منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 25

تحميل Word

025

المصطلحات العامة في القياس

كان الكلام في القياس وعُرف القياس بأنه (قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر). القياس كقولنا الإنسان ناطق وكل ناطق جسم، ينتج أن الإنسان جسم. وقفنا عند الاصطلاحات العامة في القياس. ذكرنا أنه في كل قياس لابد من توفر حدود القياس. والمراد من الحدود هو الحد الأصغر والحد الأكبر والحد الأوسط.

ففي قولنا الإنسان ناطق وكل ناطق إنسان، يكون الحد الأوسط وهو الحد المتكرر هو كلمة ناطق. وأما الحد الأصغر فكيف نعرفه؟ من خلال النظر إلى النتيجة. النتيجة هي الإنسان جسم. ما وقع موضوعاً في النتيجة يكون هو الحد الأصغر. وما وقع محمولاً في النتيجة يكون هو الحد الأكبر. ففي قولنا الإنسان جسم، الإنسان وقع موضوعاً، إذاً هو الحد الأصغر وهو موجود في المقدمة الأولى. وجسم وقع محمولاً، إذاً هو الحد الأكبر في المقدمة الثانية.

أيضاً لابد من اشتمال القياس على مقدمتين فصاعداً. مقدمات القياس عبارة عن مقدمتين في موردنا هذا في القياس البسيط؛ مقدمة صغرى ومقدمة كبرى. كيف نفرق بين المقدمة الصغرى والمقدمة الكبرى؟ الحد الأصغر الذي يوجد في المقدمة يعبر عن تلك المقدمة بالمقدمة الصغرى. والحد الأكبر الموجود في المقدمة يعبر عنها بالمقدمة الكبرى.

ففي قولنا الإنسان ناطق، الإنسان هو الحد الأصغر لأنه وقع موضوعاً في النتيجة؛ إذاً المقدمة التي تشتمل على الحد الأصغر تكون مقدمة صغرى، والمقدمة التي تشتمل على الحد الأكبر تكون مقدمة كبرى.

مما أُريد أن تلتفتوا إليه: ليس بالضرورة أن تكون المقدمة الأولى دائماً هي المقدمة الصغرى، والمقدمة الثانية هي دائماً المقدمة الكبرى، ليس هذا هو الضابط كما قد يتبادر إلى الأذهان أو يذكر إليكم في بعض الموارد. ليس الفرق بين المقدمة الصغرى والمقدمة الكبرى أن المقدمة إذا كانت أولى وقعت أولاً فهي صغرى وإذا وقعت ثانيا فهي كبرى. ففي الإنسان ناطق يقال هذه صغرى، وكل ناطق جسم هذه كبرى لأنها وقعت أولاً وتلك ثانياً.

ليس الفرق بينهما في أن تلك أولى وهذه ثانية؛ الفرق الصحيح المنطقي هو أن المقدمة إذا اشتملت على الحد الأصغر كانت مقدمة صغرى، وإذا اشتملت على الحد الأكبر كانت مقدمة كبرى، حتى لو جعلت الكبرى هي المقدمة الأولى والصغرى هي المقدمة الثانية، كأن تقول: كل ناطق جسم والإنسان ناطق، سواء جعلت الكبرى في البداية أو الصغرى في المقدمة الثانية. أساساً بعض المناطقة يجعل الكبرى في البداية والصغرى في النهاية كمقدمة ثانية. إذاً ليس الفرق بينهما أن تلك أولى أو هذه ثانية، الفرق بينهما: ما اشتملت على الحد الأصغر تكون مقدمة صغرى، وما اشتملت على الحد الأكبر تكون مقدمة كبرى.

أيضاً لابد أن يشتمل القياس على مطلوب وعلى نتيجة. المطلوب هو قبل الوصول إلى النتيجة، لابد أن نحدد ما هو المطلوب. مثلاً نريد أن نثبت هل أن الإنسان جسم أو ليس بجسم، هذا يسمى الآن بالمطلوب. المطلوب إثباته ومن أجله جيء بالمقدمتين ومن أجله جيء بالقياس. أما إذا جئنا بالمقدمتين وقلنا الإنسان ناطق وكل ناطق جسم إذاً الإنسان جسم، هنا إذاً يسمى نتيجة.

