دروس مقررة — النصوص المتاحة
27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس 40
040
أنواع الاستقراء وقيمته العلمية
كان الكلام في مبحث الاستقراء ووقفنا عند الشبهة التي طرحها الشيخ المظفر عليه الرحمة، وحاصل تلك الشبهة: بما أن الاستقراء الناقص لا يفيد إلا الظن، وبما أن كثيراً من الأحكام التي نتوصل إليها هي أحكام كلية ناتجة عن الاستقراء الناقص، فمعنى ذلك أن كثيراً من تلك الأحكام لا تفيد إلا الظن. والجواب عن تلك الشبهة قلنا أن الاستقراء على أنحاء:
النحو الأول من الاستقراء: أن يبنى الاستقراء على صرف المشاهدة فقط، وهذا النحو من الاستقراء لا يفيد إلا الظن.
النحو الثاني من الاستقراء: هو الاستقراء الذي يبتني على التعليل، بمعنى أن المستقرئ إذا أراد أن يستقرئ الحالة المستقرئة...
النحو الثالث من الاستقراء: وقلنا في الحقيقة والواقع هذا النحو الثالث، الاعتقاد بقضية لا يتوقف على المشاهدة وعلى الاستقراء، بل إن نفس تصور الأطراف يوجب إذعان النفس والتصديق لهذه القضية، وذلك كحكمنا بأن الكل أعظم من الجزء وبأن كل موجود معلول يتوقف على وجود علته.
النحو الثاني والنحو الثالث قطعا يفيدان اليقين. أما أن النحو الثاني يفيد اليقين فإننا بعد أن نستكشف العلة وأن سبب التمدد هو ببركة الحرارة نستطيع أن نعمم هذا الحكم إلى كل حديد فنقول: كل حديد إذا وضع على النار فإنه يتمدد؛ لأننا توصلنا إلى علة التمدد. وأيضا النحو الثالث وهو الذي يبتني على بديهية من بديهيات العاقل قطعا يفيد اليقين وإن لم نشاهد أي جزئية من الجزئيات.
النحو الرابع الذي لم نذكره بالأمس هو ذلك الاستقراء الذي يعتمد التعميم فيه على المماثلة. مثلاً، إذا أخذنا قطعة حديد ووضعناها على النار ووجدنا أنها تتمدد، وقمنا بوضع حديدة ثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة فوجدنا أن لها نفس الحكم، هنا لو وجدنا حديدة أخرى غير تلك الحديدة التي قمنا التجربة عليها، نقول: بما أن هذه الحديدة الحادية عشر خصائصها نفس تلك الحدائد التي وضعناها على النار مماثلة لها، إذاً لها نفس الحكم لأنها تماثلها وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، إذا كانت هذه الحديدة تتمدد فمثلها أيضا يتمدد.
وهذا معناه أن التعميم هنا عممنا الحكم على أساس المماثلة، بما أن الحديد الذي في العالم كله يماثل بعضه بعضا فالحكم له واحد وهو التمدد. إذاً حاصل المطلب أننا لو سئلنا لماذا عممتم الحكم إلى كل حديدة مع أننا لم نستقرئ جميع ما في العالم من حديد، نقول أولاً: إما لأن استطعنا أن نستكشف علة التمدد وهو بسبب الحرارة فلهذا علمنا قلنا كل حديدة توضع على النار فهي تتمدد بالحرارة. أو ثانياً: أننا نقول استنتجنا من باب المماثلة قلنا بما أن الحديد يماثل بعضه بعضا ويشابه بعضه بعضا استطعنا أننا نقول أن كل حديد فهو متمدد، إما على أساس أننا استنبطنا العلة أو على أساس المماثلة، أو يكون التعميم على أساس أن نفس القضية بديهية من بديهيات العاقل كقولنا الكل أعظم من الجزء.
