد أن هذه القضية الموجبة الكلية إذا أردنا أن نقول إن لها نقيض ناشئ من ذاتها، فعلينا أن نقول إن طبيعة كل قضية موجبة كلية أن يكون نقيضها قضية سالبة كلية، مثلا كما في المثال: (كل إنسان حيوان) هذه موجبة كلية، و(لا شيء من الإنسان بحيوان) سالبة كلية.

إذا قلنا إن القضية الأولى يلزم من ذاتها كذب القضية الثانية، معناه أن القضية الموجبة الكلية يلزم منها كذب القضية السالبة الكلية. هذا معنى أن يكون ناشئا من طبيعة القضية، يعني إذا كانت طبيعة القضية أنها موجبة كلية يلزم من ذلك أن تكون السالبة الكلية كاذبة.

بينما هذا ليس متحققا، فإن القضية الأولى موجبة كليا وهي (كل إنسان حيوان) وصادقة، بينما القضية الثانية وهي السالبة الكلية قضية كاذبة وهي (لا شيء من الإنسان بحيوان).

هنا لو قلنا إن طبيعة القضية هكذا: كلما كانت القضية الأولى موجبة كلية لزم منها أن تكون القضية السالبة الكلية كاذبة، نقول: لو كان الأمر كذلك للزم أن يكون إذا قلنا مثلا (كل حيوان إنسان)، ما نعت هذه القضية؟ موجبة كلية، (كل حيوان إنسان) موجبة كلية، هذه القضية صادقة أم كاذبة؟ كاذبة (كل حيوان إنسان)، وإذا قلنا (لا شيء من الحيوان بإنسان) هذه قضية سالبة كليا.

إذن القضية الأولى (كل حيوان إنسان) موجبة كليا، والقضية الثانية (لا شيء من الحيوان بإنسان) سالبة كليا. نجد أن القضية الأولى الموجبة الكلية كاذبة وهي (كل حيوان إنسان)، والقضية الثانية سالبة كليا أيضا كاذبة (لا شيء من الحيوان بإنسان).

إذاً لو كانت كل قضية موجبة كلية يلزم منها كذب القضية السالبة الكلية لتحقق في هذا المورد مع أنه ليس بمتحقق، فإن القضية الأولى (كل حيوان إنسان) موجبة كلية كاذبة، و(لا شيء من الحيوان بإنسان) سالبة كلية أيضا كاذبة. إذاً لا نستطيع أن نقول إن كل قضية موجبة كلية صادقة يلزم منها أن تكون القضية السالبة الكلية كاذبة.

نعم، هذا يتحقق في بعض الموارد كما في قولنا: (كل إنسان حيوان) صادقة موجبة كلية، و(لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية كاذبة، الأولى موجبة كلية الثانية سالبة كلية، لكن لا نستطيع أن نضع هذه القاعدة أنه كلما كانت القضية الأولى موجبة كلية صادقة لزم أن تكون السالبة الكلية كاذبة، فانه يمكن أن تكون كلاهما كاذبتين.

كما في قولنا (كل حيوان إنسان) موجبة كلية كاذبة، نقيض نقول (لا شيء من الحيوان بإنسان) سالبة كلية أيضا كاذبة. إذاً مرادنا من كلمة لذاته أن تكون القضية طبيعتها -أي إذا كانت موجبة مثلا موجبة كليا- دائما الموجبة الكلية يكون نقيضها سالبة جزئية.

كل قضية فرضت أنها موجبة كلية كانت القضية السالبة الجزئية نقيض لها. نظير ماذا؟ نظير إذا قلنا: (كل إنسان حيوان) قضية موجبة كلية صادقة، ما هو نقيضها؟ (بعض الإنسان ليس بحيوان) قضية سالبة جزئية. الأولى هنا صادقة (كل إنسان حيوان)، الثانية (بعض الإنسان ليس بحيوان) قضية كاذبة. لا نستطيع أن نقول إن القضية الثانية كانت كاذبة لذات القضية الأولى، لأن القضية الأولى موجبة كليا، دائما الموجبة الكلية يلزم منها كذب السالبة الجزئية، دائما إذا كانت الموجبة الكلية صادقة لابد أن تكون السالبة الجزئية قضية كاذبة.

هذا معنى لذات القضية، يعني لطبيعة القضية. بينما في القضية الموجبة الكلية والسالبة الكلية ليس لطبيعتها، لا نستطيع أن نقول كلما كانت القضية الأولى الموجبة الكلية صادقة أو كاذبة يلزم منها كذب أو صدق القضية الثانية وهي السالبة الكلية، بل هنا لو أردنا أن نعرف لماذا في قولنا (كل إنسان حيوان) قضية صادقة بينما (لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية كاذبة، لماذا هنا كانت القضية كاذبة؟ نقول: ليس لكونها تلك موجبة كليا، بل بلحاظ مادة القضية.

