دروس مقررة — النصوص المتاحة
27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس 39
039
قياس المساواة
قياس المساواة تطرقنا إليه في أول مبحث تعريف القياس، وهو الذي يعتمد على مقدمة خارجية، وهي مساوي المساوي مساوٍ. وقع الكلام والخلاف بين المناطقة في قياس المساواة في جهتين:
الجهة الأولى: في أن هذا هل هو قياس منتج أو ليس قياساً منتجاً؟ فإذا قلنا: (أ) يساوي (ب) أو قل (أ) مساوي لـ (ب) و(ب) مساوي لـ (ج)، من قال بأنه منتج ينتج أن (أ) مساوي لـ (ج). فقول أنه قياس منتج، وقول أنه قياس ليس بمنتج. من ذهب إلى أن هذا القياس لا ينتج لأنه لا ينطبق عليه شرط أساسي من الشروط التي يجب أن تتوفر في القياس المنتج، ألا وهو وجوب تكرر الحد الأوسط.
قيل: إن الحد الأوسط ليس متكرراً في المقدمتين؛ لأن المقدمة الأولى (أ) مساوي لـ (ب)، أين المحمول؟ مساوي لـ (ب). المقدمة الثانية: (ب) مساوي لـ (ج)، أين الموضوع؟ (ب). (ب) هو الموضوع.
قد يقال: هذا قياس من الشكل الأول، محمول في الصغرى موضوع في الكبرى. ولكن لو جئنا إلى محمول الصغرى نجد أنه كلمة مساوي لـ (ب)، مساوي لـ (ب) هذا كله المحمول، بينما إذا جئنا إلى موضوع الكبرى نجد أنه كلمة (ب).
فنجد أن موضوع الصغرى ليس هو تمام الحد المشترك الذي يشترك مع محمول الصغرى، بل هو جزء من محمول الصغرى، إذاً لم يتكرر الحد الأوسط. فإذا لم يتكرر الحد الأوسط لا يكون هذا القياس قياساً منتجاً. لذلك بعضهم ذهب إلى أنه المفروض أن القياس لا يكون منتجاً، وإذا كان منتجاً حينئذ اختل شرط من شروط القياس المنتج، ألا وهو تكرر الحد الأوسط. هذا الخلاف من هذه الجهة.
ثم وقع الخلاف من جهة ثانية، وهي: هل أنه إذا قلنا إن قياس المساواة ينتج، هل هو قياس بسيط يعني لا يتألف إلا من قياس واحد يشتمل على مقدمتين، أو هل هو قياس منتج مركب مؤلف من أكثر من قياس؟ الشيخ المظفر تبعا لكثير من الأعلام ذهب إلى أنه قياس منتج وحل مشكلة عدم تكرر الحد الأوسط، وأيضا ذهب إلى أنه قياس مركب وليس قياساً بسيطاً. لهذا عبر عن قياس المساواة بأنه من الأقيسة المشكلة، يعني فيه مشكلتان: مشكلة من جهة عدم تكرر الحد الأوسط فيه، ومشكلة من جهة هل هو بسيط؟
قال قياس المساواة: من الأقيسة المشكلة التي يمكن إرجاعها إلى القياس المركب، قياس المساواة. وإنما سمي قياس المساواة لأن الأصل فيه المثال المعروف: ((أ) مساوي لـ (ب)) و((ب) مساوي لـ (ج)). لاحظ، المحمول كله كلمة (مساوي لـ (ب)) المقدمة الكبرى: و((ب) مساوي لـ (ج)). الموضوع أين؟ هو الموضوع فقط كلمة (ب). إذاً لم يتكرر الحد الأوسط؛ لأن محمول الصغرى (مساوي لـ (ب))، وموضوع الكبرى كلمة (ب) حرف (ب). ينتج: ((أ) مساوي لـ (ج)).
قال هذه النقطة التي يريد أن يشير إليها أشرنا إليها نحن فيما سبق، أنه ليس قياس المساواة فقط ينحصر في مساوي المساوي مساوي، بل يشمل حتى إذا قلنا مشابه المشابه مشابه، إذا قلنا (أ) يشابه (ب) و(ب) يشابه (د)، إذاً (أ) يشابه (د). أو إذا قلنا مماثل المماثل مماثل. هذا أيضا يسمى بقياس المساواة، ولكن سمي بقياس المساواة لأن في الغالب وفي الأغلب يأتي بهذه الصياغة: مساوي المساوي مساوي، وإلا هو يشمل مماثل المماثل مماثل، مشابه المشابه مشابه، لكن لا يشمل نصف النصف نصف؛ لأن نصف النصف ليست نصفاً بل ربع كما تقدم.
لكن هل يشمل مباين المباين مباين؟ لماذا؟ لأننا إذا قلنا الإنسان يباين أو قل هكذا: الفرس يباين الإنسان أو الإنسان يباين الفرس والفرس يباين الناطق، لا ينتج أن الإنسان يباين ناطقاً؛ فمباين المباين ليس مبايناً. الإنسان نحن نخرم القاعدة ولو بمثال واحد، وقد يأتي في بعض الأمثلة صحيح، لكن نحن نقول: ليس عندنا قاعدة كلية بدليل عدم انطباقها على هذا المورد. دائماً القواعد الكلية لك أن تهدمها ولو بمثال واحد.