قال رابعاً: أن يبنى على المماثلة الكاملة بين الجزئيات، يعني جميع الجزئيات تكون متماثلة، كما إذا اختبرنا بعض جزئيات نوع من الثمر فعلمنا بأنه لذيذ الطعم، فإنا نحكم حكماً قطعياً. منشأ الحكم القطعي هنا ليس أننا وصلنا إلى العلة، بل لأننا نجزم بأن كل جزئيات هذا النوع لها هذا الوصف وهو كونها لذيذة الطعم، وكما إذا برهنا مثلا على أن مثلثا معينا تساوي زواياه قائمتين فإنا نجزم جزما قاطعا بأن كل مثلث هكذا لأنه يماثل المثلث الذي أقمنا البرهان عليه، فيكفي فيه فحص جزئي واحد، وما ذلك إلا لأن الجزئيات متماثلة متشابهة في التكوين، فوصف واحد منها يكون وصفا للجميع بغير فرق.
وبعد هذا البيان لهذه الأقسام الأربعة يتضح أنه وإن كان بعض الاستقراء استقراء ناقصا، ولكن ليس كل استقراء ناقص لا نستطيع أن نصل من خلاله إلى قاعدة يقينية؛ لأن تلك القواعد التي وصلنا إليها وهي يقينية إما مبنية على التعليل وإما مبنية على المماثلة. قال: يتضح أن ليس كل استقراء ناقص لا يفيد اليقين. نعم، لا يفيد اليقين في الحالة الأولى وهو إذا كان الاستقراء مبنيا على صرف الملاحظة والمشاهدة إلا إذا كان مبنيا على المشاهدة المجردة عن استكشاف العلة، ويسمى القسم الثاني وهو الاستقراء المبني على التعليل في المنطق الحديث بطريق الاستنباط نقوم بعملية اختبار كثير من الجزئيات حتى نصل إلى علة الحكم أو طريق البحث العلمي وله أبحاث لا يسعها هذا الكتاب.
وقد تطرق السيد الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه إلى مبحث الاستقراء بنحو مفصل، وتعرض إلى الاستقراء بحسب النظرية الأرسطية وهي النظرية التي ندرسها نحن؛ نحن ندرس منطقاً أرسطياً. فالسيد تعرض إلى مبحث الاستقراء سواء كان بحسب النظرية الأرسطية وبحسب نظرته هو قدس سره في كتاب متكامل أسماه (الأسس المنطقية للاستقراء)، وهو كتاب قيم له ثمرات علمية في مجال الأصول، في مجال الفقه، وفي مجال حتى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى. كتاب من خيرة الكتب التي ألفت في مباحث الاستقراء من قبل علماء الإمامية بل علماء المسلمين. هذا تمام الكلام في مبحث الاستقراء.
حقيقة التمثيل وأركانه
ينتقي الشيخ المظفر بعد ذلك إلى القسم الثالث من أنواع الاستدلال ألا وهو التمثيل، وقرأنا التمثيل في مذكرة المنطق، وحاصل التمثيل أن يقال: التمثيل هو تعزية حكم جزئي معلوم إلى حكم جزئي آخر مجهول، ومعنى ذلك أننا عندنا حكمان جزئيان، الحكم الجزئي الأول يكون معلوما، والحكم الجزئي الثاني يكون مجهولا، ونحن نسري حكم المعلوم إلى حكم المجهول.
مثلا نحن نعلم أن الخمر حرام ولكننا لا ندري هل أن النبيذ حرام أو ليس بحرام. هنا نقول: نعطي النبيذ نفس حكم الخمر وهو الحرمة. فالإثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر هذا ما يسمى بالتمثيل. لكن لو سألت على أي أساس أعطينا الحرمة الثابتة للخمر إلى النبيذ؟ نقول: على أساس وجود جامع ومشابه يتشابهان ويلتقيان فيه كل من الخمر والنبيذ، ألا وهو الإسكار، بما أن الخمر حرام وهو مسكر، كذلك بما أن النبيذ مسكر فهو يشابه الخمر في الإسكار، بما أن الخمر في الإسكار فحكمه هو حكم الخمر، ألا وهو حكم الحرمة.
