منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 2

تحميل Word

002

أقسام القضية: القضية حملية وشرطية. كان كلامنا السابق حول تعريف القضية، وعرفنا أن القضية هي المركب التام الذي يصح أن نصفه بصفة...

القضية تنقسم إلى قسمين: إلى قضية حملية، وإلى قضية شرطية. وقبل بيان الفرق بين القضية الحملية وبين القضية الشرطية نشير إلى أمر مهم ومهم، وسيَّال في مباحث القسمة. القسمة على نحوين أو التقسيم على نحوين؛ عندنا تقسيم يقال له بالتقسيم الأولي، وعندنا تقسيم يقال له بالتقسيم الثاني. فالأشياء يمكن أن تقسم تقسيماً أولياً، ويمكن أن تقسم تقسيماً ثانياً.

مثلاً: تقسيم الكلمات في علم النحو إلى اسم وإلى فعل وإلى حرف، هذا هو التقسيم الأولي للكلمة. أما تقسيم الاسم إلى مرفوع وإلى منصوب وإلى مجرور، أو تقسيم الفعل إلى مرفوع وإلى منصوب مثلاً، هذا التقسيم يقال عنه أنه تقسيم ثاني؛ لأن تقسيم الاسم إلى منصوب وإلى مرفوع وإلى مجرور بتبع تقسيم الكلمة إلى اسم وإلى فعل وإلى حرف.

مثلاً: تقسيم المفهوم إلى كلي وإلى جزئي، هذا التقسيم تقسيم أولي. تقسيم المفهوم إلى كلي وإلى جزئي تقسيم أولي، ولكن تقسيم الكلي إلى كلي متواطئ وإلى كلي مشكك، هذا تقسيم ثاني، أي بتبع تقسيم المفهوم.

في المقام كذلك، مبحث القضايا سوف يكون تقسيمها تارة تقسيماً أولياً وأخرى يكون تقسيمها تقسيماً ثانياً. أما تقسيم القضية تقسيماً أولياً فهو تقسيمها إلى الحملية وإلى الشرطية. وأما تقسيمها تقسيماً ثانياً فهو تقسيم الحملية مثلاً أو تقسيم القضية إلى شخصية، إلى محصورة، إلى طبيعية وما شابه ذلك، أو تقسيم القضية إلى لزومية، إلى اتفاقية. هذه التقسيمات التي سوف نقرأها كلها. التقسيم الأصلي الأولي ألا وهو تقسيم القضية إلى حملية وإلى شرطية.

إذا اتضح هذا الأمر، يقع الكلام في بيان الفرق بين القضية الحملية وبين القضية الشرطية في عدة أمور:

الأمر الأول: في بيان أساس التقسيم

ذكرنا نحن في مبحث القسمة أنه لابد أن يفرض في كل تقسيم أن يفرض أساس على أساسه يقسم الشيء إلى عدة أقسام. فمثلاً إذا أردنا أن نقسم الإنسان، لابد أن نفرض أساساً وأن نفرض أصلاً على أساسه نقسم الإنسان؛ كأن نفرض أنه يقسم الإنسان أساس لونه أو على أساس لغته أو على أساس جغرافيته أو ما شابه ذلك. فهنا ما هو أساس قسمة القضية إلى حملية وإلى شرطية؟ هنا نظريتان:

النظرية الأولى: تذهب إلى أن أساس تقسيم القضية إلى قضية حملية وإلى قضية شرطية هو اشتمال القضية على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء، أو عدم اشتمال القضية على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء.

بحيث يقال إن القضية إذا اشتملت على حكم بثبوت شيء لشيء كقولنا: (زيد قائم)، هنا قضية يصح أن توصف بالصدق أو الكذب لذاتها، هذه القضية (زيد قائم) تشتمل على ثبوت القيام لزيد فيقال إنها قضية حملية، أو (زيد ليس بقائم) تشتمل على حكم بنفي القيام عن زيد، هذه قضية حملية. كل قضية اشتملت على حكم بثبوت شيء لشيء كثبوت القيام لزيد، أو نفي شيء عن شيء كنفي القيام عن زيد، كانت قضية حملية.

