منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 7

تحميل Word

007

تمتاز معدولة المحمول عن السالبة محصلة المحمول

قال: «تنبيه: تمتاز معدولة المحمول عن السالبة محصلة المحمول في المعنى وفي اللفظ». هذا التنبيه يعد من المباحث المنطقية المهمة؛ فيجب أن يتقن هذا المطلب بشكل جيد أولاً، ويجب أن يستقر في الذهن بشكل جيد كذلك، لأن الفرق بين الموجبة المعدولة المحمول وبين السالبة المحصلة المحمول من الأمور التي ترد في مطالب كثيرة في علم الفلسفة وفي علم الأصول، لذا يجب إتقان هذا الفرق وأيضا يحفظ هذا الفرق بحيث لا يفر من الذهن.

ذكرنا نحن أن الفرق بين القضية المعدولة -سواء كانت معدولة في موضوعها أو في محمولها أو في طرفيها- وبين المحصلة -سواء كانت في أحد أطرافها أو في كلا طرفيها- أن القضية المعدولة يكون حرف السلب جزءاً من موضوعها أو من محمولها أو من المحصلات، أما المحصلة هي التي لا يكون حرف السلب جزءاً لا من موضوعها ولا من محمولها ولا من كلا طرفيها.

مثلا إذا قلنا: «زيد لا قائم»، هنا نجد حرف السلب جزءاً لا من موضوعها ولا من محمولها، أن المحمول كله هو كلمة «لا قائم». المحمول هو «لا قائم». إذن «لا قائم» هذه القضية تسمى قضية معدولة المحمول، لأن حرف السلب وأداة النفي جزء من المحمول. أما إذا قلنا: «زيد ليس بقائم»، هنا المحمول فقط كلمة «قائم»، أما «ليس» هذا ليس داخلا في المحمول فتسمى محصلة المحمول.

إذن لابد أن نلتفت إلى أداة السلب وأن نلتفت إلى أداة النفي، فإن كان حرف السلب يدخل كجزء في الموضوع أو في المحمول فتسمى قضية معدولة: معدولة الموضوع إذا كان حرف السلب جزءاً من الموضوع، معدولة المحمول إذا كان حرف السلب جزءاً من المحمول، معدولة الطرفين إذا كان حرف السلب جزءاً من الموضوع والمحمول. وإلا إذا لم يكن حرف السلب جزءاً فتسمى قضية محصلة.

المهم في بيان ذلك بيان مثال القضية الحملية الموجبة المعدولة وهو قولنا: «زيد لا قائم». هنا قضية موجبة لأن سورها مثبت. وأيضا هنا معدولة المحمول لأن المحمول كان النفي جزءاً منه وهو كلمة «لا قائم».

ما هو الفرق بين قولنا «زيد لا قائم» وبين السالبة المحصلة المحمول وهي «زيد ليس بقائم»؟

«زيد ليس بقائم» سالبة لأن فيها أداة نفي وهي «ليس». ما هو الفرق؟

الفرق من جهتين:

الجهة الأولى: الفرق من الناحية اللفظية

وهو أن في الموجبة المعدولة المحمول، تتقدم الرابطة على أداة النفي، فيقال: «زيد هو لا قائم»، حتى تكون أداة النفي جزءاً من الموجب. «زيد هو لا قائم»، بحيث يكون الموضوع هو زيد والمحمول هو كله «لا قائم»، هذا في الموجبة المعدولة المحمول. أما في السالبة المحصلة المحمول، يكون الأمر بالعكس؛ تكون الرابطة متأخرة عن أداة السلب، فنقول: «زيد ليس هو قائم»، فتتقدم أداة السلب على كلمة «هو» على الرابطة. «زيد ليس هو قائم»، هنا نجد أن المحمول فقط كلمة «قائم»، «ليس» هنا عبرنا عنه بأنه سور القضية وليس جزءاً من المحمول. هذا هو الفرق من الناحية اللفظية، وغالبا في السالبة المحصلة المحمول أداة النفي المستعملة كلمة «ليس»، بينما في المعدولة أداة النفي كلمة «لا» أو كلمة «غير»، تقول: «زيد لا قائم»، «زيد غير قائم»، هذا في الموجبة.