هذا هو المعبر عنه بالتمثيل، فالتمثيل يتقوم بأركان أربعة:
1. الأصل وهو الجزئي الذي علم حكمه، وهو ما يعبر عنه بالمقيس عليه، وهو الخمر.
2. الفرع وهو الحكم المجهول ويعبر عنه بالمقيس، وهو النبيذ.
3. الجامع وجهة المشابهة، ألا وهو الإسكار؛ فالإسكار هو الجامع الذي يجمع النبيذ مع الخمر.
4. الحكم وهو الحرمة.
التمثيل إذاً هو انتقال من الخاص إلى الخاص، من جزئي إلى جزئي. التمثيل في علم المنطق هو القياس في علم الأصول والفقه. هناك نجد أن هناك ذماً ورد من قبل أئمتنا عليهم السلام في شأن القياس: (يا أبا حنيفة لا تقف فإن أول...). إذا كان القياس قد ذم من قبل أهل البيت عليهم السلام كيف يقال إن القياس يفيد اليقين وأنه هو عمدة في مقام الاستدلال وما شابه ذلك؟
القياس المذموم في لسان أهل البيت عليهم السلام هو القياس الذي قرأناه في المنطق، وهو ذلك القول المؤلف من قضايا متى ما سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، بل القياس الذي ذم في لسان الروايات هو التمثيل المنطقي، فالتمثيل بحسب اصطلاح المنطق هو القياس بحسب اصطلاح الفقه.
قال تعريفه: هذا ثالث أنواع الحجة وبه تنتهي مباحث الباب الخامس، والتمثيل على ما عرفناه سابقا هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين، وذلك الشيئان هما جزئيان، فالانتقال من جزئي إلى جزئي، أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر أي على الجزئي الآخر لجهة مشتركة بينهما وهي جهة الإسكار مثلاً، وبعبارة أخرى قل: هو إثبات الحكم في جزئي مجهول كالنبيذ لثبوته في جزئي آخر معلوم وهو الخمر مشابه له في الإسكار، فيعطى نفس الحكم وهو الحرمان [الحرمة].
والتمثيل هو المسمى في عرف الفقهاء بالقياس، فلهذا يوجد بحث في علم الأصول، هل أن القياس حجة أو ليس بحجة؟ والمراد من أن القياس حجة أي يعتمد عليه في مقام استنباط الأحكام الشرعية، أو لا يعتمد عليه كمصدر من مصادر استنباط الأحكام الشرعية هو التنفيذ [التشبيه]، بحسب اصطلاح علم المنطق. فلهذا بعضهم ذهب إلى أن القياس يعتبر مصدرا من مصادر التشريع، من مصادر استنباط الأحكام الشرعية هو القياس، وهذا مسلك أكثر أبناء العامة، خلافا لمسلك فقهاء الإمامية حيث ورد ذم كبير تجاه القياس، ولهذا لم يعتبر مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية واستنباط الأحكام الشرعية، والإمامية ينفون حجيته، يعني لا يعتمد عليه كمصدر، ويعتبرون العمل به محكاً للدين وتضييعا للشريعة، كما ورد في لسان الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام: ⟦لو قيس الدين لمحق مثاله⟧.
إذا ثبت عندنا أن النبيذ يشابه الخمر في ماذا يشابهه؟ في تأثير السكر على شاربه، إذاً لاحظ النبيذ جزئي وهو المجهول الذي يراد معرفة حكمه، والخمر هو الجزئي المعلوم حكمه، وقد ثبت عندنا أن حكم الخمر هو الحرمة، فلنا أن نستنبط ونلحق حكم الخمر إلى حكم النبيذ، فلنا أن نستنبط أن النبيذ أيضاً حرام، أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراك بينهما أي بين الخمر والنبيذ في جهة الـ...