وإذا لم تشتمل القضية على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء، كانت قضية شرطية.

فأساس التقسيم ما هو؟ اشتمال القضية على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء، أو عدم اشتمالها على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء. هذا هو أساس تقسيم القضية إلى قضية حملية وإلى قضية شرطية.

النظرية الثانية: تذهب إلى أن أساس التقسيم هو انحلال القضية إلى مفردين وعدم انحلال القضية إلى مفردين. فالفضية إذا انحلت إلى مفردات كانت قضية حملية، وإذا لم تنحل إلى مفردات كانت قضية شرطية.

مثلاً إذا قلنا: (زيد قائم)، هنا هذه قضية حملية؛ لأنه حكم فيها بثبوت القيام لزيد، ثبوت شيء لشيء. هذه القضية عند انحلالها، ما معنى الانحلال في المقام؟ انحلالها انحلال القضية بمعناه أن نفكك بين أجزاء القضية. هنا (زيد قائم) يوجد ترابط بين الكلمتين بحيث يقال (زيد هو قائم). فإذا حذفنا (هو) يعني أصبح عندنا فقط زيد لوحده وقائم، هنا عند فك الترابط في قضية (زيد قائم) انحلت القضية إلى مفردتين: إلى زيد وإلى قائم. إذا انحلت إلى مفردات كانت القضية قضية حملية.

أما إذا جئنا إلى القضية الشرطية وقلنا: (إذا جاء زيد فأكرمه)، هذه قضية شرطية، إذا حذفنا الأدوات، أدوات الربط، وهي (إذا) و(الفاء)، ماذا سوف يكون عندنا؟ سوف يكون: جاء زيد وأكرم زيد. هنا نجد أن القضية انحلت إلى مفردات أو انحلت إلى قضايا؟ إلى قضيتين: إلى (جاء زيد) وإلى (أكرم زيد).

أو مثال أوضح: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود)، هذا مثال أوضح من الأول وأدق من الأول. هنا نجد إذا حذفنا أدوات الشرط، حذفنا (إذا) وحذفنا... تنحل القضية الواحدة أي القضية الشرطية إلى قضيتين: إلى (طلعت الشمس) وإلى (النهار موجود). إذاً، إذا انحلت القضية إلى مفردات كانت القضية قضية حملية، بينما إذا انحلت إلى قضيتين كانت القضية قضية شرطية.

إذاً، هذا هو أساس التقسيم، أي تقسيم القضية إلى قضية حملية وإلى قضية شرطية.

ما هو الفرق بين النظرية الأولى والنظرية الثانية؟

النظرية الأولى كان أساس التقسيم بلحاظ اشتمال القضية على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء أو عدم اشتمالها على ذلك الحكم. بينما النظرية الثانية تنص على أن أساس تقسيم القضية إلى حملية وإلى شرطية على أساس الانحلال وعدم الانحلال، انحلال القضية إلى مفردات أو عدم انحلالها إلى مفردات.

ما هو الفرق بين هذين الأساسين؟

إذا تمسكنا بالأساس الأول -وهو الذي يظهر من كلمات الشيخ المظفر أنه يرتئي أن أساس التقسيم على وفق النظرية الأولى- نقول: كان نوع التقسيم أنه تقسيم عقلي حصري بحيث يمنع العقل من فرض قسم ثالث، هذا ما قرأناه في مبحث القسمة، أن التقسيم العقلي الدائر بين النفي والإثبات يمنع العقل من افتراض قسم ثالث، بحيث يقال هكذا: يقال القضية لا تخلو من شقين لا ثالث لهما: إما أن تشتمل على حكم بثبوت شيء لشيء كقولنا (زيد قائم)، أو نفي شيء عن شيء كقولنا (زيد ليس بقائم). إما أن تشتمل على هذا النوع من الحكم أو لا. فلا، هذه القضية شرطية، لأن القضية الشرطية لا تشتمل على حكم بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء. ولا شق ثالث في المقام، فتنحصر القضية في أنها إما حملية وإما شرطية، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ بمعنى من المستحيل عقلاً أن توجد قضية ليس هي حملية وليس هي شرطية بل قسم ثالث، هذا هنا المستحيل؛ لأنها لا تخلو، إما أن يوجد فيها حكم بثبوت شيء أو نفي شيء، أو لا يوجد فيها ذلك الحكم، فالأمر دائر بين نفي وبين إثبات.