نحن ما يهمنا هو الفرق من الناحية الثانية، وهو من الناحية المعنوية. ما هو الفرق بين قولنا: «زيد هو لا قائم» قضية موجبة معدولة المحمول، وبين قولنا: «زيد ليس هو بقائم» قضية سالبة محصلة المحمول؟ ما هو الفرق في المعنى بين القضيتين؟ يمكن أن نبرز ثلاثة فوارق بينهما من ناحية المعنى:

*الفرق الأول:* أنه في القضية المعدولة موجبة المحمول يكون معناها حمل السلب. لأن أساسا القضية الموجبة الحملية ما معناها؟ حمل شيء على شيء، ثبوت شيء لشيء، هذا تفسير القضية الحملية الموجبة. فإذا قلنا: «زيد هو لا قائم» -المفروض أنها قضية موجبة لأن هذه كلمة «لا» قلنا ليست سور القضية التي تدل على أن الكيف سالب، هذا جزء من المحمول، فنقول «لا قائم» كله المحمول- إذن بما أنها قضية موجبة، القضية الموجبة معناها حمل شيء على شيء، ثبوت شيء لشيء، فيكون معناها حمل عدم القيام على زيد، حمل السلب؛ لأن المحمول هنا «لا قائم»، ونحمل كلمة «لا قائم» على زيد. فنقول زيد... حملنا المحمول وهو «قائم» على زيد، كذلك هنا قضية موجبة وهي «زيد هو لا قائم» حملنا عدم القيام على زيد، وهذا معناه حمل السلب.

بينما في القضية السالبة المحصلة المحمول، أساساً القضية السالبة ما معناها؟ نفي شيء عن شيء، سلب المحمول عن الموضوع. فإذا قلنا: «زيد ليس هو بقائم»، هنا كان المعنى سلب الحمل، أي سلب القيام عن زيد، لا حمل عدم القيام بل سلب القيام عن زيد، فيكون المعنى في القضية السالبة المحصلة المحمول هو سلب الحمل، سلب المحمول عن الموضوع، سلب القيام عن زيد، نفي شيء عن شيء. بينما في القضية الموجبة المعدولة المحمول حمل عدم القيام على زيد، حمل السلب. إذن هذا هو الفرق الأول أنه في القضية الموجبة المعدولة المحمول يكون المعنى حمل السلب، حمل عدم القيام، بينما في السالبة المحصلة المحمول يكون المعنى سلب الحمل.

قال: تمتاز معدولة المحمول عن السالبة محصلة المحمول. معدولة المحمول ما معناها؟ أن يكون حرف السلب جزءاً من المحمول. محصلة المحمول أن تكون أداة السلب ليست جزءاً من المحمول، إنما تدل على سور القضية. كيف القضية؟ قال: في المعنى فإن المقصود بالسالبة -أي السالبة محصلة المحمول- كقولنا: «زيد ليس بقائم» أو «ليس قائماً»، سلب الحمل؛ لأن هذا هو مفاد القضية السالبة الحملية نفي شيء عن شيء. وبمعدولة المحمول -وهو قولنا: «زيد لا قائم»- حمل السلب، يعني حمل عدم القيام، أي يكون السلب في المعدولة جزءاً من المحمول، المحمول كله كلمة «لا قائم» أو «غير قائم»، فيحمل المسلوب بما هو مسلوب -يعني يحمل عدم القيام على الموضوع على زيد- بينما في السالبة سلب الحمل، سلب القيام عن زيد.

الفرق الثاني في اللفظ، فإن السالبة المحصلة المحمول تجعل الرابطة فيها بعد حرف السلب -الرابطة كلمة «هو» التي لا تكتب في اللغة العربية- بعد حرف السلب، فيقال: «زيد ليس هو قائم»، لاحظ «هو» جاءت بعد كلمة «ليس»، لمَ؟ لتدل على أن المحمول فقط كلمة «قائم»، وتدل على سلب الحمل، سلب عدم القيام، لأن المحمول فقط كلمة «قائم». والمعدول تجعل الرابطة فيها قبل حرف السلب، فيقال: «زيد هو لا قائم»، لتدل على حمل السلب، ليكون المحمول كله كلمة «لا قائم»، فيكون المحمول بمعناه حمل عدم القيام على زيد، حمل السلب. وغالبا تستعمل «ليس» في السالبة، وكلمة «لا» أو «غير» في الموجبة المعدولة.

