منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 36

تحميل Word

036

بعد أن انتهى الكلام حول مبحث القياس الاقتراني الشرطي والحملي، يقع الكلام فعلاً في القياس الاستثنائي. وتقدم معنى القياس الاستثنائي حيث قال: قلنا إن القياس الاستثنائي هو ما صرح فيه بعين النتيجة في إحدى المقدمتين أو بنقيضها، وضربنا مثالين على ذلك: المثال الأول هو: إن كان محمد عالمًا فواجب احترامه، لكنه عالم، إذاً محمد واجب احترامه. فنجد أن المقدمة الأولى صرح بعينها في النتيجة، وهذا هو معنى القياس الاستثنائي، أو بنقيضها كما مثلنا على ذلك في أول مباحث الكتاب، مباحث القياس الاستثنائي.

قال: تعريفه وتأليفه. تقدم ذكر هذا القياس وتعريفه، وهو من الأقيسة الكاملة. وما معنى القياس الكامل؟ قال: أي التي لا يتوقف الإنتاج فيها على مقدمة أخرى، أي على مقدمة خارجية غير المقدمات الأصلية. خلافاً لقياس المساواة؛ فقلنا يحتاج إلى مقدمة خارجية، وهي مساوي المساوي مساوي ونحوه على ما سيأتي في توابع القياس. ولما تقدم أن الاستثناء يذكر فيه بالفعل، يصرح بعين النتيجة أو بنقيضها، فهنا نقول...

فهنا نقول: يريد أن يدفع إشكالاً، وحاصل الإشكال أنه إذا كان في القياس الاستثنائي تكون النتيجة عين إحدى المقدمتين، أو تكون النتيجة نقيض إحدى المقدمتين، فهذا لازمه المصادرة على المطلوب، والمصادرة على المطلوب باطلة.

حتى يتضح ذلك، نحتاج إلى بيان معنى المصادرة على المطلوب. المصادرة على المطلوب في اصطلاح المناطقة يراد بها أن يؤخذ المطلوب إثباته مقدمة للوصول إلى المطلوب إثباتاً. مثلاً: إذا أردنا أن نثبت هل أن الإنسان ناطق أو ليس بناطق، لا يمكن إثبات أن الإنسان ناطق بأن تجعل هذا المطلوب هو عين إحدى المقدمات التي توصلك إليه؛ هذا معناه أنك صادرت المطلوب، يعني ما هو مطلوب إثباته تجعله كمقدمة من مقدمات القياس لإثبات نفسه، وهذا باطل وهذا محال.

فإذا قلنا مثلاً: الإنسان ناطق، وكل ناطق جسم، إذاً الإنسان جسم. هذا قياس صحيح. نجد أن النتيجة وهي: الإنسان جسم، والمقدمة الأولى: الإنسان ناطق، والمقدمة الثانية: وكل ناطق جسم، إذاً الإنسان جسم. هذا قياس صحيح. أما إذا قلت مثلاً: الإنسان ناطق، وكل ناطق بشر، إذاً الإنسان بشر، نجد أن قولنا «الإنسان بشر» لا يفترق عن قولنا «الإنسان ناطق وكل ناطق بشر»؛ لأن الناطق هو نفس الإنسان، وهذا معناه أنك جعلت النتيجة كمقدمة تصل من خلالها إلى نفسها، إلى نفس النتيجة. هذا يعبر عنه بالمصادرة على المطلوب.

إذاً، معنى المصادرة على المطلوب أن النتيجة التي تريد أن تثبتها تأخذها كمقدمة من مقدمات الاستدلال. ولهذا، الطرف المقابل الذي تريد أن تحجه لا يوافقك على ذلك، يقول أساساً هذه المقدمات هي المتنازع عليها، كيف تجعلها كمقدمة؟ لأن جعلها مقدمة ما معناه أننا نسلم بها، نسلم بصدقها. ولهذا، ماذا عرفنا القياس؟ قول مؤلف من قضايا متى ما سلم بها. فإذا جعلت الأمر المتنازع عليه كمقدمة، إن لم يكن متنازعاً بل كان مسلماً، فهذا خلاف الفرض؛ نحن نفترض أن هذا مطلوب، ومعنى أنه مطلوب أي مدعى، ومعنى أنه مدعى أي يحتاج إلى برهان، ومعنى أنه يحتاج إلى برهان أي أنه ليس مسلماً. فإذا أخذته كمقدمة وكان عين المقدمة معناه أنه فرض تسليمه، والمفروض أنه لم يفرض أنه مسلم. هذا معنى المصادرة على المطلوب، وواضح أن المصادرة على المطلوب بديهية الاستحالة، لا يمكن الركون إليها.