قال: وإلا فهو أي قياس المساواة قد يشتمل على المماثلة أي مماثل المماثل مماثل، ومشابه مشابه مشابه، ونحوهما كقولهم: (الإنسان من نطفة) وأيضا (جزء الجزء جزء) (الإنسان من نطفة، والنطفة من العناصر) لاحظ نفس المشكلة تتولد أين أين الحد الأوسط في الصغرى؟ (من نطفة) وهناك (نطفة) نفس المشكلة تتكرر، فالإنسان من العناصر، العناصر العناصر يعني المركبات البسيطة أو قل الأجسام البسيطة العناصر الأولية.
وكقولهم: (الجسم جزء من الحيوان، والحيوان...) لاحظ أين المحمول في الصغرى؟ (جزء من الحيوان) بينما موضوع الكبرى كلمة (الحيوان)، فلم يتكرر الحد الأوسط، ولهذا تسمى كل هذه الأمثلة بمشكلة قياس المساواة، فالجسم جزء جزء من الإنسان، وصدق قياس المساواة يتوقف على صدق مقدمة خارجية، وهذا ما طرحناه في تعريف القياس، قلنا في تعريف القياس يجب أن تنتج النتيجة لذات المقدمتين لا من باب مقدمة خارجية وهي قياس على صدق مقدمة خارجية محذوفة وهي نحو مساوي مساوي مساوي، وجزء الجزء جزء، والمماثل للمماثل مماثل، والمشابه للمشابه مشابه، وهكذا. ولذا لا ينتج لو كذبت المقدمة الخارجية، كقولنا: (الاثنان نصف الأربعة، والأربعة نصف الثمانية) فإنه لا ينتج الاثنان نصف الثمانية؛ لأن نصف النصف ليس نصفاً بل ربعاً.
تحليل قياس المساواة
إذاً، نحن أمام مشكلة: كيف ينتج مع أن الحد الأوسط ليس متكرراً في قياس المساواة؟ نحاول أن نجعل الحد الأوسط متكرراً بهذا البيان. نقول: ((أ) مساوي لـ (ب))، هذه المقدمة الصغرى. المقدمة الكبرى: (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج)). أين الحد الأوسط؟ (مساوي لـ (ب))، محمول في الصغرى موضوع في الكبرى. ينتج: ((أ) مساوي لمساوي (ج)).
مشكلة الحد الأوسط قد حلت؛ لأن الصغرى: ((أ) مساوي لـ (ب))، والكبرى: (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج)). إذاً الحد الأوسط هو كلمة (مساوي لـ (ب))، فتكرر الحد الأوسط، ينتج النتيجة: ((أ) مساوي لمساوي (ج)). سوف يرجع هذا القياس إلى قياس مركب مؤلف من قياسين كما سوف يأتي، سوف أشرِح الكبرى أثناء التطبيق.
قال: تحليل هذا القياس، وهذا القياس كما ترى على هيئة مخالفة للقياس المألوف المنتج. هيئة القياس المألوف المنتج أن يتكرر الحد الأوسط؛ إذ لا سبب سبب المخالفة إذ لا شركة فيه في تمام الوسط. لماذا لا يتكرر الحد الأوسط؟ قال: لأن موضوع المقدمة الثانية المقدمة الثانية أي الكبرى هو (ب)، هو جزء من محمول الأولى؛ لأن محمول الأولى هو (مساوي لـ (ب))، بينما موضوع الكبرى كلمة (ب).
فلابد من تحليله وإرجاعه إلى قياس منتظم، منتظم يعني على نحو يتكرر فيه الحد الأوسط، بضم تلك المقدمة الخارجية المحذوفة إلى مقدمتيه، أي إلى مقدمتي قياس المساواة، ليصير على هيئة القياس، وفي بادئ النظر لا ينحل المشكل بمجرد ضم المقدمة الخارجية، فلا يظهر كيف يتأكد، ولذا عد عسر الانحلال إلى الحدود المترتبة في القياس المنتج، الحدود المترتبة يعني الحد الأصغر والأكبر والأوسط لهذه النتيجة، وعده بعضهم من القياس المنتج المفردة، القياسات المفردة أي القياس البسيط، وبعضهم عده من الأقيسة المركبة. والأصح أن نعده من المركبات، فنقول أنه مركب من قياسين.