إذاً فالمطلوب هو النتيجة، لكن الفرق أن المطلوب قبل ذكر المقدمات يكون مطلوباً ومن أجله جيء بالمقدمات، وأما النتيجة فبعد ذكر المقدمات، هذا هو الفرق بين المطلوب والنتيجة.

أيضاً لابد أن يشتمل القياس على صورة أو قل على هيئة. والمراد من هيئة القياس أو صورة القياس كيفية ترتيب المقدمات. كيفية ترتيب المقدمات لابد أن تلحظ في القياس، هذا هو المراد من صورة القياس. مثلاً تارة تقول الإنسان ناطق وكل ناطق جسم. هنا رتبت المقدمات. هذه صورة. لك أن تجعل الحد الأوسط محمولاً في كلا المقدمتين. تجعل الحد الأوسط يكون محمولاً في كلا المقدمتين، تقول مثلاً الإنسان شاعر وبعض الحيوان شاعر، تجعل الحد الأوسط محمولاً في المقدمة الأولى ومحمولاً في المقدمة الثانية، أو تجعل الحد الأوسط موضوعاً في المقدمتين أو بالعكس موضوعاً في المقدمة الأولى ومحمولاً في المقدمة الثانية. هذا يعبر عنه بكيفية صياغة المقدمات بصورة وهيئة القياس، أو أن تجعل القياس على صورة قياس استثنائي أو على صورة قياس اقتراني كما سوف يأتي.

لابد أولاً من بيان المصطلحات العامة عدا المصطلحات الخاصة بكلمة القياس التي سيرد ذكرها في مناسباتها، وهي:

1. صورة القياس: ويقصد بها هيئة التأليف الواقع بين القضايا. نحن قلنا في كل مقدمة نحتاج إلى مراعاة المادة ومراعاة الهيئة؛ المراد من المادة يعني نفس المقدمات ما نوعها؟ والمراد من الهيئة كيفية ترتيبها وصياغتها. وليس بجديد مصطلح المادة والهيئة، طرحناه في بحث المركب والمفرد طرحناه في أول مبحث علم المنطق ومثلنا على ذلك بالبيت، قلنا البيت لكي يكون سليماً بناؤه سليم لابد أن تراعى مادته وهيئته. أما مادته فلابد أن يختار مثلاً الإسمنت الجيد، الطابوق الجيد، الحديد الجيد. هيئته لابد أن تكون هيئة البناء على هيئة مستطيل، على صورة مستقيم، على صورة مثلث، وهكذا. وصورة القياس ويقصد بها هيئة التأليف الواقع بين القضايا.

2. المقدمة: وهي كل قضية تتألف منها صورة القياس، والمقدمات تسمى مواد القياس، وسوف يأتي بيان هاتين النقطتين فيما بعد.

3. المطلوب: وهو القول اللازم من القياس، لأنه ماذا عُرف القياس؟ مؤلف من قضايا متى سلم لزم عنه قول آخر. لزم عنه قول آخر، ذلك اللازم يُعبر عنه بالمطلوب ولكن قبل وضع المقدمات والوصول إلى النتيجة. ويسمى مطلوباً عند أخذ الذهن في العمل؛ يعني أساساً إنما الذهن جاء بالمقدمات من أجل هذا المطلوب وهو إثبات أن العالم متغير، إثبات أن الإنسان جسم، إثبات أن السائل مركب مثلاً.

4. النتيجة: وهي عين المطلوب، ولكن يسمى المطلوب بالنتيجة بعد تحصيله من القياس.

ونعني بالأجزاء الذاتية الأجزاء التي تبقى بعد تحليل القضية، فإذا فككنا وحللنا الحملية مثلاً إلى أجزائها لا يبقى منها إلا الموضوع والمحمول. إذا قلنا الإنسان ناطق، قلنا تشتمل على ثلاثة أمور: على موضوع وهو الإنسان، على محمول وهو ناطق، وعلى نسبة وهي نسبة ناطقية إلى الإنسان. إذا فككناها يعني حذفنا النسبة بينهما، لم يبق إلا الموضوع لوحده والمحمول لوحده دون النسبة؛ لأن النسبة إنما تقوم بالطرفين للربط بينهما، والمراد من الطرفين الموضوع والمحمول. وقلنا إن النسبة لا حقيقة ولا وجود لها مستقل عن وجود أطرافها، فهي موجودة بوجود أطرافها كما ذكرنا ذلك في مبحث أقسام المفرد والمركب. فإذا أُفرِد كل من الطرفين عن الآخر فمعناه ذهاب النسبة بين الطرفين بين الإنسان والناطق.

