منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 41

تحميل Word

041

مقدمة مباحث الاستدلال

ذكرنا سابقاً أن الاستدلال على نحوين: استدلال مباشر، واستدلال غير مباشر. والاستدلال المباشر يتمثل في ثلاث طرق: الطريق الأول التناقض، والثاني هو العكس المستوي، والثالث هو عكس النقيض. بينما الاستدلال غير المباشر فهو عبارة عن القياس والاستقراء والتمثيل.

وتقدم أيضاً أن علم المنطق هو علم آلي، ومقتضى أنه علم آلي أنه آلة لكسب المعلومات. لذلك قلنا إن علم المنطق هو علم التفكير، والتفكير أو الفكر مفاده الانتقال من المعلوم إلى المجهول. وقلنا إن الانتقال على نحوين: تارة يكون الانتقال من المعلوم التصوري إلى المجهول التصوري، وهذا ما يتكفل به باب القول أو باب التعريف، وتقدم الكلام عنه مفصلاً في الجزء الأول.

والنحو الثاني من الانتقال هو الانتقال من المعلوم التصديقي إلى المجهول التصديقي. وكي يتحقق ذلك الانتقال، يتوقف على مقدمات: المقدمة الأولى معرفة أقسام القضايا، والمقدمة الثانية معرفة أحكام القضايا، وتقدم ذلك في الباب السابق. إذن نعرف أن معرفة القضايا وأقسام القضايا وأحكام القضايا لا يهتم بها المنطقي من باب أن غرضه الأساسي يتعلق بها، بل لما كانت هذه الأمور -أي القضايا وأحكام القضايا- تمثل طريقاً للوصول إلى الغرض الأسمى والغرض الأقصى، لابد من اجتيازها. لذا بحثها المنطقي، تماماً كما قلنا في الجزء الأول: الغرض الأساسي لدى المنطقي الوصول إلى باب التعريف، ولكن الوصول يتوقف على مباحث الألفاظ، ويتوقف على مباحث الكليات الخمس، لذلك لابد من دراستها من باب أن الغرض الأسمى يتوقف عليها.

هنا نبحث القضايا وأحكام القضايا، ليست مما يتعلق بها غرض المنطق، ولكن لما كان غرض المنطق -وهو الوصول إلى المجهول التصديقي عن طريق الانتقال من المعلوم التصديقي- توقف على القضايا ودراسة أحكام القضايا، شرع المنطقي في دراسة تلك الأمور للوصول إلى المجهول التصديقي.

الانتقال من المعلوم التصديقي إلى المجهول التصديقي هو الذي يتكفل به باب الحجة. لذا قلنا في الجزء الأول إن موضوع علم المنطق عبارة عن التعريف وعبارة عن الحجة.

تصدير في الحجة والاستدلال

إن أسمى هدف للمنطقي وأقصى مقصد له مباحث الحجة، بل يعد هذا الغرض أسمى حتى من الغرض الأول وهو باب التعريف، لكثرة الابتلاء بباب التصديقات. إن أسمى هدف للمنطقي وأقصى مقصد له مباحث الحجة، أي مباحث المعلوم التصديقي الذي يستخدم للتوصل إلى معرفة المجهول التصديقي. وهذا هو مفاد الفكر؛ ليس الفكر -الذي أخذ في تعريف علم المنطق عند قولنا إنه آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ في عملية التفكير- ليس الفكر إلا ترتيب أمور معلومة للكشف عن المجهول التصديقي.

أما ما تقدم من الأبواب، أي باب القضايا وأحكام القضايا، فكلها في الحقيقة مقدمات لهذا المقصد، حتى مباحث المعرف، لأن المعرف إنما يبحث عنه ليستعان به على فهم مفردات القضية من الموضوع والمحمول.

باب الحجة هو الذي يطلق عليه في كلماتهم بباب الاستدلال أو مبحث الدليل، وسميت بالحجة لمشابهتها لمصطلح الحجة اللغوية. أما المراد من الحجة المنطقية فهو تأليف قضايا لأجل إثبات المطلوب. لذلك قلنا بالأمس إن الاستدلال بمعنى إقامة الدليل على المطلوب، وإقامة الدليل بمعنى الإتيان بقضايا ومعلومات تصديقية للكشف عن المجهول التصديقي، فإننا إذا قلنا: ما هو الدليل الذي يثبت أن العالم حادث؟ هنا هذه المفردة ليست مفردة تصورية، بل مفردة تصديقية، أو قل بعبارة أخرى: هذا مجهول تصديقي وليس مجهولاً تصورياً.