وسوف يأتي إن شاء الله في باب المغالطة في صناعة المغالطة، أن من أوجه المغالطات هو الاعتماد على المصادرة على المطلوب، وهذا فن في المغالطة؛ من يجيده يستطيع أن يغالط الغير ويدلس على الغير، بأن نفس النتيجة التي نتنازع للوصول إليها نفياً أو إثباتاً نجعلها كمقدمة، وقد تخفى على الطرف المقابل أنه نفس النتيجة أخذت كمقدمة، فقط نغير الألفاظ، نجعل الألفاظ بنحو الألفاظ مثلاً المترادفة، وهذا باطل.

إذا اتضح معنى المصادرة على المطلوب واتضح فساد المصادرة على المطلوب، نقول: في القياس الاستثنائي، ماذا تعرفونه؟ تقولون إن النتيجة تكون عين إحدى المقدمات، وهذا هو معنى المصادرة على المطلوب وهو محال. نقول نحن: عندما نقول في القياس الاستثنائي إن النتيجة تكون عين إحدى المقدمات، ليس عينها أي تمام المقدمة، بل عندما نقول عين إحدى المقدمات، بمعنى أن تكون النتيجة جزءاً من المقدمة الأولى أو جزءاً من المقدمة الثانية، إذا لم تكن هي عينها بأكملها، ونحن لا ندعي أن تكون بأكملها، نقول إن تكون النتيجة جزءاً من إحدى المقدمات.

وهذا ما لاحظناه في الأمثلة؛ إذا قلنا: إن كان محمد عالماً فواجب احترامه، لكنه عالم، إذاً النتيجة ما هي؟ واجب احترامه. نجد أن «واجب احترامه» عندما قلنا إنه عين المقدمة الأولى، ليس كلها، إنما كان الجزء الأخير منها؛ لأن كل المقدمة الأولى هي: إن كان محمد عالماً فواجب احترامه، فأخذت هذا الجزء وهو «فهو واجب احترامه» ولم تأخذ الكل.

إذاً في القياس الاستثنائي، لم تكن النتيجة تمام إحدى المقدمات، بل كانت جزءاً من المقدمات، وهذا ليس مصادرة على المطلوب. ما هو مصادرة على المطلوب؟ أن تكون النتيجة مساوية تماماً لنفس المقدمة، وبعبارة أخرى أن تكون النتيجة عين تمام المقدمة، هذا مصادرة على المطلوب. أما إذا كانت جزءها، فلا يسمى مصادرة على المطلوب.

قال: فهنا نقول يستحيل أن تكون النتيجة مذكورة بعينها أو بنقيضها على أنها مقدمة مستقلة مسلم بصدقها، لماذا؟ لأنه حينئذ يكون الإنتاج مصادرة على المطلوب، بل إنها مذكورة على أنها جزء من مقدمة لا أنها تمام المقدمة، وإلا لو كانت تمام المقدمة لكانت النتيجة مصادرة على المطلوب، ومحال أن تكون النتيجة مصادرة على المطلوب، لأنها سوف يسلم بها قبل التسليم بها.

ولما كانت هي أي النتيجة بنفسها قضية، ومع ذلك تكون جزء قضية؛ هي بنفسها قضية كنتيجة: «محمد واجب احترامه»، نجد كنتيجة قضية قضية حملية، وإذا لاحظناها في المقدمة الأولى فهي جزء قضية؛ لأن كل المقدمة: «إن كان محمد عالماً فواجب احترامه»، نجد أنها وقعت تالي الشرطية الأولى. قال: فلابد أن يفرض أن المقدمة المذكورة فيها قضية شرطية، المقدمة المذكورة فيها في النتيجة تكون قضية شرطية، لماذا؟ حتى نوفق... لا نستطيع أن نجمع بين هذين الأمرين إلا إذا افترضنا أنها في المقدمة تكون جزءاً من المقدمة الشرطية، وبعبارة أخرى تكون تالياً أو مقدماً، حتى نوفق أنها في النتيجة تكون مقدمة، وفي المقدمة تكون جزءاً من القضية.