أركان التمثيل وقيمته العلمية
أركانه: وللتمثيل أربعة أركان:
1. الأول هو الأصل وهو المقيس عليه، لأننا نقيس النبيذ على الخمر، فالخمر هو المقيس عليه والنبيذ هو المقيس، الأصل وهو الجزئي الأول المعلوم ثبوت الحكم له كالخمر في المثال.
2. الثاني الفرع وهو الجزء الثاني المطلوب إثبات الحكم له كالنبيذ في المثال، ويطلق عليه مقيسا، لأن هو المقيس مقيس على ماذا؟ على الخمر، فالخمر هو المقيس عليه.
3. ثالثا الجامع وهو جهة الشبه بين الأصل والفرع، بين النبيذ كفرع والخمر كأصل، قال: كالإسكار في المثال.
4. رابعا الحكم وهو المعلوم ثبوته في الأصل وهو الحرمة والمراد إثباته للفرع والمراد إثبات الحكم للنبيذ، كالحرمة في المثال.
فإذا توفرت هذه الأركان انعقد التمثيل، فلو كان الأصل غير معلوم الحكم أو فاقدا للجامع المشترك لا يحصل التمثيل، وهذا واضح.
أما قيمته العلمية: إن التمثيل على بساطته من الأدلة التي لا تفيد إلا الاحتمال. لماذا؟ لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر بل في عدة أمور أن يتشابها من جميع الوجوه وأن يكون لهما حكم واحد، بما أن الشارع هو الذي يجعل الأحكام ويشرع الأحكام، من أين لنا أن نعلم أنه كما أن الشارع حرم شرب الخمر يحرم شرب النبيذ من أين لنا أن نعلم؟ فإذا رأيت شخصا مشابها لشخص آخر في طوله أو في ملامحه أو في بعض عاداته وكان أحدهما مجرما قطعا فإنه ليس لك أن تحكم على الآخر بأنه مجرم أيضا لمجرد المشابهة بينهما في بعض الصفات أو الأفعال.
نعم، إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع وكثرت تلك الوجوه يقوى عندك الاحتمال حتى يقرب إلى من اليقين ويكون ظنا. طبعا هنا حتى يقرب من اليقين ويكون ظنا، يعني لا يصل إلى يقين وإلا لو وصل إلى يقين كيف يكون ظنا؟ يكون قريبا من اليقين، يعني ظن قوي يقرب اليقين، والقيافة من هذا الباب. القيافة هي ما يختص بعلم الأنساب، أن نلحق هذا الولد إلى أبيه مثلاً.
فإنا قد نحكم على شخص أنه صاحب أخلاق فاضلة أو شرير بمجرد أن نراه لأن كنا قد عرفنا شخصا قبله يشبهه كثيرا في ملامحه أو عاداته، وكان ذا خلق فاضل أو شريرا، ولكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا لأنه ظن.
موقف الإمامية من التمثيل والقياس المستنبط العلة
غير أنه يمكن أن نعلم أن الجامع أي جهة المشابهة... هنا يشير إلى مطلب مهم. نحن عندما نقول: وهذا مطلب مهم جداً، عندما نقول أن علماء الإمامية لا يجوزون تعدية حكم ثابت لجزئي إلى جزئي آخر مجهول؛ مثلاً ورد عندنا روايات وآيات قرآنية تحرم شرب الخمر، ولكن لا توجد عندنا روايات تتطرق إلى النبيذ، إلى مثلاً ماء الشعير المخمر، لا توجد عندنا روايات تتطرق أو آيات واضحة وقطعية تتطرق إلى ذلك.