المجهول التصوري هو أن تجهل تصور معنى الشيء، أما في المقام أنا لا أجهل معنى أن العالم حادث، وإنما أُريد أن أثبت بالدليل حدوث العالم. لذلك أقول: بما أن العالم متغير، وبما أن المتغير حادث، إذاً العالم حادث.

والحجة عندهم عبارة عما يتألف من قضايا يتجه بها إلى مطلوب يستحصل بها. وإنما سميت حجة لأنه يحتج بها على الخصم لإثبات المطلوب، وتسمى دليلاً لأنها تدل على المطلوب، وتهيئتها وتأليفها لأجل الدلالة يسمى استدلالاً. يأتي بيان التهيئة والتأليف.

ومما يجب التنبيه عليه قبل كل شيء، أن القضايا ليست كلها يجب أن تطلب بحجة، لذلك قسمنا القضايا إلى قضايا نظرية وقضايا بديهية. والقضايا النظرية هي التي تحتاج إلى دليل، بينما القضايا التصديقية البديهية الضرورية لا تحتاج إلى إقامة دليل، كقولنا: الكل أعظم من الجزء.

لما انتهينا إلى العلم بقضية أبداً، بل لابد من الانتهاء إلى قضايا بديهية ليست من شأنها أن تكون مطلوبة، مطلوبة يعني تحتاج إلى إثبات، وإنما هي -أي القضايا البديهية- المبادئ الأساسية للمطالب، وهي رأس المال للمتجر العلمي. وإلا لو كانت كل قضية تحتاج إلى إثبات لزمت دوراً أو لزمت تسلسلاً. ببيان تقدم أكثر من مرة طرق الاستدلال أو أقسام الحجة.

من منا لم يحصل له هنا -عندما يقول: أقسام الحجة، يريد بكلمة الحجة المرadفة لكلمه الاستدلال، وإلا لو كان يريد أقسام الحجة التي الحجة بمعناها العام- فإننا نقول: الحجة على ثلاثة أقسام:

1. الحجة اللغوية: وهي التي ما يحتج به على الخصم.

2. وعندنا الحجة الأصولية: يقال هذا الدليل حجة، وهذه الفتوى الشرعية حجة. المراد من الحجة التنجيز والتعبير، يعني كون الحكم تنجز على المكلف، أو كون الحكم ثبت يثبت التعبير بالنسبة إلى المكلف. فجانب التنجيز وجانب التعبير حجة بالمصطلح الأصولي، وهذا سوف يأتي في علم الأصول.

3. الحجة المنطقية: وهي التي بمعنى الاستدلال. هنا التفت: ليس أقسام الحجة: الحجة المنطقية والأصولية واللغوية، لا، مرادنا من أقسام الحجة التي بمعنى الاستدلال، أو قل: أقسام الحجة المنطقية.

من منا لم يحصل له العلم بوجود النار عند رؤية الدخان؟ العلم بوجود النار هذا معلوم تصوري أو معلوم تصديقي؟ معلوم تصديقي. العلم بوجود النار عند رؤية الدخان، يعني يقول هكذا: النار موجودة بسبب رؤية الدخان. ومن ذا الذي لا يتوقع صوت الرعد عند مشاهدة البرق في السحاب؟ ومن ذا الذي لا يستنبط أن النوم يجم القوى، وأن الحجر يبتل بوضعه في الماء، وأن السكينة تقطع الأجسام الطرية؟ وقد نحكم على شخص بأنه كريم لأنه يشبه في بعض صفاته كريماً نعرفه، أو نحكم على قلم بأنه حسن لأنه يشبه قلماً جربناه، وهكذا إلى آلاف الأمثلة.

وفي الحقيقة أن هذه الاستنتاجات الواضحة التي لا يخلو منها ذو شعور ترجع كلها إلى أنواع الحجة المعروفة التي نحن بصدد بيانها، ولكن على الأكثر لا يشعر المستنبط أنه سلك أحد تلك الأنواع -أي أنواع الحجة- وإن كان من علماء المنطق. فهنا عندما قال مثلاً: (وقد تعجب لو قيل لك إن 99% من الناس هم منطقيون بالفطرة من حيث لا يعلمون).

ولما كان الإنسان مع ذلك يقع في كثير من الخطأ في أحكامه أو يتعذر عليه تحصيل مطلوبه، لم يستغن عن دراسة الطرق العلمية للتفكير الصحيح والاستدلال المنتج. والطرق العلمية للاستدلال -عدا طريق الاستدلال المباشر الذي يتمثل في التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض- هي ثلاثة أنواع رئيسة: أولاً: القياس، ثانياً: التمثيل، ثالثاً: الاستقراء.