وهذا ما وجدناه؛ «محمد واجب احترامه» كنتيجة وقع قضية حملية تامة، ولكنه في المقدمة وقع تالياً لشرطية، فهو جزء مقدمة؛ لأن التالي هو جزء المقدمة الشرطية. ولهذا قلنا حتى نوفق أن تكون النتيجة مقدمة قضية مستقلة وتكون جزء قضية، لابد أن نفرض أن تلك المقدمة التي تشتمل عليها النتيجة لابد أن تكون من سنخ القضايا الشرطية.

نعم، يبقى القضية الأخرى التي نستثني منها، يقول: قد تكون حملية، قد تكون شرطية. قال: ولما كانت النتيجة... إذاً ما هو وجه الملازمة للتوفيق؟ نقول: للتوفيق بين أن تكون قضية في النتيجة وأن تكون جزء قضية في المقدمة، لابد أن نفرض أنها قضية شرطية. القضية الشرطية هي التي تتألف من قضيتين بالأصل، القضية الأولى تقع مقدماً، القضية الثانية تقع تالياً، فيجب أن تكون على هذا إحدى مقدمتي هذا القياس شرطية، أما المقدمة الأخرى فهي الاستثنائية، أي المشتملة على أداة الاستثناء كقولنا: لكنه عالم، التي من أجلها سمي القياس استثنائياً.

والاستثنائية يستثنى فيها أحد طرفي الشرطية، إما مقدمها، إما تاليها أو نقيضه على ما سيأتي، لينتج الطرف الآخر؛ فإذا استثنينا المقدم أنتج التالي، وإذا استثنينا التالي أنتج المقدم أو أنتج نقيض المقدم أو نقيض التالي على ما سياتي تفصيله.

تقسيم القياس الاستثنائي

يُقسِّم هنا القياس الاستثنائي إلى قياس استثنائي اتصالي وإلى قياس استثنائي انفصالي. قال: وهذه الشرطية إذا كانت متصلة فهو قياس اتصالي، وإذا كانت منفصلة فهو قياس انفصالي.

الاتصال كما قلنا: إن كان محمد عالماً فواجب احترامه، لكنه عالم، إذاً فهو واجب احترامه. هذا قياس شرطي، قياس استثنائي اتصالي؛ لأن الشرطية وهي «إن كان محمد عالماً فواجب احترامه» قضية شرطية متصلة. الانفصالي نظير ماذا؟ العدد إما فرد أو زوج، قضية شرطية، لكنها منفصلة؛ لكنه زوج، استثنينا هنا... العدد إما زوج أو فرد، لكنه زوج، استثنينا مقدماً ينتج لنا نقيض التالي، نقول: وهو ليس فرداً؛ لكنه زوج، إذاً ليس فرداً. هذا قياس انفصالي، لأن الشرطية وقعت منفصلة، وسوف يأتي أمثلة ذلك.

أما الشروط العامة التي تشترط في القياس الاستثنائي فذكر ثلاثة شروط:

1. الأمر الأول: كلية إحدى المقدمتين فلا إنتاج من جزئيتين.

2. الشرط الثاني: ألا تكون القضية الشرطية قضية اتفاقية، لما قلنا سابقاً إنه لابد أن يكون بين الحد الأصغر والأكبر علاقة لزومية، وإذا كانت اتفاقية، القضايا الاتفاقية لا تنتج نتائج لزومية كما ذكرنا سابقاً.

3. الأمر الثالث: إيجاب الشرطية، ومعنى هذا الشرطية في المتصلة خاصة أن السالبة تحول إلى موجبة لازمة لها فتوضع الموجبة مكان السالبة؛ يعني إذا كانت عندنا قضية شرطية سالبة نستطيع أن نحولها إلى قضية موجبة لازمة لها في أي شيء؟ في الصدق، وذلك بنقض المحمول وهو التالي بنقض تاليها؛ لأن السالبة الكلية أو السالبة الجزئية نقض تاليها أي نقض محمولها موجبة كلية أو موجبة جزئية، فيمكن أن نحولها إلى موجبة بقواعد النقض، وهو نقض التالي الذي نعبر عنه في القضايا الحملية بنقض...

ولكل من القسمين المتقدمين حكم في الإنتاج، ونحن نذكرهما بالتفصيل:

1. حكم الاتصالي

واضح حكم الاتصالي. نقول: إذا استثني عين المقدم ينتج لنا عين التالي. لاحظ: «إن كان محمد عالماً فواجب احترامه»، هنا لو استثنينا قلنا: «لكنه عالم»، نقول: إذاً ينتج «فهو واجب احترامه».