وأما السور والجهة، سور القضية كقولنا كل إنسان، جهة القضية كقولنا كل إنسان ناطق مثلاً بالضرورة، فهما من شؤون النسبة فلا بقاء لهما بعد ذهابها، بعد ذهاب الطرفين... ذهابها عذراً، ذهابها بعد ذهاب النسبة، لأنه أساساً متى تفكك القضية؟ متى تحلل القضية؟ إذا حُذِفت النسبة. وكذلك إذا حللنا الشرطية إلى أجزائها لا يبقى منها إلا المقدم والتالي. متى تحلل الشرطية؟ إذا حُذِفت أدوات الربط.

فالموضوع والمحمول أو المقدم والتالي هي الأجزاء الذاتية للمقدمات وهي الحدود فيها، وسوف يأتي أن الحدود هي: الحد الأوسط، الحد الأصغر، والحد الأكبر.

ولنوضح هذه المصطلحات بالمثال فنقول:

المقدمة الأولى: شارب الخمر فاسق. (مقدمة أولى)

وكل فاسق ترد شهادته. (مقدمة ثانية)

النتيجة: شارب الخمر ترد شهادته.

كيف وصلنا إلى هذه النتيجة؟ عندما حذفنا الحد الأوسط وهو الحد المتكرر وهو قولنا كلمة فاسق. قال: فبواسطة نسبة كلمة فاسق إلى شارب الخمر في القضية الأولى رقم واحد، ونسبة رد الشهادة إلى كل فاسق في القضية الثانية استنبطنا النسبة بين رد الشهادة والشارب في القضية الثالثة.

فكل واحدة من القضيتين الأولى والثانية تسمى مقدمة، لذلك نقول مقدمة أولى مقدمة ثانية. أما شارب الخمر وكلمة فاسق وترد شهادته تسمى حدوداً. شارب الخمر يسمى حد أصغر لماذا؟ لأنه وقع موضوعاً في النتيجة فالمقدمة التي تشتمل عليه تسمى بالمقدمة الصغرى. وكلمة فاسق هو الحد الأوسط المتكرر في القضيتين. وترد شهادته هو الحد الأكبر لأنه وقع محمولاً في النتيجة، والمقدمة التي تشتمل عليه تسمى بالمقدمة الكبرى.

أما القضية الثالثة قال تسمى مطلوباً وتسمى نتيجة. مطلوب قبل الانتهاء من صياغة المقدمات، يعني في أثناء البحث أساساً يكون المطلوب هو الداعي الذي دعا الذهن لأن يأتي بالمقدمات. أما النتيجة فهي تأتي بعد المقدمات. فالمطلوب قبل المقدمات والنتيجة بعد الانتهاء من المقدمات. ولهذا لا تعبر في المطلوب إذاً. المطلوب هو عبارة عن السؤال، المطلوب هو عبارة عن المجهول التصديقي عُبر عنه. المطلوب هو عبارة عن المجهول التصديقي: هل أن شارب الخمر ترد شهادته أو لا ترد شهادته؟ هذا مجهول تصديقي، هنا يُسمى مطلوباً. مطلوباً لماذا سمي بالمطلوب؟ لأنه يراد الكشف عنه، ويكشف عنه بمعلوم تصديقي وهما المقدمات، أحسنتم.

إذاً المطلوب هو المجهول التصديقي، أما النتيجة فيصبح بعد ذلك معلوماً تصديقياً.

والتأليف بين المقدمتين صورة القياس. التأليف بين المقدمتين يعني وضع الموضوع والمحمول ونسبة المحمول إلى الموضوع واختيار مكان الحد الأوسط أين يقع؟ هل أن الحد الأوسط يقع محمولاً؟ يقع موضوعاً؟ وما شابه ذلك. ولا يخفى أننا استعملنا هذه العلامة النقط الثلاث ووضعناها قبل النتيجة علامة هندسية تستعمل للدلالة على الانتقال إلى المطلوب وتقرأ (إذاً)، فيقال: (إذاً شارب الخمر ترد شهادته)، وسنستعملها عند استعمال الحروف...