طرق الاستدلال غير المباشر: القياس، التمثيل، الاستقراء

القياس والتمثيل والاستقراء تشترك في نقطة واحدة، وهي أنها تستخدم من أجل إثبات المطلوب، أو قل بعبارة منطقية: يلجأ إليها للكشف عن المجهول التصديقي.

مثلاً، إذا أردت أن أثبت أن الخمر مسكر، إذاً عندي مطلوب وعندي مجهول تصديقي: هل أن الخمر مسكر أو أن الخمر ليس بمسكر؟ هذا مجهول ليس مجهولاً تصورياً، أنا لا أجهل معنى الخمر ولا أجهل معنى الإسكار، أنا أعرف ما هو معنى الإسكار وما هو معنى الخمر، لكن المجهول: هل إن الخمر حكمه الإسكار أو ليس حكمه الإسكار؟ فهذا المطلوب إثباته هو مطلوب تصديقي وليس مطلوباً تصورياً.

كيف أثبت وأقيم الدليل على كون الخمر مسكراً أو ليست مسكراً؟ أن أرفع وأكشف هذا المجهول التصديقي عن طريق معلوم تصديقي، لأن المجهول التصديقي لا يكشف عن المجهول التصديقي، إنما الذي يكشف عن المجهول التصديقي هو المعلوم التصديقي.

تارة أنتقل من قاعدة عامة لإثبات هذا المطلوب، أقول هكذا: الخمر يشتمل على كحول، وكل شيء يشتمل على كحول فهو مسكر مثلاً، إذاً الخمر مسكر. هنا تجد أننا توصلنا إلى القضية المطلوبة إثباتها عن طريق قاعدة عامة، وهي أن كل ما فيه نسبة من الكحول أو نسبة كذا من الكحول يكون مسكراً. هذا طريق، هذا الطريق يعبر عنه بطريق القياس، وهو الانتقال من مقدمات لإثبات المطلوب، من مقدمة كلية لإثبات المطلوب.

وأخرى أقوم بعملية التثبت، فأجد بأن كل من تناول الخمر أصابته حالة إسكار، فتتبعت الجزئية الأولى والجزئية الثانية والجزئية الثالثة، فنتيجة التتبع ونتيجة الاستقراء توصلت إلى أن كل خمر مسكر. هذا الانتقال هو الذي يعبر عنه بالاستقراء، بمعنى انتقال من تتبع جزئيات للوصول إلى هذا المطلوب. هذا نحو من إثبات المطلوب وهو طريق الاستقراء والتتبع.

وطريق ثالث عن طريق سراية حكم أحد المتشابهين إلى الآخر، لما كان النبيذ مسكراً والنبيذ يشابه الخمر، إذاً يكون الخمر مسكراً. فهنا انتقلت من أحد الجزئيين إلى الجزئي الآخر، انتقلت من جزئية النبيذ إلى جزئية الخمر. هذا النحو يعبر عنه بالتمثيل.

إذاً فعندي ثلاث طرق أستطيع أن أصل إليها:

تارة أسير من القاعدة العامة لإثبات المطلوب، وهذا الطريق هو طريق القياس.

وأخرى أسير من الجزئيات، لا من قاعدة عامة بل من تتبع جزئيات كثيرة للوصول إلى المطلوب، وهذا طريق الاستقراء.

وأخرى أسير من الجزئيات إلى إثبات المطلوب جزئياً لا إلى إثبات كلياً، وهذا هو طريق التمثيل.

هذه الطرق الثلاثة كلها يعبر عنها بالاستدلال غير المباشر.

القياس: وهو أن يستخدم الذهن القواعد العامة المسلم بصحتها -المراد من كلمة المسلم بصحتها بمعنى على تقدير صحتها، إذا كانت المقدمات صحيحة سوف تكون النتيجة صحيحة، أما إذا كانت المقدمات التي تنتقل إليها منها لإثبات المطلوب ليست صحيحة إذاً لن تكون النتيجة صحيحة- في الانتقال إلى مطلوبه وهو العمدة في الطرق. لماذا هو العمدة في الطرق؟ لأنه يفيد اليقين.

التمثيل: وهو أن ينقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما، ينتقل من حكم الخمر إلى حكم النبيذ لجهة مشتركة بينهما وهي الإسكار.