أما إذا استثنينا عين التالي، قد ينتج عين المقدم، وقد لا ينتج عين المقدم؛ لأنه يجوز أن يكون اللازم أعم من الملزوم، وثبوت الأعم لا يلزم منه ثبوت الأخص، بينما ثبوت الأخص يلزم منه ثبوت الأعم. مثلاً إذا قلنا كالمثال الذي ذكره: «كلما كان الماء جارياً كان معتصماً»، قضية شرطية متصلة، هنا ماذا نستثني؟ نستثني عين المقدم، المقدم كان «الماء جارياً»، نقول: «لكن هذا الماء جارٍ»، أما لو استثنينا عين التالي بأن قلنا «لكنه معتصم»، لا ينتج أنه جارٍ؛ لماذا؟ لأن الاعتصام، كون الماء معتصماً -ما معنى أنه معتصم؟ يعني لا ينفعل بملاقاة نجاسة- الاعتصام لازم أعم بالنسبة للجريان؛ لأنه قد يكون الاعتصام ناتجاً لكون الماء جارياً، وقد يكون معتصماً لكونه راكداً لكنه كثير؛ الماء الكثير وإن لم يكن جارياً سائلاً، يعني له نحو السيلان، الماء الكثير يعبر عنه أنه ماء معتصم وإن لم يكن جارياً. ولهذا إذا قلنا «لكنه جارٍ» لا ينتج... عفوا، إذا قلت «لكنه معتصم» لا ينتج أن يكون جارياً، لجواز أن يكون معتصماً وهو ليس بجارٍ كالراكد الكثير، أو ماء الأمطار مثلاً، ماء الأمطار هو معتصم لكنه لم يكن جارياً.

قال: لأخذ النتيجة من الاستثناء الاتصالي طريقتان:

الطريقة الأولى: استثناء عين المقدم لينتج عين التالي، لماذا؟ لأنه إذا تحقق الملزوم تحقق اللازم قطعاً. ما هو الفرق بين اللازم والملزوم؟ الملزوم هو الأصل، اللازم هو الفرع. مثلاً إذا قلنا الحرارة والنار، أيهما الأصل؟ النار، النار يعبر عنها ملزوم، لازمها الحرارة، فالحرارة هي الفرع. مثلاً طلوع الشمس ووجود النهار، أيهما الأصل؟ طلوع الشمس، فيعبر عنه أنه ملزوم، وجود النهار يعبر عنه لازم؛ لأنه يتفرع عن الأصل.

قال: لأنه إذا تحقق الملزوم وهو الأصل تحقق اللازم قطعاً الذي يتفرع عليه. أيهما أصل: جريان الماء أو الاعتصام؟ جريان الماء، فجريان الماء هو الملزوم، الاعتصام يكون لازماً. فإذا تحقق الإنسان وهو الملزوم تحقق اللازم، إذا تحقق طلوع الشمس تحقق وجود النهار؛ لأنه إذا تحقق الملزوم تحقق اللازم قطعاً، سواء أكان اللازم أعم...

نظير ماذا اللازم أعم؟ نظير الحرارة بالنسبة إلى النار، فيقال: الحرارة لازم أعم وليس لازماً مساوياً. لماذا هو لازم أعم؟ لأن الحرارة ليست منحصرة إنتاجها في النار، قد تنتج الحرارة نتيجة الشمس، قد تنتج الحرارة نتيجة الاحتكاك بين شيئين -الاحتكاك بين شيئين يولد الحرارة، والشمس تولد الحرارة، والنار تولد الحرارة، والطاقة الكهربائية تولد حرارة- فيقال: الحرارة لازم أعم من النار.

مثال اللازم المساوي: اللازم المساوي نظير وجود النهار؛ وجود النهار لازم لطلوع الشمس وهو مساوٍ؛ لأن وجود النهار منحصر في طلوع الشمس، فهو لازم مساوي. طبعا في اللازم المساوي لا فرق، استثنِيت عين المقدم ينتج لك عين التالي، أو استثنِيت عين التالي ينتج لك عين المقدم، هذا في اللازم المساوي. ولهذا نقول هكذا: إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، لكنها طالعة، ينتج أن النهار موجود، هنا استثنينا عين المقدم... [عفواً] عين التالي وتستطيع أن تستثني عين التالي. نقول: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن النهار موجود، استثنيت ماذا؟ عين التالي، ينتج عين المقدم، نقول: إذاً الشمس طالعة. إذا كان اللازم مساوياً لملزومه لا فرق؛ استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء عين التالي ينتج عين المقدم.