*الفرق الثاني:* وهذه الفروق يمكن إرجاع بعضها إلى بعض، لكن كلما نحن ذكرنا صيغاً متعددة للفروق، الفكرة ترتسخ بشكل أوضح في الذهن.

بما أن الكلام في قضيتين، القضية الأولى قضية موجبة لكنها معدولة المحمول، والقضية الثانية سالبة لكنها محصلة المحمول، ما هو الفرق بينها؟ الفرق بين القضية الموجبة المعدولة المحمول والقضية السالبة المحصلة المحمول هو ما ذكرناه بالأمس، أن الفرق بين القضايا الحملية الموجبة وبين القضايا الحملية السالبة أنه يشترط لصدق القضية الحملية الموجبة وجود موضوعها، بينما في السالبة تكون صادقة ولو بانتفاء موضوعها. لذا يقال: «أبو عيسى لم يأكل، لم ينم، لم يشرب».

إذا يكون الفرق بناء على هذا الأساس أن القضية الموجبة المعدولة المحمول يشترط في مقام صدقها وجود موضوعها، فلا يصح حمل السلب إلا إذا وجد الموضوع، لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له لا الثابت، حمل عدم القيام فرع وجود الموضوع وهو زيد. بينما في القضية السالبة المحصلة المحمول لا نشترط وجود موضوعها، فلذا يكون الفرق بين القضيتين في هذا المثال: هنا إذا قلت «شريك الباري لا قائم»، لا يجوز لك أن تقول «شريك الباري لا قائم»، بحيث يكون المحمول هنا كله كلمة «لا قائم»، لماذا؟ لأن معناها حمل السلب، وحمل السلب بمعنى ثبوت السلب، وثبوت شيء لشيء فرع ثبوت مثبت له، أولاً ثبت وجود شريك الباري، بعد ذلك تقول: لا قائم، لا نائم، أو تقول: شريك الباري غير بصير بحيث يكون المحمول كله كلمة «غير بصير»، هنا لا يجوز أن نقول هذه القضية ليست قضية صحيحة.

بينما إذا قلت: «شريك الباري ليس بقائم» بحيث يكون المحمول هو فقط كلمة «قائم»، و«ليس» هنا سور القضية الذي يدل على أن القضية سالبة، قلنا: السالبة الحملية تصدق ولو بانتفاء موضوعها، لا نحتاج إلى إثبات شريك الباري، يجوز أن تقول: شريك الباري ليس قائماً، ليس نائماً، ليس جسماً، كما كنت تقول: «أبو عيسى لم يأكل، لم ينم، لم يشرب». بينما لا يجوز لك أن تقول بنحو حمل السلب: «شريك الباري لا قائم» أو «غير قائم»، واضح هذا؟ لأن معناها حمل السلب ومعناها ثبوت الشيء لشيء، بينما لماذا لا يجوز أن شريك الباري لا قائم؟ لأنها قضية حملية، والقضية الحملية يشترط فيها وجود موضوعها، بينما في المحصلة السالبة بما أنها سالبة قلنا لا نشترط في مقام صدقها وجود موضوعها، لأن السالبة تكون صادقة ولو بانتفاء موضوعها.

*الفرق الثالث وهو المهم:* ما هو الفرق الثالث؟ أن القضية السالبة المحصلة المحمول أعم من القضية الموجبة المعدولة المحمول. فإذا قلنا: «زيد لا قائم»، هذه قضية موجبة معدولة المحمول، وما هو مفادها؟ مفاد هذه القضية هو حمل عدم القيام على زيد، وإذا حملنا عدم القيام على زيد فمن الواقع أننا سلبنا القيام، وإلا لو لم نسلب القيام للزم اجتماع القيام وعدم القيام وهو اجتماع للنقيضين وهو محال.