هنا في المقام نقول: لماذا بعض علماء الإمامية يحرمون النبيذ من باب إلحاقه بحكم الخمر؟ أليس هذا تمثيل؟ أليس هذا قياسا فقهيا؟ الحق ألحقتم وأعطيتم الحكم الثابت للخمر إلى النبيذ. كيف إذا نجمع أن الإمامية تنفي حجية التمثيل والقياس الفقهي يطبقونه في بعض المقامات، فكيف وقد ورد أنه تضييع للشريعة ومحق للدين؟
نقول: هذا التمثيل على أنحاء، تارة إنما نعدي حكما ثابتا لجزئي إلى جزئي آخر نتيجة أننا توصلنا إلى علة الحكم. فمثلاً، لو قلنا أن الخمر حكمه هو الحرمة، وهذا ثابت عن طريق الدليل القطعي القرآني والروائي، لكننا وجدنا أن الشارع قد نص على أن الخمر حرام لأنه مسكر، فذكر علة الحرمة، ذكر سبب الحرمة.
إذا ذكر سبب الحرمة، نقول: إذا ذكر العلة، إذا ذكر علة الحكم. هنا قاعدة، العلة كما تضيق الحكم نستطيع أن نقول أنها توسع الحكم. فالعلة بما أن علة حرمة شرب الخمر هو الإسكار، نقول: إذاً نستطيع أن نقول كل مسكر ثبت أنه... لأن الشارع لما حرم الخمر بسبب أنه مسكر، إذاً كل مسكر يكون حراماً. فنعدي هذا الحكم إلى النبيذ، نقول: النبيذ لما ثبت أنه مسكر وأنه يفقد عقل الإنسان يعطى نفس الحكم؛ لأن الشارع إنما أعطى الحرمة إلى الخمر بسبب الإسكار، وبما أن هذا الخمر مسكر، إذاً يكون حراما تبعا لحرمة الخمر.
هذا النحو من التمثيل هو المعبر عنه بالقياس المستنبط العلة، يعني استنبطنا علة الحكم، وبما أننا استنبطنا علة الحكم، يكون الحكم يدور مدار علته وجودا وإثباتا ونفيا وبقاء وعدما. فنقول: لو جاءنا سائل ونريد أن نعرف حكمه، نقول: هل هو مسكر يزيل العقل ويفقد الوعي أم لا؟ نقول: لا، لا يفقد الوعي، إذاً نقول: لا نستطيع أن نعدي له الحكم. أما إذا جاءنا سائل كالنبيذ وعلمنا أنه يسكر، إذاً هنا نقول: بما أن الشارع حرم الخمر لأسكاره، حرمت الخمر لأسكارها، بما أن الخمر حرام لأنه مسكر، نقول: هذه العلة يمكن إثباتها إلى كل مسكر. أما لو وجد عندنا رواية معتبرة فنعتمد على تلك الرواية المعتبرة، كما ورد في... كما قيل: ⟦أن النبيذ خمر استصغره الناس⟧. هذا التمثيل مقبول لدى علماء الإمامية وهو القياس المستنبط العلة، هذا مقبول لدى علماء الإمامية.
ما هو ليس مقبولا عندهم هو أننا نعدي حكما إلى أمر آخر من دون حتى أن نقطع أن هذه هي علة الحرمة أو علة الوجوب. مثلاً لو قلنا أننا لو سألناه: لماذا الشارع حرم الربا؟ الربا حرام، لماذا حرم الربا؟ نقول: حرم الربا لأنه يحقق الظلم، ﴿فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون﴾ (البقرة: 279) حرم الربا لأن فيه ظلم.
الربا أنواع، هنا نقول في المقام، الربا بمعنى أن أعطيك قرضا 100 ألف على أن تسددها 120 ألف، هذا يسمى ربا، معاملة ربوية. لكن ما رأيك فيما لو تخلصنا من هذه المعاملة الربوية بطريق آخر؟ وهذه ما يسمى بالحيل الشرعية، بالحيل الربوية، نحتال ونتوصل إلى اتفاق قد لا يوقعنا في المعاملة الربوية، مثلاً أقول لك: هذه السيارة قيمتها الواقعية تساوي 80، فأقول لك: أنا أشتريها منك بـ 60، أشتريها منك بـ 60، فإذا اشتريتها أنا منك بـ 60، يعني أنت خسرت 30 ألف، هذه الـ 30000 سوف تكون... طبعا أنا أشتريها منك بـ 60 وأعطيك الـ 60، ثم بعد ذلك أنت تشتريها مني بـ 80 مثلاً، تشتريها مني بـ 80 على أنك تدفع هذه الـ 80 مستقبلا.