أما إذا كان اللازم أعم كالحرارة، نقول: إذا وجدت النار فالحرارة متحققة، لكن النار موجودة، إذاً الحرارة متحققة حاصلة، هنا استثنينا عين التالي أنتج لنا عين المقدم. لكن لو استثنينا المقدم بأن قلت: إذا كانت النار موجودة فهي حارة، لكن النار موجودة... ولكن نريد أن نستثني عين التالي، لكنها حارة، إذاً لا ينتج لنا النار موجودة؛ لأنه يمكن أن يكون الشيء حاراً لكنه ليس بسبب النار، بسبب الكهرباء، بسبب الشمس وما شابه ذلك. ولهذا قال: ولكن لو استثني عين التالي فإنه لا يجب أن ينتج عين المقدم؛ لما؟ لجواز أن يكون اللازم أعم وثبوت الأعم لا يلزم منه ثبوت الأخص. ثبوت الأعم -الحرارة- لا يلزم ثبوت وجود نار، بل قد تثبت الحرارة والنار غير موجودة؛ لأن الحرارة تصدر عن شيء آخر كالشمس مثلاً.

مثاله: كلما كان الماء جارياً، كان الماء جارياً هذا مقدم، كان معتصماً تالي، لكن هذا الماء جارٍ، هنا استثنينا عين المقدم ينتج عين التالي فهو معتصم، وهنا تجد أن اللازم وهو الاعتصام لازم أعم بالنسبة إلى الملزوم وهو الجريان. فلو قلنا: لكنه معتصم، أي استثنينا عين التالي، لا ينتج عين المقدم وهو: فهو جارٍ؛ لماذا؟ لجواز أن يكون معتصماً -وهو اللازم- أعم من الملزوم وهو الجريان، وهذا واضح لجواز أن يكون معتصماً، يعني يتحقق اللازم الأعم دون تحقق الملزوم وهو راكد كثير.

الطريقة الثانية: استثناء نقيض التالي لينتج نقيض المقدم. نستثني نقيض التالي فينتج نقيض المقدم، مثلاً نقول: لكنه ليس بمعتصم، إذاً هو ليس بجارٍ. استثنينا نقيض التالي أنتج نقيض المقدم؛ لأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم قطعاً، حتى لو كان اللازم أعم.

من الواضح إذا انتفت الحرارة انتفى وجود النار، إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم؛ إذا انتفت الحرارة انتفى وجود النار، وإذا انتفى الجريان انتفى كون الماء معتصماً، حتى لو كان اللازم أعم كالحرارة. لكن لو استثني نقيض المقدم بأن قيل: لكن الماء ليس جارياً، لا ينتج نقيض التالي بأن نقول: إذاً هو ليس بمعتصم؛ لأنه يمكن ألا يكون جارياً لكنه يكون معتصماً، كأن يكون راكداً قول الماء كثير وراكد، وإن لم يكن جارياً لكنه يمكن... [قال:] استثناء نقيض التالي لينتج نقيض المقدم؛ لأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم قطعاً. خذ من الواضح إذا انتفى الأعم ينتفي الأخص، حتى لو كان اللازم أعم. ولكن لو استثني نقيض المقدم فإنه لا ينتج نقيض التالي؛ لجواز أن يكون اللازم أعم، وسلب الأخص لا يستلزم سلب الأعم.

سلب الأخص يعني انتفاء الأخص؛ انتفاء النار لا يؤدي إلى انتفاء الأعم وهو الحرارة، قد تنتفي النار لكن الحرارة لا تنتفي؛ إذ يمكن أن تصدر الحرارة عن الشمس وعن الاحتكاك. انتفاء الأخص -انتفاء الإنسان- لا يؤدي إلى انتفاء الأعم وهو الحيوان، قد ينتفي الأخص وهو الإنسان لكن الأعم لا ينتفي وهو الحيوان؛ إذ يمكن أن يتحقق الحيوان ضمن البقري، ضمن الفَرسي؛ لأن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم، كما تبين في النسب الأربع. قلنا الإنسان والحيوان بينهما عموم وخصوص مطلق، أيهما أعم وأيهما أخص؟ الحيوان أعم من الإنسان. لكن لو نقضناهما: «لا إنسان» و«لا حيوان»، أيهما يكون أعم وأخص؟ قلنا: «لا إنسان» يكون أعم من «لا حيوان». ولهذا قلنا: عموم وخصوص نقيضي العموم والخصوص المطلق، عموم وخصوص مطلق ولكن بالعكس، بأن يكون الأخص نقضاً أعم من نقيض عام.