إذن كلما كان الحمل بمعنى حمل السلب صدق عنوان سلب الحمل، لأننا إذا قلنا: «زيد لا قائم»، «لا قائم» معناه حمل عدم القيام على زيد، حمل عدم القيام على زيد معناه سلب القيام عنه، وإلا إذا لم نسلب عنه القيام كان معنى ذلك ثبوت القيام له، والمفروض أنه حمل عليه عدم القيام، لزم اجتماع القيام وعدم القيام، وهو اجتماع للنقيضين. ولذا قيل: كلما صدقت القضية الموجبة المعدولة المحمول صدقت القضية السالبة المحصلة المحمول. هنا «زيد لا قائم» قضية موجبة معدولة المحمول معناها حمل عدم القيام، إذا حملنا عدم القيام يعني سلبنا عنه القيام، وسلب القيام هو مفاد السالبة المحصلة المحمول. ولذا قيل: كلما صدقت القضية الموجبة المعدولة صدقت القضية السالبة المحصلة، ولا عكس، دون عكس، لأنه قد تصدق القضية السالبة المحصلة المحمول دون أن تصدق القضية الموجبة المعدولة.

مثال على ذلك، كما في قولنا: «شريك الباري ليس قائماً»، هذه قضية سالبة محصلة المحمول. قلنا: لماذا في هذه القضية لا تكون القضية الموجبة -نشترط وجود موضوعها بناء على القاعدة الفرعية- وهنا شريك الباري موضوعها غير متحقق، فلا تصدق القضية الموجبة وإن صدقت القضية السالبة، لأن السالبة تكون صادقة ولو بانتفاء موضوعها. ولهذا كانت القضية السالبة أعم من القضية الموجبة من ناحية الصدق من القضية الموجبة المعدولة المحمول، نظير ماذا؟ لأنه كلما صدقت معدولة المحمول الموجبة صدقت السالبة محصلة المحمول دون عكس، فتكون السالبة هي الأعم، نظير إذا قلنا: كلما صدقت الجزئية صدقت الكلية دون عكس، تصدق الكلية بدون صدق الجزئية.

إذا هذا هو الفرق الثالث بينهما، ولذا سوف تمر عليك عبارة فاحفظها، أنه في مقام البرهنة ومقام الاستدلال: أن هذه قضية معدولة المحمول، وهي أخص من السالبة محصلة المحمول، أو هذه قضية سالبة محصلة المحمول، وهي أعم من القضية الموجبة المعدولة المحمول؛ فاحفظ هذه الفوارق تهمك جداً. تم الكلام في تقسيم القضية الحملية باعتبار عدولها وتحصيلها.

مواد القضايا

يبقى القسم الأخير في تقسيمات الحمليات، وهو تقسيم القضية الحملية إلى قضايا موجهة وإلى قضايا غير موجهة، وذلك باعتبار جهة النسبة. نحن قلنا إن القضية الحملية يشترط فيها ثلاثة أجزاء: وجود الموضوع، ووجود المحمول، ووجود نسبة تربط المحمول بالموضوع. فإذا قلنا: «زيد قائم»، هنا لابد من وجود زيد وهو المحكوم عليه أي الموضوع، ولابد من وجود المحمول وهو قائم، ولابد من وجود نسبة تربط المحمول بالموضوع.

إذن لابد من وجود نسبة، هذه النسبة إذا لاحظناها في نفس الأمر والواقع -بمعنى بغض النظر عن نوع القضية والتلفظ بالقضية وتصور القضية في الذهن، لا، إذا لاحظنا النسبة بما هي نسبة في نفس الأمر والواقع- لا تخلو من ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أما أن هذه النسبة تكون نسبة استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع، بمعنى ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع. نظير ماذا؟ نظير إذا قلنا: الإنسان ناطق، هنا المحمول وهو ناطق والإنسان هو موضوع، نسبة الناطقية إلى الإنسان في نفس الأمر والواقع معناها استحالة انفكاك الناطقية عن الإنسان، معناها ضرورة ثبوت الناطقية للإنسان، فيقال: هذه النسبة متكيّفة بالوجوب. يقال: هذه النسبة هي الوجوب والضرورة واللزوم.