الاستقراء: وهو أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط منها حكماً عاماً، وهذا هو طريق الاستقراء.

وسوف يأتي أن التمثيل والاستقراء بعضه يفيد اليقين، وبعضه لا يفيد اليقين. مثلاً: الاستقراء الناقص لا يولد اليقين، والذي يفيد اليقين هو الاستقراء التام. وإذا أفاد الاستقراء التام اليقين أرجعناه إلى القياس، ولهذا الاستقراء التام هو نوع من أنواع القياس، وسوف نرجعه في محله إلى القياس. وأيضاً التمثيل إذا أفاد اليقين فهو يرجع إلى القياس. إذاً بناءً على ذلك يكون العمدة هو القياس. من هنا نشرع في الطريق الأول وهو طريق القياس.

تعريف القياس

فنقول: الكلام أولاً في تعريف القياس. عرف المناطقة القياس بجملة من الصياغات، الصياغة المشهورة عند المناطقة لتعريف القياس ما ذكرها الشيخ، وهي أنه: (قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر).

الكلام في مفردات هذا التعريف. هذا التعريف يشتمل على جملة من المفردات:

1. قول: المراد من القول هو المركب التام الخبري بمعنى القضية. قول بمعنى قضية، ولهذا قلنا في تعريف القضية تسمى بالقول. فقوله قول يخرج ما لم تكن قضية، يخرج المفرد.

2. مؤلف من قضايا: لأن القضية تصدق على القضية الواحدة، فإذا صدق القول على القضية الواحدة، القياس لابد من قضيتين فصاعداً. لا يتكون القياس إلا من مقدمتين فصاعداً، من مقدمتين إذا كان القياس قياساً بسيطاً. إذاً مؤلف من قضايا، قضايا تشمل الاثنين فصاعداً، لأننا قلنا إن الجمع المنطقي يبدأ من الاثنين فصاعداً، بخلاف في اللغة العربية فإن الجمع من الثلاثة فصاعداً. قول مؤلف من قضايا تشمل الاثنين فصاعداً.

3. متى سلمت: ما المراد من متى سلمت؟ يعني على تقدير وعلى فرض التسليم بها. وليس متى سلمت يجب أن تكون مسلمة في نفس الأمر والواقع. لا، لو أنا أسلم بها وأنت تسلم بها وإن كانت واقعاً هي قضايا كاذبة، ولكن على تقدير أن تسلم بالمقدمات ينتج النتيجة المطلوبة. نظير ما قلنا عندما بحثنا مبحث العكس، ماذا قلنا؟ إذا صدق الأصل صدق العكس، المراد من صدق الأصل يعني على تقدير أن يكون الأصل صادقاً لابد أن يكون العكس صادقاً، متى ما فرض أن الأصل صادق لابد أن يفرض أن العكس صادق. يعني على تقدير وعلى افتراض أن تسلم بالمقدمات وبالقضايا لابد أن تسلم بالنتيجة.

4. لزم عنه: قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه -عن ذلك القول المؤلف من قضايا لزم عنه- يخرج بهذه المفردة وهي لزم عنه الاستقراء والتمثيل.

لأن الاستقراء وإن كان عبارة عن مجموعة من القضايا الجزئية -القضايا على نحوين: قضايا كلية وقضايا جزئية، ونحن عندما نستخدم طريق الاستقراء، طريق الاستقراء قلنا ننتقل من القضايا الجزئية لإثبات قضية كلية. مثلاً أريد أن أثبت أن كل رمان فهو حامض، أو كل رمان البستان حلو، ماذا أفعله؟ أقول: هذه الرمانة حامضة، وهذه الرمانة حامضة، هذه قضايا وليست مفردات، ولكنها قضايا جزئية. من خلال الاستقراء وتتبع القضايا الجزئية أصل إلى القاعدة الكلية. نظير تتبع تقسيم الكلمة في علم النحو إلى اسم وفعل وحرف، تتبعنا كلمات العرب وجدنا أن الكلمة إما اسم أو إما فعل أو إما حرف.