أما إذا تمسكنا بالشق الثاني بالنظرية الثانية التي تنص على أن أساس التقسيم قائم على أساس أن القضية إذا انحلت إلى مفردات كانت قضية حملية، أما إذا انحلت إلى قضايا ولم تنحل إلى مفردات كانت قضية شرطية. هنا يقال إن نوع التقسيم تقسيم استقرائي؛ بمعنى نحن استقرأنا أي تتبعنا أنواع القضايا فوجدنا أن هناك قضايا إذا فككناها عند فك الأجزاء بعضها عن البعض الآخر نصل إلى مفردات؛ إلى زيد وإلى قائم. وعندنا نوع آخر وجدناه أنه عند فك أدوات الربط وحذف أدوات الربط تنحل إلى قضيتين كقولنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود). فمن خلال التتبع، إما أن تنحل القضية إلى مفردات أو تنحل إلى قضيتين، ولكن لا يمنع العقل من أنه هناك قضية قد تنحل إلى جزأين؛ الجزء الأول يكون مفرد، والجزء الآخر يكون قضية، فلا ينحل إلى مفردين، ولا ينحل إلى قضيتين، بل تنحل القضية الواحدة إلى مفرد وإلى قضية. هذا لا مانع منه عقلاً، ولهذا نقول إن تقسيم القضية إلى حملية وإلى شرطية، هذا بنحو التقسيم الاستقرائي؛ لأنه يمكن أن يوجد هناك شق ثالث، وهو ليس الانحلال إلى مفردتين وليس الانحلال إلى قضيتين، بل الانحلال إلى مفردة وقضية.

أضرب مثالاً تفكرون أن هذا المثال صحيح أم لا؟ إذا قلنا: (زيد أبوه قائمون)، ألا يقال إن هذه القضية، هذه القضية تنحل إلى ماذا؟ إلى زيد وإلى (أبوه قائم)، فانحلت إلى مفردة وإلى (أبوه قائم)، (أبوه قائمون) قضية. هل هذا الانحلال -أي انحلال هذه الجملة (زيد أبوه قائم)- انحلاله هل هو انحلال إلى مفردات أو انحلال إلى مفرد وإلى قضية؟ هذا فكروا فيه.

لا، هنا لا يمكن القول إلى قضيتين. لماذا؟ لأن زيد أبوه، أبوه للموضوع. موضوع. أبوه الموضوع، محمول قائم. لا، (زيد أبوه قائم)، زيد هنا موضوع أو محمول؟ موضوع. موضوع لا محمول. إذن موضوع. ما محله من الإعراب في القضية؟ لا، الإعراب المنطقي في الموضوع، لا، الإعراب المنطقي، ما محله من الإعراب المنطقي في القضية... يعود عليه الضريب في أبوه نعيد زيد ترى ضمير أبوه زيد يعني أبوه زيد وغائب... محل الشاهد، إذاً محل الشاهد أنه بناء على النظرية الثانية لا مانع من...

تعريف القضية الحملية

إذا اتضح ذلك، نقول: ما معنى القضية الحملية؟ اتضح أن القضية الحملية ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو ما حكم فيها بنفي شيء عن شيء.

ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء: هذا هو مفاد القضية الحملية الموجبة. من قبيل ماذا؟ من قبيل (محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الإسلام)، هنا حكمنا على شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه نبي الإسلام، أي أثبتنا النبوة لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أو نفي شيء عن شيء: هذا هو مفاد القضية الحملية السالبة كقولنا: (زيد ليس بقائم)، نفينا القيام عن زيد. لذا تقسم القضية الحملية إلى موجبة وإلى سالبة. هذا محل خلاف: تقسيم أول أو ثاني؟ نشير إليه في محله.

قال: القضية حملية وشرطية. الحملية من قبيل:

(الحديد معدن): هنا بنحو ثبوت المعدنية.

(الربا محرم): ثبوت الحرمة للربا، قضية حملية موجبة.