منشأ الخطأ في المعلومات التصديقية وأقسام القياس

بحسب مادته وهيئته. قلنا نحن في أول دروس علم المنطق إن المنطق يهتم بتصحيح الفكر، والسر في ذلك لأن مدركات الإنسان ومعلومات الإنسان على نحوين: إما أن تكون بديهية وإما أن تكون نظرية، خصوصاً إذا لاحظنا المعلومات والمدركات التصديقية وليست التصورية.

المدركات والمعلومات التصديقية لا يقع فيها الخطأ لأنها وجدانية، لأنها بديهية، لأنها ضرورية، كقولنا الكل أعظم من الجزء. ولكن لما كانت ليس كل معلومات الإنسان ضرورية بل بعضها نظري، والنظري يحتاج إلى إقامة الدليل، لماذا يحتاج إلى إقامة الدليل؟ لأنه يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً. إذاً فكثير من المعلومات التصديقية يمكن أن تكون صحيحة ويمكن أن تكون خاطئة، إذاً تحتاج إلى قانون يميز صدق المعلومات التصديقية من كذب المعلومات التصديقية. قلنا ذلك القانون هو علم المنطق، ولهذا هو قانون أو آلة قانونية تعصم الذهن عن الوقوع في المعتقدات الخطأ أثناء عملية التفكير.

إذن المعلومات التصديقية تقبل الخطأ والصواب. هنا نسأل: ما هو سبب خطأ المعلومات التصديقية؟ أو ما هو منشأ وقوع الأخطاء في المعلومات التصديقية؟ إن هناك منشأين وسببين أساسيين يمكن أن تكون معلومات الإنسان ونتائج الإنسان التي يتوصل إليها نتائج خاطئة:

السبب الأول: إما بسبب هيئة تأليف المقدمات.

السبب الثاني: إما بسبب مادة المقدمات.

مثلاً، الأخطاء الواقعة والمرتبطة بالمادة، مادة القضية، مادة القياس كقولنا: إذا قلنا (الله موجود) هذه مقدمة أولى، و(كل موجود يحتاج إلى موجد) هذه مقدمة ثانية. ما هي النتيجة؟ (إذاً الله يحتاج إلى علة). هذه النتيجة نتيجة خاطئة ليس بسبب صياغة المقدمات وتأليف المقدمات، المقدمات من ناحية الهيئة والتأليف مقدمات صحيحة، إنما سبب خطأ النتيجة ارتبط بالمادة، بمعنى أن القضية الثانية أو المقدمة الثانية وهي (كل موجود يحتاج إلى موجد) هي مقدمة خاطئة. نفس المادة مقدمة خاطئة؛ لأن من قال لكم كل موجود يحتاج إلى علة؟ بل المقدمة الصحيحة: كل موجود فقير ممكن الوجود هو الذي يحتاج إلى علة، أما الموجود الذي يكون واجب الوجود لا يحتاج إلى علة. إذاً سبب خطأ النتيجة ناتج عن أن المادة التي وضعت مادة خاطئة.

أو مثلاً إذا قلنا: زيد إنسان والإنسان نوع. ماذا سوف تكون النتيجة؟ زيد نوع. مع أنه زيد ليس بنوع؛ لأن النوع لا تحمل إلا على الأمور الكلية، ولهذا النوعية والجنسية والفصلية من الكليات الخمس أمور محمولة كلياً. إذاً مع أن زيد جزئي، والنوعية لا تحمل على الجزئيات، لا تحمل إلا على الكليات. إذاً هذه النتيجة خاطئة. ما هو سبب خطئه؟ خطأ النتيجة.