دائما إذا كان الموضوع أخص من المحمول تكون القضية قضية كاذبة، كما في قولنا: (لا شيء من الإنسان بحيوان)؛ نجد هنا أن الموضوع وهو الإنسان أخص من المحمول وهو الحيوان، لأن الإنسان موضوع القضية والحيوان محمول القضية، والإنسان أخص من الحيوان.

إذا يقول الشيخ المظفر: اختلاف في القضيتين يقتضي لذاته أي لطبيعة القضية مهما فرضت مادتها، مهما فرضت هيئتها، مهما فرضت أنها موجبة كلية لابد أن يكون نقيضها سالبة جزئية. ولهذا قال تعريف التناقض: (قد عرفت فيما سبق المقصود من التناقض الذي هو أحد أقسام التقابل، ولنضعه هنا بعبارة جامعة فنية في خصوص القضايا، فنقول: تناقض القضايا اختلاف في القضيتين يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة).

ولا بد من قيد (لذاته) لما؟ لأنه ربما يقتضي اختلاف القضيتين تخالفهما في الصدق والكذب ولكن لا لذات الاختلاف، بل لأمر آخر. ما هو الأمر الآخر؟ كون مثلا إحدى القضيتين موضوعها أخص من محمولها، من قبيل (كل إنسان حيوان) قضية موجبة، و(لا شيء من الإنسان بحيوان) قضية سالبة كلية، الأولى صادقة والأخرى كاذبة.

لاحظ، فإنه لما كان الموضوع -هذا هو سبب أن تكون القضية الثانية كاذبة- لما كان الموضوع أخص من المحمول، الموضوع وهو الإنسان أخص من المحمول وهو الحيوان، لما كان الموضوع أخص من المحمول صدقت إحدى الكليتين وكذبت الأخرى.

أما لو كان الموضوع أعم من المحمول لكذبا معا، نظير ماذا؟ قال: (كل حيوان إنسان)، لاحظ موجبة كلية، الموضوع (حيوان) أعم من المحمول وهو (إنسان)، و(لا شيء من الحيوان بإنسان) كما تقدم قضية سالبة كلية أيضا كاذبة.

إذاً قال: إنما نريد لذاتي يعني ذات القضية طبيعة القضية إذا كانت موجبة كلية لابد أن يكون نقيضها سالبة جزئية. ونعني بعبارة أخرى مهما أي مادة فرضت، يعني إذا جئنا إلى القضية حتى أبينها بعبارة أخرى:

لاحظ إذا جئنا إلى قضية موجبة كليا نظير ماذا؟ (كل إنسان حيوان)، كل إنسان حيوان قضية موجبة كليا، هنا الموضوع وقع أخص من المحمول، الإنسان هنا أخص من المحمول وهو الحيوان. نقيضها ما هو؟ (بعض الإنسان ليس بحيوان)، أيضا هنا نجد أن الموضوع أخص من المحمول. موجبة كلية، سالبة جزئية، متناقضتان، إحداهما صادقة والأخرى كاذبة.

إذا جئنا بقضية أخرى يكون العكس، يكون الموضوع هو أعم من المحمول، نظير ماذا؟ إذا قلنا مثلا: (كل حيوان إنسان)، هذه قضية نجد أن موضوعها أعم من المحمول، وهي قضية موجبة كليا كاذبة. (كل حيوان إنسان) قضية موجبة كليا كاذبة، ما هو نقيضها؟ (بعض الحيوان ليس بإنسان) قضية صادقة. هنا نجد أن الموضوع أعم من المحمول.

إذاً لهذا نقول دائما الموجبة الكلية نقيضها سالبة جزئية مهما فرضت المادة، فرضت أن الموضوع أعم من المحمول أو فرضت أن المحمول أخص من الموضوع. إذاً ليس الاختلاف بلحاظ صياغة القضية أن موضوعها أخص أو أن موضوعها أعم، هذا معنى أنه ذات القضية إذا كانت موجبة كلية صادقة لزم أن تكون السالبة الجزئية كاذبة، وإذا كانت الموجبة الكلية كاذبة لزم أن تكون السالبة الجزئية صادقة.

فرغت المادة، وهي كون الموضوع أعم من المحمول أو المحمول أعم من الموضوع أو الموضوع أعم من المحمول، لا يهم، بينما هنا لما كان الموضوع أعم من المحمول أو أخص من المحمول لزم كذب القضيتين أو صدق إحداهما وكذب الأخرى.

ونعني بالاختلاف الذي يقتضي تخالفهما في الصدق هو الاختلاف -لاحظ- الذي يقتضي ذلك في أي مادة كانت القضيتان، أي مادة كانت مادتها أن يكون موضوعها أعم من محمولها أو محمولها أخص من المحمول، النسبة بين المحمول والموضوع يعني نسبة الأعم أو نسبة الأخص، كالاختلاف بين الموجبة الكلية (كل إنسان حيوان) والسالبة الجزئية (بعض الإنسان ليس بحيوان).