الاستقراء لا يلزم منه إذا سلمت بالقضايا الجزئية أن ينتج لك قولاً آخر، يعني أن تكون النتيجة يقينية. لماذا؟ لأنه قد تصل إلى نتيجة ظنية. نظير إذا مثلاً دخلت إلى مصنع من المصانع وأردت أن تعرف جنسية عمال المصنع، وكان المصنع يشتمل على عشرة آلاف عامل، فهنا قمت بالتتبع، قلت: هذا العامل الأول مثلاً عربي، العامل الثاني عربي، العامل الثالث عربي، فاستقرأت إلى الألف، هنا لا تستطيع أن تقول كل عمال المصنع من العرب، لأن عمال المصنع عبارة عن عشرة آلاف وأنت لم تستقرئ إلا ألفاً، إذاً هذه النتيجة ليست نتيجة يقينية، بل نتيجة ظنية. إذاً حتى لو سلمت بهذه القضايا الجزئية الألف التي تتبعتها، لن تصل إلى نتيجة يقينية.

خلافاً للقياس، فإن القياس متى ما سلمت بالمقدمات يجب أن تسلم بالنتيجة، ومعنى تسليمك بالنتيجة يعني أن تسلم بصحتها وبيقينيتها. فإذا قلت: الإنسان ناطق، تقول: هذه المقدمة أسلم بصحتها، وكل ناطق جسم، وهذه المقدمة أسلم بصحتها، إذاً عليك أن تسلم بالنتيجة وهي أن الإنسان جسم. ففي طريق القياس متى ما سلمت بالمقدمات يجب أن تسلم بالنتيجة، ومعنى التسليم بالنتيجة أي يقينية النتيجة، تكون النتيجة يقينية تبعاً ليقينية المقدمات.

لماذا؟ لأنه أساساً النتيجة منطوية في المقدمات، مستبطنة في المقدمات، نفس المقدمات فيها النتيجة وأنت تستخلص النتيجة من هاتين المقدمتين، فإذا سلمت بالمقدمات والنتيجة كانت مستبطنة في المقدمات يجب أن تسلم بالنتيجة. خلافا للاستقراء، لو سلمت بمئة قضية جزئية لا يجب أن تسلم بالنتيجة، لأنه يمكن أن تكون النتيجة ظنية. أو التمثيل مثلاً، التمثيل لا يفيد اليقين كما سوف يأتي في محله.

إذاً عندما قال إن القياس قول مؤلف من مجموعة من القضايا متى ما سلمت متى ما سلم بتلك القضايا يلزم التسليم بالنتيجة، يخرج الاستقراء والتمثيل، لأنك متى ما سلمت بالاستقراء والتمثيل لا يلزم منه التسليم بالنتيجة، لأن المراد من كلمة التسليم بالنتيجة كون النتيجة يقينية، والاستقراء لا يفيد اليقين كما أن التمثيل لا يفيد اليقين.

فإن قلت: هناك نوع من الاستقراء يفيد اليقين، كالاستقراء التام. مثلاً لو افترضنا أن عمال المصنع ألف عامل، وقمت بتتبع جميع الأفراد إلى العدد ألف، ووجدت أن كل عامل هو عربي، فأقول: إذاً كل عمال المصنع الألف هم من العرب. قطعا هذه النتيجة يقينية أو ليست بيقينية؟ يقينية، لأنني استقريت جميع عمال المصنع، لم يبق عامل لم أبحث عنه، فهذه النتيجة مما لا ريب فيه أنها نتيجة يقينية.

إذاً لزم بناءً على ذلك، لزم من التسليم بالقضايا الجزئية التسليم بالنتيجة، فهل هذا قياس مع أنه استقراء حسب الفرض تتبع الانتقال من القضايا الجزئية للوصول إلى قضية؟ نقول: وإن أسميناه أنه استقراء، لكنه في الحقيقة والواقع يرجع إلى القياس، الاستقراء التام يرجع إلى القياس، إذاً فاندرج في باب القياس. أما إذا كان الاستقراء استقراءً ناقصاً بمعنى لا يفيد إلا الظن، فلا يندرج تحت عنوان القياس ويكون خارجاً عن باب القياس.

فإن قلت: عندنا قياس المساواة، إذا قلنا: ألف يساوي باء، وباء يساوي جيم، النتيجة ما هي؟ أن ألف يساوي جيم. فهنا سلمنا بمقدمتين: ألف يساوي باء، والمقدمة الثانية: وباء يساوي جيم. مقتضى التسليم بهاتين المقدمتين هو التسليم بالنتيجة وهي أن ألف يساوي جيم. هل هذا قياس؟ قياس مصطلح؟ قالوا: لا، ليس قياساً مصطلحاً. قد تقول لي: لماذا؟ انطبقت عليه شروط قياس، انطبق عليه حد القياس، القياس ما هو؟ قول بمعنى قضية مؤلف من قضايا، هنا نجد عندنا قضيتان: ألف يساوي باء، وباء يساوي جيم، متى ما سلمت وسلمنا بهما، لزم عنه التسليم بقول آخر، قول آخر يعني التسليم بالنتيجة، القول الآخر أي النتيجة. إذاً لماذا المناطقة لم يعتبروا مثل قياس المساواة من القياس المصطلح مع أنه انطبق عليه تعريف قياس؟