قد يقال ليس سبب خطأ النتيجة هو هيئة وترتيب المقدمات لرتبت المقدمات ترتيباً صحيحاً. الخطأ قد يقال ليس في المادة، المادة صحيحة، زيد إنسان مادة صحيحة، قضية صادقة، والإنسان نوع الإنسان نوعه أيضاً مادة صحيحة. إذاً ما هو السبب في خطأ النتيجة؟ نعم؟ هنا سبب خطأ النتيجة ليس نفس المادة، المادة صحيحة، زيد إنسان مادة صحيحة، الإنسان نوع مادة صحيحة، ولكن سبب الخطأ هو أننا نشترط في كل قياس أن يكون الحد الأوسط واحداً، بينما الحد الأوسط هنا ليس واحداً. كلمة الإنسان في المقدمة الأولى يراد منها شيء، وكلمة الإنسان التي في المقدمة الثانية يراد منها شيء آخر بعينه، وهذا ما يسمى في كلماتهم بأغلوطة الحد الأوسط، يعني التي قد تخفى على الإنسان فيقول نعم المقدمات صحيحة، لماذا كانت النتيجة كاذبة؟ هذه ما يعبر عنها بأغلوطة الحد الأوسط أو شبهة الحد الأوسط، وهذا سوف يأتي إن شاء الله بيانها.

نريد مثالاً: مثلاً إذا قلنا (لا شيء من الفرس بإنسان)، هذه مادة صحيحة أو خاطئة؟ صحيحة (لا شيء من الفرس بإنسان)، والمقدمة الثانية (ولا شيء من الفرس بناطق). ماذا سوف تكون النتيجة؟ (لا شيء من الإنسان بناطق). هذه النتيجة نتيجة خاطئة. النتيجة ليس من خلال خطأ المقدمات المادة؛ المادة صحيحة، قضية (لا شيء من الفرس بإنسان) قضية صادقة، وقضية (لا شيء من الفرس بناطق) قضية صادقة. خطأ النتيجة ناتج عن خطأ هيئة القياس؛ لأنه سوف يأتي أن من شروط ترتيب القياس يجب أن تكون إحدى المقدمات موجبة، ولهذا لا إنتاج من سالبتين، وأنت وضعت المقدمات على هيئة قضية سالبة.

إذاً قد يكون خطأ النتيجة ناتجاً عن أن المادة التي اخترتها مادة كاذبة فتكذب النتيجة تبعاً للمقدمة التي اخترت أنها كاذبة، وأخرى يكون سبب خطأ النتيجة وكذب النتيجة ناتجاً عن أنك لم تطبق شروط صياغة وهيئة وصورة مقدمات القياس. إذاً الأخطاء تارة تنتج عن المادة وتارة تنتج عن الهيئة والصورة.

المنطقي يهتم بكلا اللونين، المنطقي يعطيك القوانين التي يجب أن تطبق لاختيار مادة القضية، فيقول لك إذا أردت أن تختار مقدمات القياس يجب أن تكون مقدمات القياس ومواد القياس أن تكون يقينية، ألا تكون ظنية، ألا تكون وهمية، ألا تكون خيالية، يراعي لك مادة القياس. وأيضاً إذا جاء إلى الترتيب كيف ترتب المقدمات؟ يقول يجب أن ترتب المقدمات بأن تكون إحدى المقدمات موجبة، فلا تكون كلا المقدمتين سالبتين. إذاً المنطقي يهتم بمادة القياس ويهتم بهيئة وصورة القياس. بحثنا في هذا المحور هو القياس الذي يرتبط بالصورة والهيئة، يعني بحثنا حول كيف ترتب المقدمات بغض النظر أن المقدمات التي تضعها صحيحة وليست صحيحة. وأما البحث الذي يرتبط بمادة القياس هو بحث يرتبط بنوعية المقدمات، ما نوع المقدمات؟ هل مقدمات يقينية، مقدمات غير يقينية؟ هذا البحث سوف يأتي في الجزء الثالث. إذاً بحثنا من الآن إلى نهاية القياس في الجزء الثاني كله بحث هيئة القياس وصورة القياس. وأما البحث في الجزء الثالث الذي نعبر عنه ببحث الصناعات الخمس فهو بحث حول مادة القياس، حول نوع المقدمات التي يجب أن تختارها.