الحالة الثانية: أن تكون نسبة المحمول إلى الموضوع نسبة الامتناع، ضرورة الامتناع، الإنسان حجر، نسبة الحجرية إلى الإنسان نسبة الامتناع، بمعنى يستحيل ثبوت الحجرية للإنسان، يستحيل أن يكون الإنسان حجراً، هذه النسبة في نفس الأمر والواقع يعبر عنها بنسبة الامتناع.

إذاً، ما هو الفرق بين نسبة الوجوب وبين نسبة الامتناع؟ كلاهما ضرورة، هذا جهة الاشتراك، ضرورة الثبوت، ضرورة سلب الحجرية عن الإنسان، لكن الفرق: هناك ضرورة الثبوت وهنا ضرورة الامتناع. إذن عندنا وجوب وعندنا امتناع.

الحالة الثالثة: كما إذا قلنا: «زيد كاتب»، نسبة الكتابة إلى زيد، أو الإنسان كاتب، نسبة الكتابة إلى الإنسان ليست بنحو الضرورة، لا ضرورة الوجوب، يعني لا يجب ثبوت الكتابة للإنسان على نحو استحالة انفكاك الكتابة عن الإنسان، لا، يمكن أن تنفك الكتابة عن الإنسان، عندنا إنسان لا يكون كاتباً، كما أنه لا يستحيل ثبوت الكتابة للإنسان، لأن عندنا إنسان كاتب. إذن هنا نسبة الكتابة إلى الإنسان لا بنحو الوجوب واستحالة الانفكاك، ولا بنحو الامتناع واستحالة الثبوت، يمكن أن يكون كاتباً، يمكن أن لا يكون كاتباً، وهذا ما يعبر عنه بالإمكان.

إذن عندنا ثلاث حالات: عندنا وجوب، عندنا امتناع، عندنا إمكان. الوجوب كقولنا: الإنسان ناطق، الامتناع كقولنا: الإنسان حجر، الإمكان كقولنا: الإنسان كاتب. هذه الأمور الثلاثة: الوجوب والامتناع والإمكان يعبر عنها بمواد القضايا. فعندما يقال ما هي مادة قضية قولنا «الإنسان ناطق»؟ نقول: المادة هي الوجوب، بمعنى يستحيل انفكاك الناطقية عن الإنسان، ويجب ثبوت الناطقية للإنسان. إذا قلنا: «الإنسان كاتب»، ما هي مادة القضية؟ نقول: الإمكان. «الإنسان حجر»، ما هي مادة القضية؟ الامتناع. إذاً الوجوب، الامتناع، الإمكان يعبر عنها في اصطلاح المناطقة والفلاسفة بمواد القضايا، فيقال مواد القضايا لا تخلو في نفس الأمر والواقع إما مادة الوجوب، إما مادة الامتناع، إما مادة الإمكان.

قال: مادة القضية، كل محمول إذا نسب إلى موضوع -نسبنا الناطقية إلى الإنسان، نسبنا الكاتب إلى الإنسان، نسبنا الحجر إلى الإنسان- فالنسبة فيه لا تخلو في الواقع ونفس الأمر، في نفس الواقع والأمر لا تخلو إما أن تكون مادة الوجوب، مادة الامتناع، مادة الإمكان. ومعنى في الواقع ونفس الأمر: بمعنى سواء صرحنا بالوجوب أو لم نصرح بالوجوب، سواء قلت: الناطقية ثابتة للإنسان بنحو الضرورة والوجوب، أو لم تقل؛ صرحت بنسبة الوجوب، لم تصرح بمادة الوجوب، فالناطقية بنحو الوجوب ثابتة للإنسان، وهذا معناه أنها في نفس الأمر -تلفظت بالمادة، لم تتلفظ بالمادة- لم يهمنا، لأن المنظور في نفس الأمر والواقع من إحدى حالات ثلاث بالقسمة العقلية: الوجوب، الامتناع، الإمكان.

الوجوب والامتناع

الوجوب: ومعناه ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع، ولزوم المحمول لذات الموضوع على وجه يمتنع منه سلب المحمول عن الموضوع، سلب الناطقية عن الإنسان.