القياس الأول: صغراه المقدمة الأولى: ((أ) مساوي لـ (ب)). الكبرى لاحظ بيانها: (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج)). أين الحد الأدنى؟ هنا هذه الكبرى وهي (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج)) تستطيع أن تترجمها بعبارة أخرى، قال: (كل مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي...). تفكك العبارة بهذا النحو: ما هو مساوي (ج)؟ أحسنتم (ب). إذاً مساوي (ج) (ب). يرحمكم النصير، فماذا سوف تكون العبارة؟ (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ب))، كل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ب)، من باب حمل الشيء على نحو وإثبات الشيء لنفسه من الأمور الواضحة البديهية الضرورية، ولهذا هذه الكبرى مقدمة صادقة؛ لأنها ترجع في النهاية إلى أن كل مساوٍ لـ (ب) مساوٍ لـ (ب)، الذي هو مساوي لـ (ج)، لأن الذي يساوي (ج) هو هو (ب) في قولنا (ب يساوي ب يساوي ج)، ولهذا قال: وهذه الكبرى وهي (كل مساوٍ لـ (ب) المساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج)) صادقة مأخوذة من المقدمة الثانية من قياس المساواة، ما هي المقدمة الثانية؟ ((ب) مساوي لـ (ج))، لأننا قلنا المقدمة الأولى: ((أ) يساوي مساوي لـ (ب)) و((ب) مساوي لـ (ج)).
المقدمة الثانية من قياس المساواة أي ((ب) مساوي لـ (ج))، لماذا؟ لأنه بحسب المقدمة الثانية يكون ما يساوي (ج) عبارة ثانية عن (ب)؛ لأن الذي يكون مساوياً لـ (ج) هو هو (ب)، فلو قلت: كل ما يساوي (ب) يساوي (ب)، كلمة (يساوي ب) ترجمة أخرى لكلمة (مساوي لج). قال: تكون قضية صارخة بديهية؛ لأنها من باب إثبات الشيء لنفسه وثبوته بديهي. ويصح أن تبدل عبارة (ما يساوي ج) بحرف (ب)؛ لأن (ب) هو الذي يساوي (ج)، فنقول مكانها: (مساوي لـ (ب) مساوي لمساوي (ج) الذي هو...) يعني مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ب)؛ لأن ما يساوي (ج) هو هو (ب). وعليه يكون هذا القياس الأول من الشكل الأول الحملي، والأوسط فيه هو كلمة (مساوي لـ (ب)). واضح شيخ؟ مساوي لـ (ب)، ماذا سوف تكون النتيجة؟ ((أ) مساوي لمساوي (ج)). شيخ مسلم واضح؟ هذه النتيجة.
إذاً القياس الأول ما هو؟ قياس حملي من الشكل الأول. الآن نريد أن نؤلف قياساً أيضاً حملياً من مقدمتين، المقدمة الأولى نأخذ هذه النتيجة التي خرجنا بها من القياس الأول وهي: ((أ) مساوي المساوي (ج)). هذه المقدمة، هذه النتيجة نتيجة القياس الأول نجعلها مقدمة صغرى. نضم إليها مقدمة كبرى وهي المقدمة الخارجية: (المساوي لمساوي المساوي لمساوي (ج) مساوي لـ (ج)). الآن أشرح المقدمة الكبرى، قال فينتج: ((أ) مساوي لمساوي (ج)).
القياس الثاني يتكون من مقدمتين، من صغرى ومن كبرى. الصغرى هي نفس النتيجة السابقة من القياس الأول وهي: ((أ) مساوي لمساوي لمساوي (ج)). الكبرى قال: المقدمة الخارجية المذكورة وهي (المساوي لمساوي (ج) مساوٍ لـ (ج)). نترجم هذه العبارة: مساوي (ج) ما هو؟ (ب). فتكون العبارة هكذا: (المساوي لـ (ب) مساوٍ لـ (ج)). خذ المساوي، ما هو الذي يساوي (ب)؟ (أ). فتكون: ((أ) مساوي لـ (ج)). خذ خذ مو مشكلة في طريقة أخرى، وهي نعم عبارة عن من البداية: ((أ) مساوي لـ (ب))، ((أ) مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ج)) ينتج ((أ) مساوي لـ (ج))، ينتج ((أ) مساوي لمساوي...).
لا لا، كل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ج). وكل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ج). إي لكن هذه المقدمة ما الدليل عليها الكبرى؟ ما الدليل على هذه المقدمة: (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ج))؟ ما الدليل عليها؟ الدليل عليها يعني أحتاج أن ألف قياساً آخر يثبتها. نعم؟ ما سمعته هو لا هو ما قال لنا مقدمتك هو حتى يحتاج إلى إثبات. كيف يتوصل إليها إلا من خلال المقدمة الأولى؟ إلا من خلال القياس الأول وهو: ((أ) مساوي لمساوي (ج)).
أقول سيدنا: كل قياس احتاج إلى مقدمة إلى إثبات يعني يحتاج إلى تأليف قياس جديد لإثبات نتيجة لإثبات تلك المقدمة. المقدمة التي ذكرت التي ذكرتها تحت إذا كانت بديهية نعم كان قياساً بسيطاً، لكن المدعى أنها تحتاج إلى إثبات، ما الدليل على أن ما يساوي (ب) يكون مساوياً لـ (ج)؟ ما الدليل (وكل مساوي لـ (ب) مساوي لـ (ج))؟ لابد أن تثبت في مرتبة سابقة أن (ب) يساوي (ج).