قال: أقسام القياس بحسب مادته وهيئته. قلنا إن المقدمات تسمى مواد القياس وهيئة التأليف تسمى صورة القياس. فالالبحث عن القياس من نحوين:

أولاً: من جهة مادته بسبب اختلافها. ما معنى اختلافها من أي جهة؟ يعني تارة تكون المادة يقينية، تارة تكون غير يقينية، يعني تكون ظنية، تكون وهمية، تكون شعرية، تكون خطابية، وهكذا قطع النظر عن الصورة. ما معنى مع قطع النظر عن الصورة؟ يعني سواء جعلت المقدمات من مقدمتين سالبتين، من مقدمتين موجبتين، الصغرى سالبة، الكبرى جزئية، لا يهم الآن؛ بأن تكون المقدمات يقينية أو ظنية أو من المسلمات أو من المشهورات أو من الوهميات أو من المخيلات أو غيرها مما سيأتي في بابه. ويسمى البحث فيها بالصناعات الخمس الذي عقدنا لأجله الباب السادس الآتي في الجزء الثالث، فإنه ينقسم القياس بالنظر إلى ذلك -بالنظر إلى ذلك يعني بلحاظ مادة القياس- إلى برهان، إلى جدل، إلى خطابة، إلى شعر، إلى مغالطة، وهذه هي الصناعات الخمس.

ثانياً: من جهة صورة القياس بسبب اختلافها، بسبب اختلافها أي اختلاف الصورة، يعني تارة ترتب القياس بكيفية تارة ترتبه بكيفية أخرى نظير البيت تارة ترتبه بأنه على شكل مستطيل تارة ترتبه على شكل مثلث مع قطع النظر عن شأن المادة، مع قطع النظر عن المادة يقينية أو ليست يقينية. وهذا الباب معقود للبحث عنه من هذه الجهة، أي من جهة صورة وهيئة القياس. وهو ينقسم من هذه الجهة إلى قسمين: إلى قياس اقتراني، وإلى قياس استثنائي. إذاً تقسيم القياس إلى الاقتراني والاستثنائي من جهة صورة وهيئة القياس.

القياس الاستثنائي والقياس الاقتراني

ما هو الفرق أو على أي أساس قُسِّم القياس إلى اقتراني وإلى استثنائي؟ على أساس التصريح بالنتيجة وبنقيضها أو عدم التصريح بالنتيجة ونقيضها. إذا كانت النتيجة قد صرح فيها بالمقدمات فهذا يُسمى بالقياس الاستثنائي، أما إذا لم يصرح بها ولا بنقيضها فهذا يسمى بالقياس الاقتراني.

مثلاً، إذا قلنا (العالم متغير) هذه مقدمة أولى، و(كل متغير هو حادث) هذه مقدمة ثانية. النتيجة: (إذاً العالم حادث). تجد أن النتيجة وهي قولنا (العالم حادث) لم يُصرح -يعني لم تكن موجودة لا في المقدمة الأولى ولا في المقدمة الثانية-. المقدمة الأولى هي كلمة (العالم متغير) والنتيجة هي (العالم حادث)، والمقدمة الثانية (كل متغير حادث) والنتيجة إذاً. نفس المقدمات لم تأتي إلى النتيجة، لا هي ولا نقيض النتيجة. هذا يسمى بالقياس الاقتراني.

أما إذا قلنا مثلاً: (إن كان محمد عالماً فواجب احترامه) هذه المقدمة الأولى، المقدمة الثانية (لكنه عالم)، النتيجة: (إذاً محمد واجب احترامه). تجد أن كلمة (محمد واجب احترامه) موجودة بعينها في المقدمة الأولى، إذاً صرح بالمقدمة الأولى صرح في المقدمة بالنتيجة، وهذا ما يسمى بالقياس الاستثنائي، أو بنقيضه كما سوف نقرأ في الكتاب. لكن اختصاراً نقرأه من الأول. الكتاب قال:

نعم، الاشتمال على كلمة استثناء. يعني ماذا تقول؟ وهو عالم. (إن كان محمد عالماً فواجب احترامه، وهو عالم... لا يبقى أنه قياس استثنائي). ليس المقوم في الاستثناء هو وجود كلمة استثناء، على كل حال لكن يمكن وضعها، يعني حتى وإن قلت (وهو عالم) هو في قوة كأنك تريد أن تقول (لكنه عالم). ليس الكلام في الصياغة النحوية أنك أتيت بالاستثناء أو أتيت بكلمة هو، لا لا. لم يُسمى استثناءً لأجل كلمة الاستثناء، ولكن لأنه طبعاً عندما قال (يسمى استثنائياً لاشتماله على كلمة الاستثناء) نستطيع أن نقول ولو أنه يمكن أن يوضع في كلمة الاستثناء حتى لو قلت (وهو عالم) يجوز لك أن تقول (ولكنه عالم). ولكنه في الحقيقة والواقع هو لم يسمى بكلمة -عفواً لم يُسم بالقياس الاستثنائي- لتلك الصياغة النحوية أنه يؤتى بكلمة وبأداة الاستثناء، إنما سمي بالقياس الاستثنائي لأن الحدود التي فيه ليست مقترنة بعضها مع البعض الآخر، بخلاف القياس الاقتراني الحدود فيه مقترنة.

لاحظ إذا قلت (العالم متغير) وقلت (وكل متغير حادث) تجد أن الحدود فيما بعضها لا يوجد بينها فاصل. بينما إذا قلت (وهو عالم) أو إذا قلت (ولكنه عالم) فقد فصلت فيما بين الحدود والحدود الأخرى، لهذا يُسمى هنا بالقياس الاستثنائي لأن الحدود فيما بينها ليست متصلة، وعدم اتصالها هو الذي سبب أن نضع كلمة الاستثناء.

قال: وهو ينقسم إلى اقتراني واستثنائي باعتبار التصريح بالنتيجة أو بنقيضها في مقدماته وعدمه؛ يعني تارة تكون النتيجة مذكورة في عين إحدى المقدمات أو نقيض النتيجة.

فالأول -أي القياس الاستثنائي هنا، مو الأول يعني الاقتراني، الأول يعني هنا القياس الاستثنائي- قال وهو المصرح في مقدماته بالنتيجة أو بنقيضها يسمى استثنائياً لاشتمالها على كلمة الاستثناء نحو: (إن كان محمد عالماً فواجب احترامه) المقدمة الأولى. المقدمة الثانية: (لكنه عالم). وهنا يُسمى استثناء التالي... عذراً استثناء المقدم؛ لأن القضية الأولى قضية حملية أو شرطية؟ شرطية. قضية شرطية، والقضية الشرطية تشتمل على مقدم -ومقدمها كلمة (محمد عالم)- وتاليها (واجب احترامه). هنا ماذا استثنينا؟ استثنينا المقدم. لكنه أي لكن محمد عالم، النتيجة (محمد واجب احترامه). فهنا نجد أن كلمة (محمد واجب احترامه) تجد أن هذه النتيجة إذا مصرح بعينها في المقدمة الأولى، فالنتيجة رقم ثلاثة مذكورة بعينها في المقدمة رقم واحد.

مثال آخر، وهو كون النتيجة يصرح بنقيضها:

قال: (لو كان فلان عادلاً فهو لا يعصي الله).

المقدمة الثانية: (ولكنه قد عصى الله).

هذا يسمى استثناء التالي؛ لأن القضية الأولى مقدمها (فلان عادل) تاليها (لا يعصي الله)، استثنينا التالي نقول (لكنه...). النتيجة: (ما كان فلان عادلاً) لأنه قد عصى الله. إذاً لاحظ هذه النتيجة (كان فلان عادلاً) مذكورة في المقدمة الأولى وهو (كان فلان عادلاً)، ولكن ليس بعينها بل بنقيضها (ما كان)، يعني ليس فلان بعادل. فالنتيجة رقم ثلاثة مصرح بنقيضها؛ لأن في المقدمة الأولى لأن المقدمة الأولى مثبتة (كان فلان عادلاً)، أما في النتيجة فهو ليس بعادل (ما كان فلان عادلاً).