لماذا هنا قال: «ذات الموضوع»؟ لأن لزوم المحمول للموضوع وعدم انفكاك المحمول عن الموضوع تارة يكون لذات الموضوع، وأخرى بواسطة شيء آخر. مثلاً هنا إذا قلنا: «الإنسان ناطق»، ثبوت الناطقية للإنسان ثابتة لذات الموضوع بنحو الوجوب، بمعنى نفس تعقل الإنسان كافٍ لثبوت الناطقية له واستحالة انفكاك الناطقية عن الإنسان، نفس ذات الموضوع، نفس تعقل ذات الإنسان لوحده كافٍ في استحالة انفكاك الناطقية عنه وثبوت الناطقية له.

بينما إذا قلت: «الإنسان موجود»، كيف تمام؟ الإنسان موجود، ثبوت الوجود للإنسان ضروري؟ ليس ضرورياً، لو كان الوجود ضرورياً للإنسان لما أعدم، وأيضا لا يستحيل ثبوت الوجود للإنسان وإلا لما وجد، إذن ثبوت الوجود للإنسان ممكن خاص نقول، ليس بواجب وليس بممتنع، لكن إذا وجدت علة وجود الإنسان -وجدت العلة- يكون وجود الإنسان ضرورياً أو ليس ضرورياً؟ ضرورياً، لماذا؟ لأنه كلما وجدت وتحققت العلة وجب وجود موضوعها معلولها، لاستحالة تخلف المعلول عن العلة، بمجرد أن تتحقق العلة يوجد المعلول، من المحال أن تكون العلة تحققت والمعلول لم يتحقق. هنا نقول: إذا تحققت علة وجود الإنسان، هنا يكون الوجود ضرورياً للإنسان أو لا يكون ضرورياً؟ يكون ضرورياً، وإلا إذا قلت لا يكون ضرورياً مع أن العلة قد تحققت، هذا معناه تخلف المعلول عن العلة. في هذا المورد نقول: وإن كانت هنا الضرورة ولكن لا لذات الموضوع، ذات الإنسان لا يقتضي ثبوت الوجود له بنحو الوجوب والضرورة، ولكن إنما كان واجباً بسبب وجود العلة لا لذات الموضوع، ولهذا يعبر عنه بالوجوب بالغير، هو واجب بالغير، يعني لولا وجود العلة لما كان وجود الإنسان ضرورياً، أما لو لاحظنا ذات الإنسان، لا، الوجود ليس ضرورياً لذات الإنسان، قد يوجد وقد لا يوجد. بينما هل يمكن أن يقال الناطقية ليست ضرورية للإنسان؟ قد يكون الناطق لا ناطق؟ لا، ذات الإنسان تثبت له الناطقية بنحو الضرورة والوجوب. ولهذا يقول: الضرورة هنا لابد أن يكون الوجوب لذات الموضوع، لا بسبب أمر آخر خارج عن ذات الموضوع.

لاحظ ماذا قال: كالزوج بالنسبة إلى الأربعة، نفس تعقل الأربعة كافٍ في ثبوت زوجية الأربعة بنحو الضرورة، فإن الأربعة لذاتها وبدون واسطة يجب أن تتصف بأنها زوج. وقولنا: «لذات الموضوع» يخرج به ما كان لزومه لأمر خارج عن ذات الموضوع، يعني ليس ذات الموضوع لوحده كافياً في ثبوت المحمول، بل ثبوت المحمول للموضوع بنحو الوجوب لأمر آخر، من قبيل ماذا؟ قال: ثبوت الحركة للقمر، نفس تصور ذات القمر لا يتضمن حركة، بينما كانت الحركة لازمة للقمر من باب وضع الفلك مثلاً ووضع مكان القمر، إذن ليس لذات القمر بل بسبب علاقة الأرض بالقمر لزم ثبوت الحركة للقمر، فإن الحركة لازمة للقمر، ولكن لزوم الحركة لا لذات القمر، ذات القمر كما لا يقتضي الحركة لا يقتضي عدم الحركة، فتكون نسبة الحركة إلى القمر نسبة مادة الإمكان، ولكن لماذا كان القمر متحركاً بسبب علاقته بالأرض؟... والتعليل الفيزيائي... فإن الحركة لازمة للقمر، ولكن لزومها لا لذاته، بل بسبب وضع الفلك وعلاقته بالأرض.