القياس الثاني قال: منصورة ((أ) مساوي لمساوي (ج)) والكبرى هي المقدمة الخارجية المذكورة وهي: (المساوي لمساوي (ج) مساوي لـ (ج)). يعني وبعبارة أخرى: لمساوي (ج) قلنا (ب)، مساوي (ج) هو (ب)، والمساوي لـ (ب) هو (أ)، فيكون: ((أ) مساوي لـ (ج)). وهذا معناه لاحظ أن النتيجة مستبطنة في المقدمات. أين الحد الأوسط؟ (مساوي (ج))، (مساوي لمساوي (ج))، (مساوي لمساوي (ج))، هذا هو الحد الأوسط.
قال: فينتظم قياساً من الشكل الأول الحملي أيضاً، والأول سطرين مساوي لمساوي (ج) ينتج ((أ) مساوي لـ (ج)) وهو المطلوب. نعم لأنه لا ينحل إلى قياس متعدد، بس الانحلال يعني لا نحلله إلى قياسين. لا لا؛ لأنه لا نستطيع أن نحلله إلى قياسين، فلهذا لابد أن نرجعه إلى قياس بسيط مفرد. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بقياس المساواة، وبه تم الكلام حول مبحث الاستدلال.
الاستقراء
قلنا نحن إن الاستدلال تارة يكون عن طريق القياس، وأخرى يكون عن طريق الاستقراء، وأخرى يكون عن طريق التمثيل. القياس قلنا هو هو كما يعبر بعضهم: سير من الكلي إلى الجزئي، تنتقل من مقدمات كلية لإثبات قضية جزئية. الاستقراء هو عكسي: سير من أمور جزئية للوصول إلى قاعدة كلية.
الاستقراء بمعنى أن تتتبع استقراء المسألة بمعنى تتبع المسألة، تتتبع أموراً جزئية للوصول إلى قاعدة كلية، مثلاً: آخذ هذه الحديدة وأضعها على النار أجد أنها تتمدد، وآخذ حديدة ثانية فتتمدد، وثالثة فتتمدد، ورابعة وخامسة وثالثة، فأتتبع هذه الجزئيات فأستطيع أن أؤلف قاعدة كلية وهي أن كل حديد يتمدد بالحرارة. إذاً، انتقلنا من خلال جزئيات للوصول إلى قاعدة كلية، أو مثلاً أقوم بعملية تتبع لبعض الجزئيات، أجد أنه من ابتلى بصداع الرأس أعطيه حبة الإسبرين فيرتفع الصداع، مرة ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة ومئة إلى أن أصل إلى قاعدة كلية وهي أن حبة الإسبرين ترفع صداع الرأس.
الكلام فعلاً: هل أن هذه النتيجة التي توصلنا إليها من خلال دراسة جزئيات متعددة تفيد اليقين أو لا تفيد اليقين، إنما تفيد ظناً؟ هل هي نتيجة يقينية أو نتيجة ظنية؟ نقول: إذا كان المتتبع والمستقرئ قد تتبع جميع الجزئيات بأكملها كانت النتيجة نتيجة يقينية، وهذا هو المعبر عنه بـ الاستقراء التام. فالاستقراء التام هو أن تدرس جميع الجزئيات. مثلاً إذا دخلت إلى مصنع، مصنع للحديد وكان يشتمل على مليون قطعت حديد، وقمت بعملية التجربة، كل حديدة وضعتها على النار فتمددت إلى الألف، إلى عدد الألف، هنا أستطيع أن أخرج بنتيجة يقينية وهي أن كل حديد يتمدد بالحرارة حديد هذا المصنع، هذه النتيجة نتيجة يقينية؛ لأن الاستقراء كان استقراءً تاماً درسنا جميع جزئيات هذا المصنع.
أما لا أستطيع أن أقول: وكل حديدة في عالم الدنيا تتمدد بالحرارة. لماذا؟ قد يقال: لأنك لم تستقرئ ولم تدرس جميع الجزئيات، إنما فقد اقتصرت على بعض الجزئيات، مليون حديدة، لا كل حديد العالم، الحديد الذي في دولتك، حديد كل ما في دول العالم. هذا النحو من الاستقراء يعبر عنه بـ الاستقراء الناقص. الاستقراء الناقص أن تقوم بدراسة بعض الجزئيات لا كل الحالات. النتيجة التي تخرج منها أو من خلال تتبع الجزئيات لا تفيد إلا ظناً؛ لأنك لم تتتبع كل الجزئيات. هذا هو الاستقراء التام والاستقراء الناقص. لذلك قيل: الاستقراء التام يفيد اليقين، بينما الاستقراء الناقص لا يولد إلا الظن.