فهنا أنا أعطيك 60 وأنت بعد ذلك تعطيني... فهنا في الحقيقة والواقع سوف يكون هذا البائع الأصلي صاحب السيارة قد خسر 30000، هو سوف يخرج من جيبه 30000 في النهاية يدفعها إلى ذلك الإنسان الذي أعطاه 60. قد يقال هنا لا يوجد قرض، أو مثلاً أقول له: اقرضني 60 بـ 60 بشرط أن تبيعني هذا الكتاب، هذا يسمى قرض بشرط شيء.
هل هذا النحو من المعاملات يصدق عليها عنوان الربا أو لا يصدق عليها عنوان الربا؟ بعضهم يقول: يصدق عليها عنوان الربا، لماذا؟ أو يعطى نفس الحكم وهو حرمة الربا؛ لأن هذا أيضاً ظلم، حصلت فيه زيادة، حصل أخذ زيادة مقابل دفع مبلغ من أجل شيء معين وهو حصول الزيادة. هذا النحو قد يقال أيضاً الظلم متحقق. هنا نقول في المقام: لو قلنا أن علة حرمة الربا لأنه ظلم، نستطيع أن نسري هذه العلة إلى مثل هذه الحيل، فيها ظلم، فيها ظلم وهو أخذ فوق أخذ مال فوق المال الأصلي.
أما إذا قلنا أن لا نجزم أن الشارع قد حرم الربا لأنه ظلم، لا نجزم أن علة التحريم بسبب الظلم، هنا لا نستطيع أننا نسري الحكم إلى هذه المعاملات. هذا معنى قول الإمامية: متى ما توصلنا إلى علة التحريم استطعنا أن نعمم هذه العلة وأن نعمم الحكم إلى كل الأحكام التي لها نفس العلة، أما إذا لم نتوصل إلى العلة ولم نقطع أن هذا هو علة الحكم إذاً لا نستطيع أننا نسري الحكم إلى بقية الأحكام الأخرى، إلى بقية الجزئيات الأخرى.
هنا الخلاف بين الإمامية وبين أبناء السنة؛ أبناء السنة يعتمدون على أننا يمكن أن نعدي الحكم المعقول إلى جميع الجزئيات حتى وإن لم نقطع بأن هذا هو عله الحكم، فقط نستحسن نستحسن الأمر حينئذ نسري ذلك الحكم إلى بقية الجزئيات الأخرى. الإمامية يقولون: لا، لابد أننا نقطع أن سبب التحريم أو سبب الوجوب هو هذه العلة.
وهنا وقع البحث: هل لنا أن نقطع؟ نقول: نحن لا نعلم علل الأحكام، إنما نقول أن هذه هي علة الحكم إذا نص الشارع أنها علة، إذا قال الشارع: حرم الخمر لأنه مسكر، علمنا بعد ذلك أن العلة هو الحكم، علة التحريم. أما إذا لم ينص الشارع على ذلك لا نستطيع أن نقول علة الحكم ما هي. ولهذا كتاب الشيخ الصدوق (علل الأحكام) عندما يقول مثلاً: أمر بغسل الوجه لأنه كذا كذا، أمر بالاستنشاق لأنه كذا كذا. هذه علل الصدوق (علل الأحكام) للشيخ الصدوق هذه ليست علل الأحكام، هذه تسمى حكمة، يعني الحكمة من تشريع هذا الحكم هو كذا، والحكمة غير العلة.