والثاني: وهو القياس الاقتراني. وهو غير المصرح في مقدماته لا بالنتيجة ولا بنقيض النتيجة، يسمى قياساً اقترانياً كالمثال المتقدم في أول البحث، وهو قولنا: (شارب الخمر فاسق، وكل فاسق ترد شهادته، إذاً شارب الخمر ترد شهادته). تلاحظ كلمة (شارب الخمر ترد شهادته) ليست موجودة بعينها في المقدمة الأولى، ولا موجودة بعينها في المقدمة الثانية، ولا حتى بنقيض... غير مذكورة بهيئتها صريحاً في المقدمتين ولا نقيضها مذكور، وإنما هي مذكورة بالقوة باعتبار وجود أجزائها الذاتية في المقدمتين، أعني الحدين؛ لأن كلمة (شارب الخمر) موجودة في المقدمة الأولى، و(ترد شهادته) موجودة في المقدمة الثانية ونحن نريد أن تكون نفس النتيجة بعينها مذكورة في إحدى المقدمتين لا أن جزءاً منها في المقدمة الأولى وجزءاً منها مذكور في المقدمة الثانية، وهما (شارب الخمر ترد) و(ترد شهادته)، فإن كل واحد منهما مذكور في مقدمة مستقلة.

بعد ذلك يقسم القياس الاقتراني إلى اقتراني حملي وإلى اقتراني شرطي. الفرق بين القياس الاقتراني الحملي والاقتراني الشرطي أن القياس الاقتراني الحملي إذا كانت جميع مقدماته قضايا حملية لهذا سمي بالاقتراني الحملي. أما القياس الاقتراني الشرطي إذا لم تكن جميع مقدماته حملية، بل يكفي أن تكون إحدى مقدماته مقدمة شرطية، سواء كانت شرطية وحملية أو كلتا المقدمتين شرطيتين. المهم في القياس الاقتراني الشرطي أن لا تكون جميع المقدمات من المقدمات الحملية.

قال: ثم الاقتران قد يتألف من حمليات فقط، يعني المقدمات كلها قضايا حملية، فيسمى حملياً. وقد يتألف من شرطيات فقط أو شرطية وحملية، فيسمى شرطياً. المهم أن لا يتألف من قضايا حملية كل المقدمات.

مثاله: (كلما كان الماء جارياً كان معتصماً)، هذه المقدمة الأولى وهي قضية شرطية متصلة. والمقدمة الثانية: (وكلما كان معتصماً كان لا ينجس بملاقاة نجاسة)، هذه مقدمة شرطية أيضاً متصلة. إذا اشتمل القياس على مقدمتين شرطيتين. ما هو الحد الأوسط هنا؟ (كان معتصماً). عند حذف الحد الأوسط تكون النتيجة: (كلما كان الماء جارياً كان لا ينجس بملاقاة نجاسة). لاحظ لماذا هذا القياس قياس اقتراني وليس قياساً استثنائياً؟ لأنك لو لاحظت النتيجة، النتيجة ليست مذكورة بعينها في إحدى المقدمتين، بل جزء منها مذكور في المقدمة الأولى وجزء منها مذكور في المقدمة الثانية، فمقدمتاه شرطيتان متصلتان.

ومثال الثاني، وهو أن تكون إحدى المقدمات حملية والأخرى شرطية: (الاسم كلمة)، قضية حملية هنا. القضية الثانية: (والكلمة إما مبنية أو معربة)، هذا قضية شرطية منفصلة. النتيجة: (الاسم -وكلمة هي الحد الأوسط- إما مبني أو معرب). هذا قياس اقتراني لأن النتيجة ليست مذكورة بعينها لا في المقدمة الأولى ولا في المقدمة الثانية. شرطي لأنه اشتمل على قضية شرطية.

وما هو مثال الاقتراني الحملي؟ (العالم متغير) قضية حملية، و(كل متغير حادث) قضية حملية، إذاً (العالم حادث). هذا قياس اقتراني حملي لأن كلا المقدمتين قضايا حملية.

فالمقدمة رقم واحد حملية، والمقدمة رقم اثنين... شرطية منفصلة. ونحن نبحث أولاً عن الاقترانيات الحملية، يعني التي تكون جميع قضاياها ومقدماتها قضايا حملية لأنه أسهل، ثم الشرطية، يعني القياس الاقتراني الشرطي، ثم القياس الاستثنائي -عفواً القياس الاستثنائي- يأتي الكلام إن شاء الله في الاقتراني الحملي وبيان حدوده وبيان شروطه وبيان قواعده العامة وهو من أهم -ويعتبر من أهم- الأقيسة.

تم الكلام في رفع المقام والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.