قال: الاستقراء. عرفنا الاستقراء فيما سبق بأنه هو أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط منها حكماً عاماً أي قاعدة كلية، كما لو درسنا عدة أنواع من الحيوان فوجدنا كل نوع منها يحرك فكه الأسفل عند المَاغِ (الماشغ)، فنستنبط منها قاعدة عامة وهي أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند الماغ، مع أن هذا الاستقراء استقراء تام أو استقراء ناقص؟ استقراء ناقص، لم نتتبع كل الحيوانات البحرية والبرية.
قال: والاستقراء هو الأساس لجميع أحكامنا وقواعدنا العامة؛ لأن تحصيل القاعدة العامة والحكم الكلي لا يكون إلا بعد فحص الجزئيات، بل بعضهم قال: حتى القياس، القياس يعتمد على مقدمتين، هاتان المقدمتان ما الدليل على صحتهما؟ مثلاً إذا قلت: العالم متغير وكل متغير حادث. هنا بعضهم قال: وكل متغير، مثال أوضح: الإنسان حيوان وكل حيوان متحرك. ما الدليل على صحة هذه المقدمة الكبرى وهي وكل حيوان متحرك؟ غير أنكم تقولون بالاستقراء، استقرأنا المسألة فوجدنا أن كل حيوان يتحرك. فلهذا بعضهم حاول أن يجعل أن الأصل هو الاستقراء؛ لأن تلك القواعد إنما تلك المقدمات التي تؤخذ في القياس إنما هي مقدمات ثبتت بالاستقراء. إذاً، أيهما يكون أصلاً وأيهما يكون فرعاً؟ مع أنه سوف يأتي إن شاء الله أننا نرجع الاستقراء إلى القياس.
قال والاستقراء هو الأساس لجميع أحكامنا الكلية وقواعدنا العامة، لأن تحصيل القاعدة العامة والحكم الكلي لا يكون إلا بعد فحص الجزئيات واستقرائها، فإذا وجدناها متحدة في الحكم نلخص منها القاعدة أو نخلص نلخص منها أو نلخص منها القاعدة أو الحكم الكلي. فحقيقة الاستقراء هو الاستدلال بالخاص أي بالجزئيات للوصول إلى العام إلى القاعدة الكلية، وعكسه القياس، فإن القياس استدلال بالعام أي بالقاعدة الكلية لإثبات الخاص. نقول: زيد فاسق، عفواً زيد شارب للخمر، وكل شارب للخمر هو فاسق، إذاً زيد فاسق؛ لأن القياس لابد أن يشتمل على مقدمة كلية الغرض منها لماذا لابد أن يشتمل على مقدمة كلية؟ لأنه لا إنتاج من جزئيتين. من تلك المقدمات تطبيق حكمها العام على موضوع النتيجة.
أقسام الاستقراء
والاستقراء على قسمين: تام وناقص؛ لأن الاستقراء إما أن يتصفح فيه حال الجزئيات بأسرها يعني كل الجزئيات نتتبعها أو بعض الجزئيات. والأول هو الاستقراء التام، وهو يفيد اليقين، وقيل بأنه يرجع إلى القياس. لاحظ أرجع الاستقراء التام إلى القياس، القياس المقسم. وفسر هنا القياس المقسم المؤلف من المنفصلة والحملية المستعمل في البراهين كقولنا: لاحظ، كل شكل إما كروي وإما مضلع. إذاً لاحظ هذه: كل شكل إما كروي وإما مضلع، هذه من أين جاء بها؟ من خلال الاستقراء، تتبع الأشكال وجد إما كروية إما مضلعة، وكل كروي متناهٍ وكل مضلع متناهٍ، فينتج كل شكل متناهٍ. ارجع إلى التأليف بين الشرطيات تجد كيف نستخرج النتيجة.
والثاني هو الاستقراء الناقص، وهو ألا يفحص المستقرئ إلا بعض الجزئيات، كمثال الحيوان من أنه يحرك فكه الأسفل عند الماشغ بحكم الاستقراء لأكثر أنواعه لا لكل أنواعه، قال: أكثر أنواعه، وقالوا: أنه لا يفيد إلا ظناً لجواز أن يكون أحد جزئياته ليس له هذا الحكم، ولذا قيل إن التمساح يحرك فكه الأعلى عند المضغ ليس فكه الأسفل. أيضاً من قال إن حبة الإسبرين دائماً ترفع صداع الرأس؟ نحتاج إلى أن نقوم بتتبع جميع الحالات.
هنا يطرح الشيخ المظفر شبهة أطلق عليها... وحاصل هذه الشبهة أن الاستقراء الذي يفيد اليقين هو الاستقراء التام، والاستقراء الناقص لا يفيد إلا الظن، مع أن أكثر القواعد الكلية التي بأيدينا هي من نوع الاستقراء الناقص.