(الصدق ممدوح): قضية حملية موجبة.

(الكاذب ليس بمؤتمن): هنا قضية حملية سالبة؛ لأنه نفي الائتمان عن... نفي شيء عن شيء.

(البخيل لا يسود).

وبتدقيق هذه الأمثلة نجد أن كل قضية من هذه القضايا لها طرفان؛ مثلاً (الحديد معدن)، الطرف الأول هو الحديد والطرف الثاني هو معدن. والطرف الأول وهو حديد يطلق عليه أنه موضوع، والطرف الثاني وهو معدن يطلق عليه أنه محمول؛ فنحمل المعدنية على الحديد ونثبت المعدنية للحديد ونسبة بينهما، نسبة بين الحديد وبين معدن، وهذه النسبة يعبر عنها بالرابط؛ لأننا في الأصل نحن عندنا مفردات متناثرة: عندنا مفردة الحديد، عندنا مفردة معدن، مفردة الربا، مفردة محرم، مفردة الصدق، مفردة ممدوح. يأتي الذهن ويأخذ مفردتين: مفردة الحديد ومفردة معدن، ويربط بينهما بمعنى ينسِب إحداهما إلى الأخرى ويثبت إحداهما للأخرى. إذاً لابد من وجود النسبة، ولهذا إذا حذفنا النسبة أصبحت عندنا مفردتين لا علاقة لأحدهما بالأخرى. متى تكون هناك علاقة لإحداهما بالأخرى؟ عند وجود النسبة، إذا نسبنا المعدنية للحديد.

ومعنى هذه النسبة اتحاد الطرفين. ما معنى اتحاد الطرفين؟ بمعنى أن يكون الحديد هو المعدنية، وثبوت الثاني وهو المعدن الأول للحديد، أو نفي -هذه نفي إشارة إلى السالبة- أو نفي الاتحاد والثبوت كقولنا: (زيد ليس بقائم). وبالاختصار نقول معناها: أن هذا ذاك؛ أي (الحديد معدن)، (هذا) إشارة إلى الحديد، (ذاك) إشارة إلى معدن، أو (هذا ليس ذاك).

فيصح تعريف الحملية بأنها: ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء كقولنا (زيد قائم)، أو نفي شيء عن شيء كقولنا (زيد ليس بقائم).

القضية الشرطية

القضية الشرطية تنقسم على أساس وجود نسبة بين قضية وأخرى أو عدم وجود نسبة بين قضية وأخرى. بحيث يقال: القضية الشرطية هي ما حكم فيها -لاحظ، إذاً ليس الفرق بين القضية الحملية والقضية الشرطية هو على أساس وجود حكم وعدم وجوده، القضية الحملية ما حكم فيها والقضية الشرطية ما حكم فيها، لكن الفرق نوع الحكم- في القضية الحملية ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء، بينما القضية الشرطية ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى أو عدم وجود نسبة بين قضية وأخرى.

مثلاً إذا قلنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود)، هنا توجد نسبة بين طلوع... بين وجود النهار وبين طلوع الشمس، وهي نسبة الاتصال ونسبة التعليق؛ أي أن وجود النهار معلق على طلوع الشمس، فعلى تقدير طلوع الشمس يكون النهار موجوداً. وهنا نسبة بين قضية وقضية أخرى؛ لأن هنا توجد قضية (طلعت الشمس) وقضية (النهار موجود).

أو لم توجد نسبة بين قضية وقضية أخرى، وهذه هي القضية المنفصلة كما سوف يأتي، من قبيل ماذا؟ (العدد إما زوج وإما فرد). هنا قضيتان في الأصل: (العدد زوج)، (العدد فرد). لا توجد نسبة اتصال بين القضية الأولى وبين القضية الثانية، بل توجد... يوجد انفصال بين القضيتين، ولهذا نقول: إما زوج وإما... وإما فرد.

لذلك قال: القضية الشرطية:

(إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود): هنا قضية شرطية متصلة موجبة. لاحظ، هنا نجد أنه ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وهي (النهار موجود) وبين قضية أخرى وهي (أشرقت الشمس).

قضية شرطية سالبة متصلة، القضية الأولى والثانية متصلة.