قالوا: هناك مفردة أخذت في القياس لم تنطبق عليه، وهي كلمة لذاته. لزم عنه قول آخر لذاته يعني لذات القضايا، لذات ذلك القول المؤلف من قضايا. مثلاً، لاحظوا الفرق بين: إذا قلنا زيد ناطق وكل ناطق إنسان، هنا قول مؤلف من قضايا وقضايا مسلمة، على تقدير التسليم بها نسلم بالنتيجة وهي زيد إنسان.

السؤال البسيط: هذه النتيجة وهي زيد إنسان، كيف توصلنا إليها؟ نقول: من خلال هاتين المقدمتين، نفس هاتين المقدمتين وبدون الاستعانة بأمر خارجي توصلنا إلى هذه النتيجة. إذاً هذه النتيجة وهي زيد إنسان إنما تم التسليم من خلال التسليم بنفس هاتين المقدمتين، وهما زيد ناطق وكل ناطق إنسان، دون الحاجة إلى أمر آخر. هذا معناه أن نفس النتيجة إنما لزمت من نفس ذات المقدمات، يعني بدون الحاجة إلى مقدمات إضافية ومقدمات خارجية عن هاتين المقدمتين.

بينما إذا قلنا: ألف يساوي باء، وباء يساوي جيم، إذاً ألف يساوي جيم. هنا النتيجة وهي ألف يساوي جيم، وإن كنا سلمنا بها، لكن التسليم بها ليس من خلال فقط هاتين المقدمتين وهاتين القضيتين، بل احتجنا لكي نسلم بالنتيجة إلى مقدمة خارجية. ما هي تلك المقدمة الخارجية؟ أن نقول: وبما أن مساوي المساوي مساوی، إذاً احتجنا للوصول إلى النتيجة لإضافة مقدمة خارجية وهي مساوي المساوي مساوي.

إذاً فالتسليم بالنتيجة لم ينشأ من خلال التسليم بالمقدمتين فقط، بل احتجنا لإضافة مقدمة خارجية، بمعنى نحتاج إلى إضافة مقدمة خارجية خارجة عن هاتين المقدمتين، وهي قضية مساوي المساوي مساوي. وهذا معناه أن التسليم بالنتيجة لم يلزم من ذات المقدمات. فلهذا قياس المساواة ليس قياساً بالمعنى المصطلح الذي نريد أن ندرسه. إذاً لماذا أخرجنا قياس المساواة؟ لأن النتيجة لم تنتج من ذات المقدمات ومن ذات القول المؤلف من قضاياه.

إذاً لماذا أطلق عليه بالقياس؟ لماذا قيل قياس؟ قلنا يطلق عليه قياس، ولكن ليس القياس المصطلح الذي نريد أن ندرسه. بناءً على ذلك نستطيع أن نقول إن القياس يمكن أن... التعريف الأول للقياس هو الذي قلناه: (قول مؤلف من قضايا متى سلمت تلك القضايا لزم عنه لذاته قول آخر)، وهذا يخرج منه قياس المساواة. التعريف الثاني أن يقال القياس: (قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه قول آخر)، نحذف كلمة لذاته، وهذا ينطبق عليه قياس المساواة والمثال الأول الذي ذكرناه وهو: زيد ناطق وكل ناطق جسم، إذاً زيد جسم، أو وكل ناطق إنسان، إذاً زيد إنسان.

فلهذا إذا عُبِّر عن قياس المساواة بأنه قياس بالتعريف الثاني، وهو عندما نحذف كلمة لذاته، أما إذا أبقينا على كلمة لذاته لا يسمى قياساً بحسب المصطلح، ونحن نريد أن ندرس القياس الذي فيه كلمة لذاته، فيخرج قياس المساواة كما سوف يخرج قياس الخلف وجملة من الأقيسة التي تذكر في كتب المنطق وسوف يأتي بعضها.

شرح مفردات تعريف القياس

قال الشرح:

1. القول: جنس ومعناه المركب التام الخبري، لأننا قلنا المركب التام الخبري هو جنس. لماذا جنس؟ لأنه يشتمل على نوعين: على قضية واحدة وعلى أكثر من قضية، فيعم القضية الواحدة والأكثر.