نحن إذا قلنا: وكل إنسان متحرك، لم نستقرئ جميع الناس، فهو استقراء ناقص تتبع لبعض الجزئيات. إذا قلنا: وكل حديد يتمدد بالحرارة، هذا استقراء ناقص. إذا قلنا مثلاً: الكل أعظم من الجزء، هل تتبعنا كل كل وكل كل جزء لنقول إن الكل أعظم من الجزء؟ هذا استقراء ناقص. هذه الاستقراء هذا الاستقراء الناقص في مثل هذه الموارد مع أن الكل أعظم من الجزء يقال قضية يقينية الكل أعظم من الجزء، وأيضاً كل حديد يتمدد بالحرارة قضية صادقة سوف ندرجها في ضمن البديهيات.
إذاً كيف هي من الاستقراء الناقص وهي من الأمور اليقينية، مع أن الاستقراء الناقص لا يفيد إلا الظن؟ إذاً أكثر الأحكام الكلية، بل قلنا في مبحث القياس أن المقدمات يجب أن تسلم، يجب أن تكون مسلمة يعني يجب أن تكون يقينية المقدمات، مع أن بعض المقدمات هي ناتجة عن الاستقراء. فكيف تكون نتيجة القياس يقينية مع أن بعض المقدمات تعتمد على الاستقراء الناقص الذي لا يفيد إلا الظن؟ كما مثلنا: الإنسان حيوان وكل حيوان يتحرك، إذاً الإنسان يتحرك. كيف يقال الإنسان يتحرك نتيجة يقينية مع أن المقدمة الكلية وهي كل حيوان متحرك إنما حصلنا عليها نتيجة استقراء؟ في الحقيقة شبهة قوية يمكن أن تطرح، والجواب عليها أفضل من الشبهة. وحاصل الجواب:
أما بالنسبة إلى الأقيسة التي تكون المقدمات الكلية فيها ناتجة عن الاستقراء في الحقيقة والواقع، نحن نقول: إن ليس كل مقدمة كبرى في القياس هي نتيجة الاستقراء. مثلاً إذا قلنا: زيد معلول، وكل معلول يحتاج إلى علة، إذاً زيد يحتاج إلى علة. هنا هذه المقدمة الكلية وهي وكل معلول يحتاج إلى علة، هذه ليست مقدمة استقرائية بمعنى أننا نحتاج إلى تتبع جميع المعلولات لنعرف هل لها علة أو ليس لها علة، هذه المقدمة مقدمة بديهية، وبداهتها ناتجة عن أن نفس حقيقة المعلول تعني أنه يحتاج إلى علة. لو جئنا نريد أن نُفَسِّر معنى المعلول هو الذي يتوقف وجوده على وجود غيره. هذه المقدمة بديهية، وبداهتها ينتج ناتج البدااهة ما هو منشأها سببها؟ نفس تصور طرف المعلول؛ إذا تصورنا حقيقة المعلول حقيقة المعلول أنه يحتاج إلى علة، وإلا لو قلنا أن المعلول المعلول لا يحتاج إلى علة هذا انسلاخ المعلول عن معلوليته. هذه المقدمة ليست بمعنى أننا نحتاج إلى أن نتتبع الجزئيات، البداهة التي أوجبت أن تكون بديهية هذه المقدمة هو بسبب نقص توجهنا إلى تفسير هذه القضية.
مثلها: الكل أعظم من الجزء، لا نحتاج إلى أن نتتبع جميع الجزئيات، بمجرد أن العقل يتوجه إلى الطرف الأول وهو الكل، ويتوجه إلى الطرف الثاني وهو الجزء ويقيس الجزء إلى الكل، يدرك مباشرة أن الكل أعظم من الجزء دون الرجوع حتى إلى أن يتتبع كل الجزئيات. فبعض المقدمات الكلية التي تؤخذ في القياس ليست هي استقراء استقراءً بمعنى أننا نحتاج إلى أن نتتبع الجزئيات لنصل إلى هذه القاعدة الكلية، بل بعضها مقدمات بديهية، وسبب كونها بديهية نفس تحليل القضية، العقل بمجرد أن يتوجه إلى أطراف القضية يدرك أن تلك القضية قضية يقينية ويصدق ويذعن بتلك القضية.
إذاً، قولكم إنه إذا كانت كل مقدمات القياس تعتمد على الاستقراء كيف تكون الاستقراء؟ كيف تكون النتيجة يقينية مع أن الاستقراء فيها استقراء ناقص؟ نقول: من قال لكم إن كل مقدمات قياسية من باب الاستقراء؟ بل بعضها بديهية وبداهتها ناتج من نفس تحليل القضية. وهذا ما سوف يأتي في الجزء الثالث من أقسام البديهيات، أنها أوليات اليقينيات عفواً، بديهيات، أوليات، فطريات، قياسات، هذا ما سوف نتطرق إليه. إذاً الحاصل أنه ليس كل ما يؤخذ في القياس من مقدمات كلية هي مرجعها إلى الاستقراء بمعنى تتبع الجزئيات.