الامتناع: ومعناه استحالة ثبوت المحمول لذات الموضوع، فيجب سلب المحمول عنه أي عن الموضوع، كما إذا قلنا: الإنسان حجر، أو شريك الباري موجود، هنا سلب الوجود عن شريك الباري. كالاجتماع بالنسبة إلى النقيضين، فإن النقيضين لذاتهما لا يجوز أن يجتمعا.

لاحظ، إذا قلنا: «الإنسان موجود»، ما هي مادة القضية هنا؟ الإمكان، الوجود ليس ضرورياً للإنسان وليس عدم الوجود ضرورياً للإنسان، لكن إذا لم توجد علة وجود الإنسان -العلة لم توجد- عدم الوجود هنا يكون ضرورياً أو لا يكون ضرورياً؟ يكون ضرورياً، عدم الوجود، عدم الوجود يكون ضرورياً في حالة عدم وجود العلة، لأن العلة إذا لم توجد فالمعلول لم يوجد، إذن في فرض عدم العلة يكون عدم الوجود ضروري، لكن لا لذات الإنسان، بل بسبب عدم وجود العلة، بسبب عدم وجود العلة كان عدم الوجود ضرورياً. وقولنا: «لذات الموضوع» يخرج به ما كان امتناعه لأمر خارج عن ذات الموضوع، من قبيل سلب التفكير عن النائم، فإن التفكير يمتنع عن النائم، ولكن لا لذاته بل لأنه فاقد للوعي.

تنبيه: يفهم مما تقدم أن الوجوب والامتناع يشتركان في ضرورة الحكم، الامتناع ضرورة لزوم، الوجوب لزوم، أين جهة الفرق؟ قال: ويفترقان في أن الوجوب ضرورة الإيجاب، ومعنى ضرورة الإيجاب ضرورة الثبوت، أي ضرورة عدم الانفكاك، استحالة انفكاك الوجود عن الواجب سبحانه وتعالى. والامتناع ضرورة السلب، يعني ضرورة استحالة الثبوت، استحالة ثبوت الحجرية للإنسان. ولهذا إذا مادة الوجوب تعرف بأنها ضرورة الإيجاب، ومادة الامتناع ضرورة السلب.

الإمكان

الإمكان: ومعناه أنه لا يجب ثبوت المحمول لذات الموضوع -لا يجب ثبوت الكتابة للإنسان- ولا يمتنع ثبوت الكتابة للبشر، بمعنى يجوز الإيجاب -يعني يجوز ثبوت الكتابة- ويجوز السلب -يعني يجوز عدم الكتابة- معاً، أي أن الضرورتين: ضرورة الإيجاب والثبوت وضرورة السلب والامتناع مسلوبتان معاً، يعني عدم ضرورة الثبوت وعدم ضرورة الامتناع، فيكون الإمكان معنى عدديّاً يقابل الضرورتين تقابل العدم والملكة، ولذا يعبر عن الإمكان بقولهم: هو سلب الضرورة عن الطرفين معاً.

إذا قلنا: «الإنسان كاتب»، سلب ضرورة الإيجاب بمعناه عدم استحالة الانفكاك، وسلب ضرورة السلب بمعناه عدم استحالة الثبوت، أي طرف الإيجاب وطرف السلب للقضية. ويقال له الإمكان الخاص في قبال الإمكان العام، ويقال له الإمكان الحقيقي في مقابل الإمكان العام الذي هو أعم من الإمكان الخاص. إذن هذا الإمكان نعبر عنه بالإمكان الخاص، وهو سلب الضرورتين: ضرورة الوجود وضرورة العدم، ضرورة الإيجاب وضرورة السلب، في قبال الإمكان العام الذي هو سلب ضرورة واحدة فقط، وسوف يأتي بيان الفرق بشكل واضح بين الإمكان العام. تم الكلام ورفع المقام، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.