شروط التناقض

هذا فيما يرتبط بتعريف التناقض. وأما شروط التناقض، ذكر المناطقة أن شروط التناقض عبارة عن شروط اتحاد وشروط اختلاف. لكي يتحقق التناقض لابد من اتحاد القضيتين في أمور ثمانية، ولهذا يعبر عنها بالوحدات الثمان، ولابد من اختلاف القضيتين في أمور ثلاثة.

قال: لابد لتحقق التناقض بين القضيتين من اتحادهما في أمور ثمانية واختلافهما في أمور ثلاثة. أما شروط الاتحاد التي تسمى بالوحدات الثمان؛ لأن عدد الشروط ثمانية. قال: تسمى الأمور التي يجب اتحاد القضيتين المتناقضتين فيها الوحدات الثمان، بمعنى لو اختل شرط من هذه الشروط لم يتحقق تناقض.

1. الاتحاد في الموضوع: فلو اختلف فيه -يعني الموضوع في القضيتين- لم يتحقق تناقض؛ مثلا: (العلم نافع)، (الجهل ليس بنافع)، موضوع القضية الأولى (العلم)، موضوع القضية الثانية (الجهل)، التناقض نظير إذا قلنا: (محمد قائم)، (علي ليس بقائم)، لا يوجد تناقض لأن الكلام في الأولى عن محمد، والكلام في الثانية عن علي، إنما يكون تناقض إذا وجد اتحاد في الموضوع، بأن تقول: (علي قائم)، (علي ليس بقائم)، (محمد قائم)، (محمد ليس بقائم)، هنا يوجد تناقض لاتحادهما في الموضوع.

2. الاتحاد في المحمول: نظير إذا قلت: (محمد قائم)، (محمد ليس بقائم)، هنا يوجد اتحاد في المحمول، محمول الأولى (قائم)، محمول الثانية أيضا (قائم)، هنا يوجد تناقض. أما إذا اختلف في المحمول لا يتحقق تناقض؛ نظير إذا قلت: (علي قائم)، (علي ليس بنائم)، هنا لا يوجد بينهما تناقض للاختلاف في المحمول، فلو اختلفا فيه لم يتناقضا، (العلم نافع)، (العلم ليس بضار)، هنا لا يوجد تناقض.

3. الاتحاد في الزمان: فلا تناقض بين (الشمس مشرفة في النهار) و(الشمس ليست بمشرقة في الليل)، فلا تناقض لاختلاف الزمان.

4. الاتحاد في المكان: فلا تناقض بين (الأرض مخصبة أي في الريف) وبين (الأرض ليست بمخصبة أي في البادية)، لا تناقض لان هناك في الريف وهنا في البادية. نظير إذا قلت: (محمد مجتهد في العراق)، (محمد ليس بمجتهد في الخارج)، لا يوجد تناقض لاختلاف المكان.

5. القوة والفعل: أي لابد من اتحاد القضيتين في القوة والفعل. مرادنا من القوة والفعل يعني إذا كانت القضية الأولى مأخوذ فيها القوة لابد أن تكون القضية الثانية مأخوذ فيها القوة كذلك، إذا كانت القضية الأولى فعلية لابد أن تكون القضية الثانية أيضا فعلية. ما معنى القوة؟ يعني الاستعداد والقابلية، والفعلية يعني التحقق الفعلي. فلا تناقض بين (ابني طبيب بالقوة) و(ابني ليس طبيبا بالفعل). ما معنى (ابني طبيب بالقوة)؟ يعني عنده قابلية أن يكون طبيبا وهو الآن ليس بالفعل طبيبا، لا يوجد تناقض. (ابني طبيب بالفعل) و(ابني ليس طبيبا بالفعل) هنا يوجد تناقض. فلا تناقض بين (محمد ميت أي بالقوة) -يعني له استعداد أن يموت- وبين (محمد ليس بميت أي بالفعل) الآن هو ليس بميت.

6. الكل والجزء: فلا تناقض بين (العراق مخصب بعضه) وبين (العراق ليس بمخصب أي كل العراق) كله ليس بمخصب، نعم بعضه يكون مخصبا.

7. الشرط: فلا تناقض بين (الطالب ناجح آخر السنة إن اجتهد) -بشرط إن اجتهد- وبين (الطالب غير ناجح إذا لم يجتهد)، لا يوجد تناقض لأن هناك مأخوذ شرط الاجتهاد وهنا مأخوذ شرط عدم الاجتهاد بالنسبة لعدم النجاح.

8. الإضافة: فلا تناقض بين (الأربعة نصف بالإضافة إلى الثمانية)، الأربعة نصف الثمانية، والأربعة ليست بنصف بالإضافة إلى العشرة لأنها تكون ربعا لا تكون نصفا.

فلا يتحقق تناقض إلا إذا اتحد الشرط واتحدت الإضافة. يأتي تعليق على بعض هذه الشروط وبقية الكلام غدا، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.