ومثل اللفظ: (إما أن يكون مفرداً أو مركباً): هنا منفصلة موجبة.

و(ليس الإنسان إما أن يكون كاتباً أو شاعراً): منفصلة... موجبة... سالبة عفواً؛ لأنه (ليس).

وعند ملاحظة هذه القضايا نجد أن كل قضية من هذه القضايا لهما طرفان. لاحظوا القضية الأولى: (إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود)، لها طرفان: الطرف الأول (أشرقت الشمس)، الطرف الثاني (النهار موجود)، وهما قضيتان بالأصل. المثال الأول، لولا (إذا) وفاء الجزاء لكان قولنا (أشرقت الشمس) خبراً بنفسه، معنى خبراً بنفسه الخبر هو القضية، يعني كان قضية بنفسه، وكذا (النهار موجود) هنا قضية وخبر بنفسه بمعناه قضية، وهكذا باقي الأمثلة؛ يعني كلما حذفنا الأدوات انحلت القضية الشرطية إلى قضيتين بالأصل، بخلاف القضية الحملية فإنها تنحل إلى مفردتين وليس إلى قضيتين.

ولكن لما جمع المتكلم بين الخبرين، أي بين القضيتين، ونسب إحداهما إلى الأخرى -نسب (النهار موجود) إلى القضية الأخرى وهي أشرقت...- جعلهما قضية واحدة وأخرجهما عما كانا عليه. هما كانا على ماذا؟ من كون كل منهما خبراً يصح السكوت عليه؛ فإنه لو قال (إذا أشرقت الشمس) وسكت فإنه يُعد مركباً ناقصاً؛ لأنه لا يشتمل على نسبة تامة يصح السكوت عليها كما تقدم في بحث المركب.

وأما هذه النسبة بين الخبرين بالأصل فليست هي نسبة الثبوت والاتحاد كالحملية. لماذا؟ لأن لا اتحاد بين القضايا، الاتحاد يكون بين ماذا؟ بين المفردات. الاتحاد بمعنى ماذا؟ بمعنى هذا ذاك، لا يكون إلا بين المفردات، إذ تقول إذا قلت (زيد قائم) بمعنى هذا أي زيد ذاك أي قائم أو هو هو، بينما لا يوجد اتحاد بين القضايا، بل هي -أي النسبة- إما الاتصال والتصاحب والتعليق، بمعنى أن يكون إحدى القضيتين معلقاً على القضية الأخرى، فيكون وجود النهار معلقاً على طلوع الشمس، أو وجود النهار مصاحباً لطلوع الشمس، أي تعليق الثاني وهو وجود النهار على الأول، أو نفي ذلك كما في قولنا: (ليس إذا كان الإنسان نماماً كان أميناً)، نفي تعليق الأمانة على النميمة كالمثالين الأولين.

وإما أن تكون النسبة نسبة التعاند والانفصال والتباين، هذا كما في القضية الشرطية المنفصلة الموجبة كقولنا: (اللفظ إما أن يكون مفرداً أو مركباً)، و(العدد إما أن يكون زوجاً أو فرداً)، فهنا نسبة الانفصال؛ بمعنى يستحيل أن يكون العدد الواحد هو مفرد وهو زوج. أو نفي ذلك، يعني نفي التعاند والانفصال كالمثالين الأخيرين في القضية المنفصلة السالبة، كقولنا: (ليس الإنسان إما أن يكون كاتباً أو شاعراً)؛ لأنه يمكن أن لا يكون لا كاتب ولا شاعر، ويمكن أن يكون هو كاتب وهو شاعر، فهنا ننفي التعاند والإنفصال للاحتمال، أن يكون هو كاتب وهو شاعر، فلا انفصال ولا تعاند بين كونه كاتباً وبين كونه شاعراً. بخلاف التعاند، فإن هناك تعاند بين الإفراد والتركيب، بين الزوجية والفردية.

ومن جميع ما تقدم نستطيع أن نستنتج عدة أمور:

الأول: تعريف القضية الشرطية بأنها: ما حُكِم فيها بوجود نسبة -ها، أعم، إما نسبة الاتصال وإما نسبة التعاند والانفصال- بين قضية وأخرى، أو لا وجودها. هنا (لا وجودها) يعني نفي الاتصال ونفي الانفصال، (لا وجودها) إشارة إلى السالبة. ما حُكِم فيها بوجود نسبة إشارة إلى الشرطية متصلة ومنفصلة.