2. مؤلف من قضايا: هذا فصل، والقضايا جمع منطقي أي ما يشمل الاثنين. ويخرج بقيد القضايا الاستدلال المباشر كالتناقض وكالعكس المستوي كعكس النقيض، لماذا؟ لأن الانتقال إلى المطلوب من خلال قضية واحدة وليس من خلال قضايا. لأنه كما سبق قضية واحدة على تقدير التسليم بها تستلزم قضية أخرى، على تقدير التسليم بالأصل يكون العكس صادقاً، وعلى تقدير كون الأصل صادقاً يكون النقيض الآخر كاذباً.

3. متى سلمت: من التسليم، يعني التسليم بمعنى متى ما سلمت بصحتها، كون المقدمات صحيحة كون المقدمات يقينية. قال: فيه إشارة إلى أن القياس لا يشترط فيه أن تكون قضايا مسلمة فعلاً، فعلاً يعني في نفس الأمر والواقع، حتى لو كانت قضايا كاذبة، لكن متى ما سلم بها الطرف المقابل لابد أن يسلم بالنتيجة. بل شرط كونه قياساً أن يلزم منه -أي من القياس- على تقدير التسليم بقضاياه قول آخر، يعني النتيجة. كشأن الملازمة بين القضية وبين عكسها أو نقضها، فإنه على تقدير صدقها، أي صدق الأصل، تصدق عكوسها، وإن كان واقعاً الأصل ليس صادقاً، لكننا نقول متى ما سلمت أن الأصل صادق عليك أن تسلم بأن العكس يكون صادقاً، ومتى ما سلمت أن الأصل صادق عليك أن تسلم بأن النقيض يكون كاذباً، واللازم يتبع الملزوم في الصدق فقط، لأننا قلنا لا توجد ملازمة في جانب الكذب، عفواً، قد يكون نعم، قد يكون الأصل كاذباً ولا يلزم من كذب الأصل كذب العاكس دون الكذب كما تقدم في العكس المستوي لجواز كونه لازماً أعم. مثاله لجواز كونه لازم أعم تقدم في مبحث العكس المستوي فراجع المثال. ومنه يعرف أن كذب القضايا المؤلف لا يلزم منه كذب القول اللازم، يعني النتيجة والعكس. نعم كذبه -أي كذب العكس والنتيجة- يستلزم كذباً آخر، لأننا قلنا لو كان، هذه قلنا قاعدة فرعية: أنه يلزم من صدق الأصل صدق العكس، فلازم ذلك أنه إذا كان العكس كاذباً لابد أن يكون الأصل كاذباً، وإلا لو كان صادقاً لزم منه صدق عكس، هذا تقدم البيان فلا إعادة.

4. لزم عنه: لزم عنه يعني عن ماذا؟ عنه عن القول المؤلف من قضايا، يعني عن المقدمات بعبارة أخرى. يخرج به الاستقراء والتمثيل، لماذا؟ لأنهما وإن تألفا من قضايا، لكنه التفت: في الاستقراء القضايا ليست كلية إنما قضايا جزئية، ولهذا الاستقراء قيل هو انتقال من الجزئي إلى الكلي، لا يتبعهما القول الآخر على نحو اللزوم، يعني نتيجة، لماذا؟ لجواز تخلفه -أي تخلف القول الآخر والنتيجة- عنهما عن الاستقراء والتمثيل، لماذا؟ لأنهما أكثر ما يفيدان الظن، الاستقراء لا يفيد اليقين، يفيد الظن، إلا بعض الاستقراء -يعني بعض أنواع الاستقراء وهو الاستقراء التام- وإذا كان الاستقراء يفيد اليقين أرجعناه إلى القياس، وسيأتي بيان ذلك.