قال: مثال ذلك: كلما كان الماء جارياً، كان الماء جارياً هذا مقدم، كان معتصماً تالي، لكن هذا الماء ليس بمعتصم. لاحظ هنا استثنى نقيض التالي -التالي هو معتصم- استثناه قال: ليس بمعتصم، إذاً فهو ليس بجارٍ. فلو قلنا: لكنه ليس بجارٍ -يعني استثنينا نقيض المقدم- لا ينتج ليس بمعتصم؛ لجواز ألا يكون جارياً لكنه معتصم، لأنه كثير أو لأنه ماء بئر مثلاً أو ماء نابع.

2. حكم الانفصالي

قلنا الاستثنائي الانفصالي إذا كانت الشرطية منفصلة، لأخذ النتيجة من الاستثنائي الانفصالي ثلاث طرق؛ لأن المنفصلة إما أن تكون حقيقية، إما أن تكون مانعة جمع، إما أن تكون مانعة خلو.

الحقيقية تستلزم أربع نتائج؛ لأنك إما أن تستثني عين أحد الطرفين ينتج لك نقيض الطرف الآخر، أو تستثني نقيض أحد الطرفين ينتج عين الطرف الآخر. لأن الحقيقية ما معناها؟ استحالة الجمع بين الطرفين، استحالة رفع الطرفين، يعني لا يخلو الأمر من أحدهما، إما أن يثبت أحدهما ويرتفع الآخر أو يرتفع الآخر ويثبت أحدهما. ولهذا إذا استثنيت أحدهما ثبت الآخر.

قال: لأخذ النتيجة من الاستثنائي الانفصالي ثلاث طرق؛ إذا كانت الشرطية حقيقية -معنى حقيقي يعني منفصلة حقيقية تدل على استحالة اجتماع طرفيها واستحالة ارتفاع طرفيها- كما إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد، يستحيل اجتماعهما، يستحيل ارتفاعهما، فإن استثناء عين أحد الطرفين ينتج نقيض الآخر، لماذا لابد أن ينتج نقيض الآخر؟ وإلا لو أنتج عينه لزم الجمع بين النقيضين أو لزم ارتفاع نقيضين، واستثناء نقيض أحد الطرفين ينتج عين الآخر.

فإذا قلت: العدد إما زوج أو فرد، لاحظ قضية شرطية، فإن الاستثناء يقع على أربع صور هكذا:

هنا نستثني: لكن هذا العدد زوج، استثنى ماذا؟ استثنى عين المقدم ينتج لنا نقيض التالي: فهو ليس بفرد.

لكن هذا العدد فرد، استثنى عين التالي ينتج نقيض المقدم: فهو ليس بزوج.

وهذا واضح لا عسر فيه، هذا إذا كانت المنفصلة ثنائية. قد تكون المنفصلة ثلاثية الأطراف، نظير إذا قلنا: الكلمة إما اسم إما فعل إما [حرف]، فاستثناء عين أحدهما ينتج سلب الطرفين المتبقيين؛ مثلاً إذا قلنا: الكلمة إما اسم إما فعل إما حرف، فإذا استثنينا عين أحد الطرفين قلنا: لكنها اسم، ينتج نقيض البقية: ليس فعلاً، ليس بحرف، وهكذا.

قال: وهذا واضح لا عسر فيه، هذا إذا كانت المنفصلة ذات جزئين يعني ثنائية. وقد تكون ذات ثلاثة أجزاء فأكثر، نظير الكلمة إما اسم إما فعل إما حرف، فإذا استثنيت عين أحدها فقلت مثلاً: لكنها اسم، فإنه ينتج حمليات بعدد الأجزاء الباقية -يعني الثاني والثالث- فتقول: فهي ليست فعلاً، ليست حرفاً.