الثاني: إن الشرطية تنقسم إلى متصلة وإلى منفصلة؛ لأن النسبة إن كانت هي الاتصال بين القضيتين -ما معنى الاتصال؟ يفسره، أي تعليق إحداهما على الأخرى، كتعليق وجود... أو نفي ذلك التعليق كما إذا قلنا (ليس الإنسان إذا كان نماماً يكون أميناً) أو (ليس... ليس الشيء إذا كان حلواً يكون مرهوباً) هنا ننفي الاتصال، ننفي العلاقة بين الأمانة وبين النميمة، أو نفي ذلك كالمثالين الأولين، فهي المسماة بالمتصلة. إذاً المتصلة تارة تكون موجبة أخرى تكون سالبة. وإن كانت هي الانفصال، أي النسبة والعناد بينهما بين القضيتين، أو نفي ذلك، نفي ذلك العناد هذا في المنفصلة السالبة كالمثالين الأخيرين، فهي المسماة بالمنفصلة، الموجبة والسالبة.

الثالث: إن القضية بجميع أقسامها، أي سواء كانت حملية، أو متصلة، أو منفصلة، تنقسم إلى موجبة وإلى سالبة. ذلك لأن الحكم فيها أولاً إن كان بنسبة الحمل أو الاتصال أو الانفصال فهي موجبة. الموجبة بمعنى المثبتة؛ إما أننا أثبتنا الحمل ثبوت شيء لشيء كقولنا (زيد قائم)، أو أثبتنا الاتصال كقولنا زيد قائم... إذا أثبتنا الانفصال من قبيل ماذا؟ إذا كان العدد العدد إما أن يكون زوج وإما أن يكون فرد. فعندنا:

قضية حملية موجبة.

قضية شرطية متصلة موجبة.

قضية شرطية منفصلة موجبة.

الحملية الموجبة: إثبات الحمل أي إثبات شيء لشيء.

المتصلة الموجبة: إثبات الاتصال والتعليق والتصاحب.

الإثبات القضية الموجبة المنفصلة: إثبات الانفصال والتعاند.

قال: إن كان بنسبة الحمل أو الاتصال أو الانفصال فهي موجبة، بمعنى لا تشتمل على أداة نفي. وإن كان بسلب الحمل أو الاتصال أو الانفصال فهي... أو الانفصال فهي سالبة، بمعنى اشتمالها على أداة نفي.

وعلى هذا، هنا إشكال، التفتوا إلي. نحن علمنا ما هو وجه تسمية القضية الموجبة الحملية بهذا الاسم وتسمية القضية الموجبة المتصلة بهذا الاسم وقضية الموجبة المنفصلة بهذا الاسم. إذا جئنا إلى القضية الحملية الموجبة، القضية الحملية الموجبة ما معنى الحمل؟ الحمل بمعنى ثبوت شيء لشيء، ولهذا من حق القضية الحملية الموجبة أن تسمى قضية حملية لأن مفادها حمل شيء على شيء، حمل القيام على زيد في قولنا (زيد قائم).

كذلك الموجبة المتصلة. الموجبة المتصلة بمعنى ماذا؟ إثبات اتصال القضية الأولى بالقضية الثانية كما إذا قلنا: (إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود)، ثبوت... ثبوت أن هناك اتصال بين طلوع النهار وطلوع الشمس، إذاً يوجد اتصال. وفي القضية المنفصلة يوجد انفصال بين العدد زوج وبين العدد فرد، فلهذا المنفصلة لوجود الانفصال تسمى منفصلة، والمتصلة لوجود الاتصال والتعليق تسمى متصلة، والحملية لوجود الحمل والثبوت والاتحاد تسمى حملية. هذه في الموجبات.