وأما إذا قلنا: أن لا بأس، لكن عندكم مقدمات كلية ناتجة عن الاستقراء وتقولون أنها يقينية مع أن الاستقراء فيها استقراء ناقص، من قبيل ماذا؟ كل حديد يتمدد بالحرارة، كل حديد يتمدد بالحرارة إنما وصلنا إلى هذا الحكم نتيجة أننا تتبعنا الجزئيات، درسنا حالات الحديد عند وضعها على النار فوجدنا أنها تتمدد بالحرارة. كيف تقولون هذه القضية قضية يقينية مع أن الاستقراء فيها استقراء ناقص، والاستقراء الناقص لا يفيد إلا الظن؟
الجواب: أن هناك حالات متعددة للوصول إلى قاعدة كلية. تارة المستقرئ... خذ نقرا الشبهة ثم نأتي إلى حلها. قال: شبهة مستعصية: إن القياس الذي هو العمدة في الأدلة على المطالب الفلسفية، وهو المفيد لليقين، لما كان يعتمد على مقدمة كلية على كل حال، فإن الأساس فيه أي في هذه المقدمة الكلية لا محالة هو الاستقراء، لما قدمنا أن كل قاعدة كلية لا تحصل لنا إلا بطريق فحص جزئياتها.
هنا أن كل قاعدة كلية لا تحصل لنا إلا بطريق فحص جزئياتها، نقول: هذا ليس على إطلاقه صحيح؛ لأن هناك قواعد كلية لا تتوقف على فحص جزئياتها، نظير قاعدة ماذا؟ كل معلول يحتاج إلى علة. كل معلول يحتاج إلى علة، لسنا بحاجة إلى أن ندرس الجزئيات، بمجرد أن نفسر معنى المعلول وهو ما يتوقف وجوده على غيره، هذا معنى أنه يحتاج إلى علة، ولسنا بحاجة إلى أن نقوم في تتبع الجزئيات، ولا شك أن أكثر القواعد العامة غير متناهية الأفراد، فلا يمكن تحصيل الاستقراء التام فيها، فيلزم على ذلك أن تكون أكثر القواعد التي نعتمد عليها لتحصيل الأقيسة ظنية؛ لأنها تعتمد على الاستقراء الناقص، فيلزم أن تكون أكثر أقيستنا ظنية وأكثر أدلتنا غير برهانية في جميع العلوم والفنون، وهذا ما لا يجوز لا يتوهمه أحد. لماذا؟ لأننا عندنا قواعد كلية نصدق ونؤمن بها ولا نؤمن بنقيضها، فهل يمكن أن ندعي أن الاستقراء الناقص يفيد العلم اليقيني فنخالف جميع المنطقيين الأقدمين؟ ربما تكون هذه الدعوة قريبة إلى القبول، إذ نجد أننا نتيقن بأمور عامة ولم يحصل لنا استقراء جميع أفرادها، كحكمنا قطعاً... وأما حل الشبهة فنقول في هذا الموضوع أن كل نار محرقة، وأن كل إنسان يموت...
إن الاستقراء على أنحاء:
النحو الأول: ثالثاً، عندما يستقرئ المستقرئ أي يتتبع الجزئيات، ينظر إلى الجزئي بما هو جزئي؛ مثلاً إذا أراد أن يتتبع ويدرس حالة الحديد عند وضعه على النار، ينظر إلى الحديدة بمجرد أنه وضعها على النار وجدها أنها تتمدد، والحديدة الثانية والثالثة والرابعة، وهذا معناه أن المستقرئ خلط نظره على صرف المشاهدة، صرف المشاهدة يعني لم ينظر إلى أمر وراء نفس تمدد الحديد على النار، فقط ينظر إلى الحديدة عندما يضعها تتمدد. نعم هذا النحو من الاستقراء لا يولد إلا الظن.
النحو الثاني: أنه عندما يقوم بوضع الحديدة على النار يحاول أن يتوصل إلى العلة التي أوجبت تمدد الحديد عند وضعه على النار، وهذا أكثر علماء العلماء التجريبيون هكذا، عندما يقولون عندما يقومون بتجربة فيزيائية وكيميائية لا يلحظون فقط النتيجة ما هي؟ وهي أن الحديد يتمدد، بل لماذا تتمدد؟ لماذا تتمدد؟ ولهذا أساساً إنما يقومون بعدة تجارب لأجل الوصول إلى العلة، فإذا توصلوا إلى العلة، وأن سبب تمدد الحديد عند وقعه على النار هو بسبب الحرارة؛ لأن هناك حرارة توجب أن يتمدد الحديد. فيقولون: إذاً العلة هي الحرارة. فبناءً على ذلك، بما أن كل نار حارة، نقول في المقام: إن كل حديدة وضعت على النار فإنها تتمدد بسبب الحرارة. هذا النحو بمجرد أن نصل إلى علة ثبوت المحمول للموضوع أي ثبوت التمدد للحديد، نستطيع أن نقول: هذه القضية قضية يقينية، إلا بعض الجزئيات؛ لأننا وصلنا إلى العلة. لما وصلنا إلى العلة، استطعنا أن نؤسس هذه القاعدة الكلية، وهذا معناه أننا لم نعتمد على صرف المشاهدة، أننا نشاهد الظاهرة بما هي ظاهرة، بل نحاول أن نستكشف أعماق تلك الظاهرة، استكشاف العلة. هذا النحو وإن كان استقراءً ناقصاً، ولكنه يفيد اليقين بسبب الكشف عن العلة.