وإذا استثنيت نقيض أحدها فقلت مثلاً: لكنها ليست اسماً، فإنه ينتج منفصلاً من أعيان الأجزاء الباقية، أي تقول: الكلمة إما فعل وإما حرف. وقد يجوز بعد هذا أن تعتبر هذه النتيجة مقدمة لقياس استثنائي آخر، نقول: الكلمة إما فعل أو حرف، ونستثني نقول: لكنها حرف، إذاً ليست بفعل. أن تعتبر هذه النتيجة -أي نتيجة وهي هذه الكلمة إما فعل أو حرف- مقدمة لقياس استثنائي آخر، فنستثني عين أحد أجزائها فنقول مثلاً: لكنها فاعل، إذاً ليست بحرف. أو نقيضه، نقول: لكنه ليس بفعل، إذاً هو حرف. لينحصر في جزء معين إلى أن نصل إلى جزء معين.

وهكذا يمكن أن تستعمل هذه الطريقة لو كانت أجزاء المنفصل أكثر من ثلاثة، نظير إذا قلنا مثلاً: طلاب الجامعة إما عربي إما فارسي إما هندي إما كذا، فإذا كان الاستقراء استقراء تاماً فيمكن أن تكون أكثر من ثلاثة. أو الألوان: إما أبيض، إما أحمر، إما أخضر، إما أسود، هذه أكثر من ثلاثة أطراف.

وقد تسمى هذه الطريقة طريقة الدوران والترديد أو برهان السبر والتقسيم. السبر والتقسيم يعني تفصيل الأشياء إلى أن نصل إلى قسم واحد. وهذا أين تقدم؟ تقدم في مبحث التقسيم، في مبحث القسمة الثنائية، نفصل نفصل إلى أن نصل إلى قسم واحد. قلنا نقول: الموجود إما واجب إما ممكن، والممكن مثلاً إما أن يكون مادياً إما أن يكون مجرداً، والمادي إما أن يكون جسماً، والمادي مثلاً إما أن يكون نامياً أو ليس بنام، والنامي إما أن يكون ناطقاً أو ليس بناطق، وهكذا.

تسمى هذه الطريقة طريقة الدوران والترديد أو برهان السبر والتقسيم أو برهان الاستقصاء؛ برهان الاستقصاء يعني نستقصي جميع الاحتمالات كما ذكرناها في مبحث برهان على نقيضي النسب الأربع كما سبق أن برهنا به لبيان النسبة بين النقيضين في بحث النسب في الجزء الأول. وهذه الطريقة نافعة كثيراً في المناظرة والجدل.

تجد رواية الإمام الجواد عليه السلام عندما جاء إلى دار الخليفة العباسي وأجمع العلماء، جمع الخليفة العلماء ليحاجوا الإمام الجواد عليه السلام على صغر سنه، فالقاضي يحيى بن أكثم سأل الإمام الجواد عليه السلام: ماذا تقول في محرم قتل صيداً؟ ماذا قال له الإمام عليه السلام؟ قال: قتله في حِلّ أم في حَرَم، كان كذا أو كذا، كان كذا أو كذا؛ ففصل له الإمام عليه السلام حتى أبغت الذي... ما نريد نقول كفر أو كان مسلما. وهذه فعلاً طريقة نافعة خصوصاً في البلاد إذا جاء واحد مثلاً يريد أن يختبر طالب علم حافظ له مسألة من المسائل، يسأل مثلاً: ما رأيك في قول الفلاسفة مثلاً بالحقيقة التشكيكية الوجودية؟ خوف أحياناً إذا كان ذكياً الطالب يستطيع أن يفحم بدون جواب، يقول له: الحقيقة التشكيكية ماذا تريد منها؟ هل تريد الحقيقة التشكيكية الفلسفية أو العرفانية؟ إذا قال: لا أريد الفلسفية؛ الفلسفية بناء على مبنى المشايخ أو مبنى الإشراقي؟ لا مبنى المشائي، مبنى المشائي الذي يعني كذا أو كذا؛ إلى أن يضيع تجد أنه لا يبقى شيئاً. هذه طريقة نافعة فعلاً في الجدل.

أو مثلاً مسألة، أنا أذكر ما حافظ إلا مسألة واحدة في الإرث، وهي مسألة إرث الخنثى المشكل، حافظها وحافظ النتيجة؛ فدائماً من يأتي أحد الطلبة ينزل إلى البلاد توجه إليه مباشرة يسأله فيها، إن أجاب ثبت أنه يدرس، ما أجاب يعني هذا ما يدرس، لا عام. فإن زين الطالب أحياناً يعني درس مبحث الإرث، إرث الخنثى قديم لا يستحضر المطالب؛ لأنه ليس مبتلى بها إرث الخنثى المشكل، فماذا يفعل أمام هذا؟ يفرع المسألة، يجعل لها أكثر من مئة فرع حتى يضيع الطالب فينسى هو سؤاله أيضاً. قال: وهذه الطريقة نافعة نافعة كثيراً في المناظرة والجدل. أما لا مثلاً يجي إنسان يريد يستفهم، مو تروح تضيع بتفريعات بكذا، فأجب إذا كنت تعلم بالجواب؛ ذاك المجادل المشاكس هو الذي تستخدم معه هذه الطريقة.