أما إذا جئنا إلى القضايا السالبة، إذا قلنا إذا قلنا (زيد ليس بقائم)، هنا يوجد حمل واتحاد أو يوجد سلب الحمل ونفي الحمل؟ سلب الحمل، ننفي حمل القيام على... ننفي ثبوت القيام لزيد. هنا نفي حمل، إذاً لماذا تسمى سالبة حملية؟ هنا لا يوجد حمل، لا يوجد اتحاد، يوجد نفي الحمل وسلب الحمل.

كذلك إذا جئنا إلى القضية السالبة المتصلة، هنا إذا قلنا: (ليس الإنسان إذا كان نماماً كان أميناً)، هنا نثبت الاتصال أو نسلب وننفي الاتصال، اتصال كون الإنسان أميناً بكونه نماماً؟ ننفي الاتصال، إذاً لماذا تسمى متصلة؟

كذلك إذا جئنا إلى السالبة المنفصلة، هنا إذا قلنا: ليس كلما كان الإنسان... عفواً، ليس إذا كان الإنسان... عفواً، ليس إذا... ليس الإنسان إما شاعر وإما وإما كاتب. هنا في هذه القضية ننفي الانفصال والتعاند أو نثبت الانفصال والتعاند؟ ننفي الاتصال... عفواً، ننفي الانفصال، وننفي وجود تعاند وانفصال بين كون الإنسان شاعراً وبين كونه كاتباً، لا انفصال ولا تعاند، بإمكان أن يكون الإنسان هو شاعر وهو وهو كاتب، فليس ثمة تعاند بين الطرفين. هنا إذاً نثبت الانفصال أو ننفي الانفصال؟ ننفي الانفصال، إذاً لماذا تسمى قضية منفصلة؟

فلهذا يقول الشيخ المظفر الذي من حق... أما القضايا السالبة فليس من حقها أن تسمى حملية؛ لأنها سلب الحمل. وليس من حقها أن تسمى متصلة؛ لأنها سلب الاتصال. وليس من حقها أن تسمى منفصلة؛ لأنها سلب الاتصال...

إذاً لماذا سميت حملية؟ لماذا سميت القضايا السالبة ها؟ القضية السالبة لماذا تسمى حملية؟ القضية السالبة لماذا تسمى متصلة؟ القضية السالبة لماذا تسمى منفصلة؟ لأنها سلب الانفصال، سلب الاتصال، سلب الحمل. لهذا قال: وعلى هذا فليس... ليس من حق السالبة أن تسمى حملية، لماذا؟ لأن الحملية اتحاد وهنا سلب الحمل في قولنا (زيد ليس بقائم)، أو متصلة، لماذا؟ لأنها سلب اتصال، أو منفصلة، لأنها سلب الحمل أو سلب الاتصال أو سلب الانفصال.

إذاً لماذا سميت حملية متصلة منفصلة القضية السالبة؟ نقول: تشبيه، ولكن تشبيهها لها، أي للسالبة بالموجبة سميت باسمها. وجه الشبه من أي جهة؟ نعم. يعني لا... لا ليس من جهة الانحلال، من جهة ال... بمعنى إذا قارنا بين أطراف القضية الموجبة وبين أطراف القضية السالبة في الحملية:

سيد علي، مثال على قضية حملية موجبة: (زيد قائم).

مثال على قضية حملية سالبة: (زيد ليس بقائم).

هنا نجد أن كل من القضيتين يشتمل على طرفين: الطرف الأول هو زيد، والطرف الثاني هو قائم. بعبارة أخرى: كل منهما يشتمل على موضوع وعلى محمول، كل منهما يشتمل على محكوم عليه وهو زيد وعلى محكوم به وهو القائم. قائم. فإذاً نجد الأطراف سواء كان في القضية الحديثة أو في القضية الحملية السالبة، كل منهما يشتمل على طرفين: موضوع ومحمول.

كذلك إذا جئنا إلى القضية المتصلة، القضية المتصلة تشتمل على الموجبة تشتمل على طرفين، على قضيتين بالأصل، كذلك القضية السالبة. كذلك القضية المنفصلة، إذا جئنا إلى القضية المتصلة... إذاً حيث إن القضية السالبة تشبه القضية الموجبة من جهة الأطراف، سميت القضية السالبة باسم القضية الموجبة.