5. لذاته: يخرج به قياس المساواة كما سيأتي في محله، فإن قياس المساواة وهو من قولنا: مساوي المساوي مساوي، التفت: ليس معنى قياس المساواة أنه ينحصر في قولنا مساوي المساوي مساوي، لا، قياس المساواة مساوي المساوي مساوي، جزء الجزء جزء، أيضاً جزء الجزء جزء يسمى بقياس المساواة، لكن لماذا عبر بقياس المساواة؟ لماذا لم يعبر بقياس الجزئية؟ لأنه من باب أشهر أفراد قياس المساواة هو مساوي المساوي مساوي، وإلا قياس المساواة لا ينحصر بقولنا مساوي المساوي مساوي، ينطبق حتى على قولنا جزء الجزء جزء، إذا كان الحيوان جزء من الإنسان، أو قل: إذا كان الحيوان جزء من الناطق مثلاً والناطق جزء من الإنسان، إذاً الحيوان جزء من الإنسان من باب جزء الجزء جزء. قال: فإن قياس المساواة إنما يلزم منه القول الآخر لمقدمة خارجة، لمقدمة خارجة عنه لا لذاته، كقولنا: باء يساوي جيم، هذه القضية الأولى، القضية الثانية: جيم يساوي دال، إذاً أتبع عندنا قول مؤلف من قضايا مسلمة بهذه القضايا ينتج باء يساوي دال، يلزم منه قول آخر، ولكنه يلزم هذه النتيجة إذا أضفنا تلك المقدمة الخارجية وهي مساوي المساوي مساوي ولكن لا لذاته، يعني هذه النتيجة لم تنشأ من ذات المقدمات بل لصدق المقدمة الخارجية وهي مساوي المساوي مساوي، بدليل أنه لا ينتج قولنا إذا قلنا: باء نصف جيم وجيم نصف دال، لا ينتج أن باء نصف دال، لأن نصف النصف ليس نصفاً، بل نصف النصف... أو قلنا مثلاً: الإنسان مباين للفرس، والفرس مباين للناطق، لا ينتج: الإنسان مباين للناطق، لا يقال مباين المباين مباين، وهذه كلها من باب قياس المساواة، لأننا قلنا قياس المساواة لا ينحصر بقولنا مساوي المساوي مساوي.

إذا اتضح تعريف القياس وهو عبارة عن مجموعة من المقدمات، متى ما سلمت هذه المقدمات نتج عنها لذات المقدمات العلم بالنتيجة والتسليم بالنتيجة، ولهذا كان القياس يفيد اليقين. يفيد اليقين لأنه متى ما سلم بذات المقدمات ينتج عن ذات المقدمات النتيجة المطلوبة.

الاصطلاحات العامة في القياس

إذا عرف القياس وعرف معناه، يشير الشيخ المظفر بعد ذلك إلى الاصطلاحات العامة في القياس. هذه الاصطلاحات تتضح من خلال هذا المثال: إذا قلنا: شارب الخمر فاسق، وكل فاسق ترد شهادته، النتيجة إذاً: شارب الخمر ترد شهادته.

هذا القياس أو كل قياس منطقي لابد أن يتألف من مجموعة من الأمور:

الأمر الأول: لابد أن يتألف من مقدمتين فصاعداً. المقدمة الأولى تسمى مقدمة صغرى، والمقدمة الثانية تسمى مقدمة كبرى. هنا إذا جئنا إلى المقدمة الصغروية نقول هي: شارب الخمر فاسق، والمقدمة الكبرى: وكل فاسق ترد شهادته. إذاً لابد في كل قياس أن يشتمل على مقدمة صغرى وعلى مقدمة كبرى.

الأمر الثاني: في كل قياس لابد أن يشتمل على ثلاثة حدود:

الحد الأول هو الحد الأوسط، والمراد من الحد الأوسط يعني الحد المشترك. هنا إذا قلنا: شارب الخمر فاسق، وكل فاسق ترد شهادته، الحد الأوسط والمشترك هو كلمة فاسق، هذا حد أوسط، ودوره أن يربط بين الحد الأكبر والحد الأصغر.

الحد الأكبر والحد الأصغر: نلحظ النتيجة. النتيجة ما هي؟ شارب الخمر ترد شهادته. ما وقع موضوعاً في النتيجة يكون هو الحد الأصغر، وما وقع محمولاً في النتيجة يكون هو الحد الأكبر في المقدمات. هنا كلمة شارب الخمر وقع موضوعاً لأننا النتيجة هي: شارب الخمر ترد شهادته، شارب الخمر موضوع ترد شهادته محمول، إذاً شارب الخمر موضوع يكون هو الحد الأصغر، وترد شهادته محمول إذاً يكون هو الحد الأكبر.

كيف نعرف المقدمة الصغرى من المقدمة الكبرى؟ المقدمة التي فيها الحد الأصغر تكون مقدمة صغرى، لاحظ: شارب الخمر حد أصغر لأنه موضوع في النتيجة، إذاً هي المقدمة الصغرى. وترد شهادته هو الحد الأكبر، إذاً المقدمة التي يشتمل عليها هي المقدمة الكبرى. بقية الاصطلاحات تأتي.

تم الكلام والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.