العلة هي التي يدور الحكم مدارها، وجدت يعني وجد الحكم، لم يوجد الإسكار لم توجد الحرمة. هذا معنى أن علة الحكم تدور مدار الحكم وجوداً وعدماً، ثبت إسكار ثبتت الحرمة، لم يثبت الإسكار لم تثبت الحرمة. هذه هي العلة التي تعمم وتضيق.
أما مثلاً إذا قيل أنه لماذا أمر الشارع أن يستنشق بالماء في الوضوء استنشاق الأنف، لأنه الآن توصل الطب الحديث إلى أن هناك مرض يصيب الأنف علاجه أن ينخل [يدخل] الماء يومياً إلى الأنف، هل نستطيع أن نقول إذاً الشرع إنما أمر بالاستنشاق لأنه يدفع... لكي يدفع ذلك المرض؟ نقول: لا، هذه حكمة. أو مثلاً يقال: لا تأكل لحم الخنزير لأنه يفقد غيرة الإنسان على ذويه، هل نستطيع أن نقول إذاً العلة في حرمة تناول لحم الخنزير هو بسبب أنه يفقد غيرة الإنسان على أهله؟ هذه حكم وليست علل، العلة ما ينص عليها الشارع لا ما نستنتجها نحن.
علماء السنة يعبرون حتى عن مثل الحكم أنها علة، ولهذا يحاولون أن يعمموا الأحكام إلى كثير من الأمور، هنا موضع الخلاف. أما إذا توصلنا إلى علة الحكم وأنها علة تامة، هنا حينئذ يمكن التسرية، وهذا النحو من القياس المسمى بالقياس المستنبط، هذا قياس يعتمد عليه علماء الإمامية، خلافاً لعلماء السنة، فإنهم يعتمدون على القياس والتمثيل حتى وإن لم تكن العلة قطعية ومنصوصة.
القياس المنصوص العلة والبرهان
قال: غير أنه يمكن أن نعلم أن الجامع أي جهة المشابهة علة تامة لثبوت الحكم في الأصل، وحينئذ نستنبط على نحو اليقين أن الحكم ثابت في الفرع لوجود علته التامة فيه وهي الإسكار مثلاً؛ لأنه يستحيل تخلف المعلول عن علته التامة، ولكن الشأن كله أين؟ في إثبات أن الجامع علة تامة للحكم أم لا؟
يعني الشيخ المظفر يقول: الكلام كل الكلام، كيف نعلم أن هذه علة الحكم؟ كيف نعلم أن الربا إنما حرم من أجل أنه ظلم؟ من أين لنا أن نعلم علل الأحكام؟ علل الأحكام مصالح تشريعات الأحكام لا يعلمها إلا الحق سبحانه وتعالى، ولهذا ليس لنا أن نغير في الأحكام، أننا نقول هذه الأحكام لا تناسب العصر، هذه الأحكام يجب أن تلغى، هذه الأحكام يجب أن تتغير. أنت لست مشرعا، لا تدرك سبب تشريع الحكم حتى تغير في ذلك الحكم، لأنه يحتاج إلى بحث وفحص ليس من السهل الحصول عليه حتى في الأمور الطبيعية فضلاً عن الأمور التعبدية.
طبعاً والتمثيل من هذه الجهة يلحق بقسم الاستقراء المبني على التعليل الذي أشار إليه سابقاً بل هو نفسه، أننا نبحث عن الجزئيات ونقرأ في الروايات ونقرأ في الأدلة حتى نتوصل إلى علة الحكم كما إذا قمنا بعمل... إلى أن نتوصل إلى أن سبب التمدد هو الحرارة. أما إثبات أن الجامع هو العلة التامة لثبوت الحكم، العلة التامة بأي معنى؟ بمعنى ما يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، يعني وجدت وجد الحكم، عدمت عدم الحكم. في المسائل الشرعية فليس لنا طريق إليه إلا من ناحية الشارع نفسه، الشارع ينص على العلة، ولذا لو كانت العلة منصوصاً عليها يسمى (منصوص العلة) من الشارع فإنه لا خلاف بين... لاحظ: لا خلاف بين الفقهاء جميعاً سواء إمامية أو سنية في الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في الفرع.