نعم، ممكن نقول للشباب بينهم من حالة الأخبار السالبة. نعم، ممكن نقول للشباب بينهم من حالة الأخبار السالبة؛ يعني نقول مثل الـ... الـ... الـ... السالبة لأنها أثبتت السالبة والموجبة... لا، هنا عندما يقال قضية سالبة، مثلاً عندما تقول (زيد ليس بقائم)، هنا قراءتان لهذه القضية:

(زيد ليس بقائم): هل معناه أنك حملت اللا قائم -يعني حملت عدم القيام على زيد- هنا ماذا سوف يكون؟ يكون الموضوع هو زيد والمحمول هو كله (لا قائم)، هذه القراءة الأولى.

والقراءة الثانية لا، أن قولنا (زيد ليس بقائم) هنا لم نحمل اللا قيام وعدم القيام على زيد، بل نفينا وسلبنا القيام عن زيد، فلا يوجد حمل، يوجد سلب الحمل. بينما في القراءة الأولى يوجد حمل أو لا يوجد؟ يوجد حمل، وهو حمل عدم القيام، حمل السلب، أما هنا سلب الحمل. قراءتكم بناء على القراءة الأولى؟ القراءة الأولى هذه قضية موجبة معدولة المحمول. لا، كلامنا نحن في سلب الحمل، ليس في حمل السلب، فلهذا لا يصح هذا التشبيه.

نعم، هناك قول آخر، جواب آخر: لماذا سميت القضايا السالبة بأنها حملية متصلة؟ نقول: تشبيهاً لها بالموجبة، لكن من أي جهة؟ من جهة أن القضية السالبة فيها استعداد للحمل، والقضية المنفصلة فيها استعداد للاتصال، والقضية المنفصلة فيها استعداد... متى يأتي هذا الاستعداد؟ إذا حذفنا أدوات السلب، إذا حذفنا... إذا حذفنا أداة النفي (ليس) أصبحت مطّردة؛ مثلاً (زيد ليس بقائم)، هنا يوجد سلب الحمل، لكن فيها استعداد لإثبات الحمل، متى؟ إذا حذفنا أداة النفي وقلنا (زيد قائم). (ليس إذا كان الإنسان نماماً كان أميناً)، هنا يوجد سلب الاتصال، ولكن يوجد اتصال ويوجد في هذه القضية استعداد الاتصال، متى؟ إذا حذفنا أداة... إذا حذفنا أداة النافي وجد الاتصال. وكذلك إذا حذفنا أداة... في القضية المنفصلة السالبة وجد الانفصال، فإنما سميت حملية وسميت منفصلة وسميت متصلة، أي القضية السالبة، لأن فيها استعداد الاتصالي والحملي والإنفصالي. متى يتولد هذا الاتصال والانفصال؟ عند حذف أداة السلب.

جواب ثالث وأخير، نقول: على كل حال، من يلزمنا نحن بهذه الاصطلاحات اللغوية؟ القضية الحملية كاصطلاح منطقي معناه ثبوت، عفواً معناه ما حُكِم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن عن شيء. وهنا (زيد ليس بقائم) يوجد فيها حكم بنفي القيام عن زيد، فليس بقائم فتسمى قضية حملية. فالقضية الحملية كاصطلاح منطقي ليس هو معنى الاصطلاح اللغوي أنها حملية من باب حمل شيء على شيء واتحاد، لا، نقول: ذاك اصطلاح لغوي ونحن عندنا اصطلاح منطقي، والاصطلاح المنطقي أن القضية الحملية مفادها ما حُكِم فيها بثبوت شيء أو نفي شيء عن شيء، أو نفي شيء عن شيء كالقضية السالبة، فإنها حملية لانطباق تعريف الحملية عليها: التعريف اللغوي أو التعريف المنطقي؟ التعريف المنطقي، ولا ملزم لنا أن نتمسك بالتعريف اللغوي، وقس على ذلك في المتصلة وفي المنفصلة.

ويسمى الإيجاب والسلبية... كيف القضية؟ لأنه يسأل بكيف الاستفهامية عن الثبوت وعدمه. هذه النقطة وأجزاء القضية وأقسام القضية باعتبار الموضوع يأتي.

تم الكلام رفع المقام والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.