نحو ثالث سوف يأتي، قال: فنقول في حل الشبهة: إن الاستقراء على أنحاء:
أولاً: أن يبنى على صرف المشاهدة فقط، يعني تلاحظ الظاهرة بما هي ظاهرة من دون التأمل فيها والكشف عن عللها وأسبابها وأسرارها، فإذا شاهد بعض الجزئيات أو أكثر الجزئيات أن لها وصفاً واحداً، استنبط أن هذا الوصف يثبت لجميع الجزئيات، كمثال استقراء بعض الحيوانات أنها تحرك فكها... فكها الأسفل عند المطغي، تحرك فكها الأسفل عند المطغي، ولكن هذا الاستنباط قابل للنقض؛ لأنه لا يفيد اليقين، فلا يكون الحكم فيه قطعياً. وعلى هذا النحو اقتصر نظر المنطقيين القدماء في بحثهم، وهذا هو الذي يعنون به الاستنباط الاستقراء الناقص الذي لا يفيد اليقين.
ثانياً: أن يبنى أن يبنى الاستقراء مع ذلك، أي مع ملاحظة التجربة، على التعليل، يعني نريد أن نبحث عن السبب، بأن يبحث المشاهد لبعض الجزئيات عن العلة في ثبوت الوصف أي ثبوت التمدد للحديد، فيعرف أن الوصف إنما ثبت لتلك الجزئيات المشاهدات لعلة أو لخاصية، هناك سبب موجود في نوعها، ولا شبهة عند العقل أن العلة لا يتخلف عنها معلولها أبداً، فكلما وجدت الحرارة كان الحديد متمدداً، فيجزم المشاهد المستقرع حينئذ جزماً قاطعاً بثبوت الوصف لجميع جزئيات ذلك النوع وإن لم يشاهدها كلها، كما إذا شاهد الباحث أن بعض العقاقير يؤثر الإسهال، فبحث عن علة هذا التأثير وحلل ذلك الشيء إلى عناصره فعرف فعرف تأثيرها فعرف تأثيرها في الجسم الإسهال في الأحوال الاعتيادية، فإنه يحكم بالقطع أن هذا الشيء يحدث هذا الأثر دائماً.
جميع الاكتشافات العلمية وكثير من أحكامنا على الأمور التي نشاهدها من هذا النوع، أي من الاستقراء الذي يبتني على التعليل وكشف العلة، وليست هذه الأحكام قابلة للنقض، فلذلك تكون قطعية، كحكمنا بأن الماء ينحدر من المكان العالي، أو مثلاً نقول: كلما كلما سقط شيء من الماء من الأعلى إلى الأسفل فإنه كلما أوقعت شيئاً فإنه يقع من الأعلى إلى الأسفل ولا يصعد إلى فوق. هذه القاعدة قاعدة يقينية؛ لأننا اكتشفنا السر وهو بفعل الجاذبية. فإن لا نشك فيه مع أننا لم نشاهد من جزئيات إلا أقل القليل، ولهذا نيوتن فقط من خلال تفاحة توصل إلى إلى قاعدة كلية، ولم يستقرئ جميع ما يسقط من الأعلى إلى الأسفل، وما ذلك إلا لأن عرفنا السر والعلة في هذا الانحدار. نعم، إذا انكشف للباحث خطأ ما حسبه أنه علة أو لأن أو أن للوصف علة أخرى، فلا بد أن يتغير فهمه وعلمه.
الثالث: هو ما ذكرناه أن الاستقراء لا يحتاج إلى تتبع كل الجزئيات، بل يكفي النظر إلى نفس أطراف القضية للوصول إلى أنها قاعدة كلية، قال: أن يبنى على بديهة العقل، كحكمنا بأن الكل أعظم من الجزء، فإن تصور الكلي وتصور الجزئي وتصور معنى أعظم هو كافٍ لهذا الحكم، كما سوف نشير إليه في الجزء الثالث، وليس هذا في الحقيقة استقراء؛ لأنه لا يتوقف على المشاهدة، يعني لا يتوقف على تتبع الجزئيات، بل يكفي أن ترى ما معنى الكل، ما معنى الجزء، وتنسب الجزء إلى الكل فتدرك وتصدق بأن الكل أعظم من الجزء. فإن تصور الموضوع والمحمول كاف للحكم وإن لم تشاهد جزئياً واحداً منها.
رابعاً: أن يبنى على المماثلة الكاملة بين الجزئيات.
والحمد لله رب العالمين.
قراءة الدروس وملفات Word
- الدرس 1 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 2 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 3 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 4 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 5 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 6 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 7 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 8 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 9 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 10 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 11 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 12 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 13 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 14 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 17 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 19 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 20 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 24 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 25 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 26 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 28 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 29 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 31 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 32 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 33 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 35 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 36 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 39 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 40 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 41 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