كقوله عليه السلام: ⟦الخمر حرام لأنه مسكر⟧ أو قوله عليه السلام: ⟦لاحظ ماء البئر واسع لا يفسده شيء، لا يفسده شيئاً لا ينفعل بملاقاة النجاسة لأن له مادة⟧. هنا لاحظ الرواية ذكرت العلة، فإنه يستنبط منه أن كل ماء له مادة كماء الحمام وماء حنفية الإسالة فهو واسع لا يفسده شيء؛ لأن نفس... له نفس هذه العلة.
وفي الحقيقة أن التمثيل المعلوم فيه أن الجامع علة تامة يكون من باب القياس البرهاني المفيد لليقين. القياس يعني عبارة عن مقدمتين، نقول: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام، قياس من الشكل الأول ينتج أن النبيذ حرام. الحد الأصغر هو النبيذ وهو الحكم الفرعي، والحد الأكبر هو كلمة حرام الحكم المعلوم، والحد الأوسط هو الجامع وهو مسكر.
المثال الآخر الذي ذكره قال: إذ يكون فيه الجامع حدا أوسط والفرع حدا أصغر والحكم حدا أكبر، فنقول في مثال الماء -أنا ذكرت مثال الخمر والإسكار-: ماء الحمام له مادة -لاحظ ماء الحمام هو الحكم المجهول الذي يراد معرفة حكمه-، له مادة هو الحد الأوسط الجامع، وكل ماء له مادة واسع لا يفسده شيء -لا يفسده شيء يعني لا ينجس، وهو الحكم المعلوم-. بمقتضى التعليل في الحديث ينتج قياساً من... ألفنا قياساً من الشكل الأول ينتج: ماء الحمام واسع لا يفسده شيء، أو مثالنا: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام، ينتج: النبيذ حرام.
وبهذا يخرج عن اسم التمثيل واسم القياس باصطلاح الفقهاء الذي كان محل الخلاف عندهم، فيندرج هذا القياس المنصوص العلة في القياس المصطلح وهو القياس المنطقي. إذاً أؤكد على هذه المسألة أن القياس الذي لم يقع خلافا هو قياس منصوص العلة. التمثيل إذا كان منصوص العلة أمكن سراية الحكم من الجزئي على الجزئي المعلوم إلى الجزئي المجهول، أما إذا لم يكن منصوص العلة -يعني لا نقطع أن علة الحكم هو هذا الأمر- هنا لا نستطيع أن نعدي وأن نسري الأحكام من عندياتنا خلافاً لأبناء العامة؛ أبناء العامة حتى وإن لم يقطعوا أن هذا هو سبب التحريم أو سبب الوجوب، إنما يظنون ذلك فيعدون الحكم إلى الجزئيات الأخرى.
بهذا تم الكلام في التمثيل، وبه تم الكلام في الجزء الثاني، يأتي إن شاء الله تعالى الجزء الثالث وهو الكلام في مادة القياس، ما تقدم كان كلاما في هيئة القياس، ويأتي الكلام إن شاء الله في البرهان وهو من المباحث الدقيقة المهمة.
تم الكلام والحمد لله رب العالمين.
قراءة الدروس وملفات Word
- الدرس 1 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 2 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 3 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 4 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 5 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 6 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 7 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 8 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 9 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 10 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 11 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 12 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 13 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 14 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 17 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 19 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 20 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 24 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 25 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 26 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 28 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 29 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 31 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 32 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 33 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 35 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 36 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 39 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 40 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
- الدرس 41 — قراءة المتن الكامل · Word المتن · قراءة الخلاصة · Word الخلاصة