أما إذا كانت الشرطية مانعة خلو؛ مانعة الخلو بمعنى الموجبة، لأننا قلنا لابد أن تكون الشرطية موجبة، مانعة الخلو والموجبة بمعنى استحالة ارتفاع الطرفين وإمكان اجتماع الطرفين. فإن استثناء... نظير ماذا مانعة الخلو؟ الجسم إما غير أبيض أو غير أسود. هنا نقول مانعة الخلو: استثناء نقيض أحد الطرفين ينتج عين الطرف الآخر. مثلاً: الجسم إما غير أبيض أو غير أسود، نقول: لكنه أبيض، إذاً هو غير أسود. أو: لكنه أسود، إذاً هو غير أبيض.

أو مانعة الجانب -الجسم إما أبيض أو أسود- استثناء عين أحد الطرفين ينتج نقيض الطرف الآخر، نقول: لكنه أبيض، إذاً هو غير أسود. لكنه أسود، إذاً هو غير أبيض. عكس مانعة الجانب.

مانعة الجمع معاكسة لمانعة الخلو؛ لأن مانعة الخلو يستحيل ارتفاعهما، مانعة الجمع يستحيل اجتماعهما. إذا كانت الشرطية مانعة خلو، فإن استثناء نقيض أحد الطرفين ينتج عين الآخر، وإلا لو أنتج نقيض الآخر معناه أنه جاز ارتفاعهما مع أنه قلنا يستحيل ارتفاعهما في مانعة الخلو. ولا ينتج استثناء عين أحدهما نقيض الآخر، واضح؟

إذا قلنا مثلاً: الجسم إما غير أبيض أو غير أسود، لكنه أبيض؛ هنا استثنينا عين أحد الطرفين، لا ينتج إذا هو أسود -يعني عين الطرفين- لا ينتج أسود وهو عين الطرف الآخر، إذا كان أبيض لا يمكن أن يكون اسوداً. ولا ينتج استثناء عين أحدهما، يعني أن تقول: لكنه أبيض، ينتج نقيض الآخر: فهو أسود؛ لأن أسود نقيض غير أسود، لأن المفروض أنه لا مانع من الجمع بين الطرفين بين العينين، يعني بين الأبيض بين غير الأسود وغير الأبيض يمكن الجمع بينهما، غير الأبيض وغير الأسود يجتمعان في الأحمر، فهو غير أبيض وغير أسود، فلا يلزم من صدق أحدهما كذب الآخر. هذه مانعة الخلو، ضع المثال فقط عليها واستثني، تجد كل هذا الكلام واضح.

المثال: الجسم إما غير أبيض أو غير أسود، وهنا طبق: استثني نقيض أحد الطرفين ينتج عين الآخر.

إذا كانت الشرطية مانعة جمع، ضع مثالاً لها، ما هو مثال مانعة الجمع؟ الجسم إما أبيض أو أسود، خذ طبق الباقي على هذا المثال، الكلام ليس بطلاسم. قال: فإن استثناء عين أحد الطرفين -يعني إذا قلت: لكنه أبيض- ينتج نقيض الآخر: إذا هو غير أسود. ولا ينتج استثناء نقيض أحدهما عين الآخر، يعني إذا قلت: لكنه ليس بأبيض، لا ينتج إذا هو أسود؛ إذ يمكن أن يكون غير أبيض لكنه ليس بأسود بل أحمر. ولا ينتج استثناء نقيض أحدهما عين الآخر؛ لأن المفروض أنه يجوز أن يختلط الواقع منهما. مانعة الجمع يستحيل اجتماعهما لكن يمكن ارتفاعهما، يمكن ارتفاع الأبيض والأسود في الأحمر، فلا يلزم من كذب أحدهما صدق الآخر. وهذا وما قبله واضح خصوصاً إذا وضعنا المثال خاتمة. في لواحق القياس يأتي إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.