منطق المظفر الجزء الثاني – الشيخ علي العبود

دروس مقررة — النصوص المتاحة

27 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس 8

تحميل Word

008

اللهم صل على محمد وآل محمد. الإمكان العام والمقصود منه ما يقابل إحدى الضرورتين ضرورة الإيجاب أو السلب، فهو أيضا معناه سلب الضرورة، ولكن سلب ضرورة واحدة لا الضرورتين معا.

كان الكلام في مادة القضية، وذكرنا أن كل محمول إذا نسب إلى موضوعه فالنسبة في نفس الأمر والواقع لا تخلو من حالات ثلاث: الحالة الأولى إما أن يمتنع انفكاك المحمول عن الموضوع، وهذه هي مادة الوجوب، كقولنا الله موجود، نسبة الوجود إلى الله نسبة الوجوب. الحالة الثانية، أو أنه يستحيل ثبوت الوجود لذات الموضوع، كقولنا شريك البارئ موجود، فالوجود يستحيل ثبوثه لشريك الباري، وهذه هي مادة الامتناع. الحالة الثالثة، سلب ضرورة السلب وضرورة الإيجاب معا، كقولنا زيد موجود، فالوجود ليس ضروريا لزيد، كما أن عدم الوجود ليس ضروريا لزيد، هذه المادة هي التي يعبر عنها بمادة الإمكان الخاص.

إذاً، الإمكان الخاص معناه سلب الضرورتين معا. سلب ضرورة الإيجاب بمعنى وجوده ليس ضروريا، وسلب ضرورة السلب بمعنى عدمه ليس ضروريا، وهذا معناه أنه متساوي النسبة بالنسبة إلى الطرفين، كقولنا الإنسان موجود ليس وجوده ضروري وليس عدمه ضروري، فهو متساوي.

فما هو الفرق بين الإمكان الخاص وبين الإمكان العام؟ الإمكان العام هو سلب ضرورة واحدة. إذن، يتضح أن أبرز فرق بين الإمكان الخاص وبين الإمكان العام أن الإمكان الخاص سلب ضرورتين: ضرورة الإيجاب وضرورة السلب معا. فإذا قلنا الإنسان ممكن الوجود بمعنى وجوده ليس بضرورة. بينما الإمكان العام ليس فيه إلا سلب ضرورة واحدة، وهي ضرورة الطرف المقابل. ما معنى سلب ضرورة الطرف المقابل؟

إذاً، إذا قلنا الإنسان ممكن الوجود، وهنا نريد بالإمكان الإمكان العام، ما هو مفاد القضية؟ مفاد القضية إذا قلنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان العام معناه أن عدمه ليس ضروري، يعني بعبارة عرفية هو غير ممتنع الوجود، وإلا لو كان ممتنع الوجود لما عبر عنه بأنه ممكن الوجود. إذاً، في قولنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان العام، ليس معناه إلا أن عدم الوجود ليس ممتنعا.

لكنه يبقى السؤال: هل إنه واجب الوجود أم ليس واجب الوجود؟ هل إن وجوده ضروري أو وجوده ليس بضروري؟ نقول: هذا مسكوت عنه. غاية ما نريد أن نقوله في قولنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان العام أنه ليس بممتنع. فلذا نقول هو سلب ضرورة واحدة، هنا لم نسلب إلا ضرورة الامتناع فقط، أي أنه ليس ممتنع الوجود، واجب أم ليس بواجب هذا أمر آخر. بينما إذا قلنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان الخاص، ففي الإمكان الخاص نسلب الضرورتين، ضرورة الوجود وضرورة العدم معا، ليس ضروري الوجود كما أنه ليس ضروري العدم. بينما في الإمكان العام لا نسلب إلا ضرورة الوجود؛ ضرورة واحدة وهي ضرورة الطرف المقابل.

هنا في قولنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان العام معناه ليس ممتنع الوجود، عدمه ليس ضروريا، وإلا لو كان العدم ضروريا لم يكن ممكنا الوجود بل كان ممتنع الوجود. إذا جئنا إلى قولنا الإنسان ممكن الوجود، هذه القضية لها طرفان: طرف موافق وطرف مقابل. الإنسان ممكن الوجود، طرفها الموافق هو الوجود، وما يقابل الوجود هو العدم، فالعدم هو الطرف المقابل. هنا نقول: الإمكان العام سلب الضرورة عن الطرف المقابل، والطرف المقابل هو العدم، فنسلب الضرورة عن العدم، فنقول إذا العدم ليس ضروريا، ففي قولنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان العام أي عدمه ليس ضروري، وإلا لو كان العدم ضروريا لكان ممتنع الوجود وليس ممكن الوجود.

مثال آخر، إذا قلنا شريك البارئ ممكن العدم، قد تشكل علينا وتقول شريك البارئ ممكن العدم أمر خاطئ؛ لأن شريك البارئ ضروري العدم، لماذا عبرت بأنه ممكن العدم؟ نقول: هنا الإمكان ليس هو الإمكان الخاص الذي يقابل الوجوب والامتناع، المراد من الإمكان هنا هو الإمكان العام. شريك البارئ ممكن العدم بمعنى هو ليس ضروري الوجود، أما أن عدمه ضروري وعدمه ليس ضروري فهذا مسكوت عنه، غاية ما نريد أن نصل إليه أن وجوده ليس ضروريا، ليس واجب الوجود، وإلا لو كان شريك البارئ ضروري الوجود وواجب الوجود لما كان ممكن العدم.

إذا قلنا شريك البارئ ممكن العدم معناه سلب الضرورة عن الطرف المقابل، فما هو الطرف المقابل؟ ما الذي يقابل العدم؟ الوجود. فهنا سلب الضرورة عن الطرف المقابل، أي سلب الضرورة عن الوجود، بمعنى ما معنى سلب الضرورة عن الوجود؟ يعني وجوده ليس بضروري، وجوده ليس بواجب، وهذا هو معنى الإمكان العام. إذاً، لو أردت الإمكان الخاص من قولنا شريك البارئ ممكن العدم لتكون هذه القضية قضية كاذبة؛ لأن شريك البارئ ليس ممكنا بالإمكان الخاص بمعناه يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد، أو قل هو متساوي النسبة من حيث الوجود والعدم. لا، هو ليس متساوي النسبة من حيث الوجود والعدم، بل إن شريك البارئ ضروري العدم ممتنع الوجود. نعم، لو أردت بالإمكان العام من قولنا شريك البارئ ممكن العدم نقول هذه قضية صادقة؛ لأن غاية ما يثبته الإمكان العام أن وجوده ليس ضروريا، لكن يبقى عدمه ضروري أو ليس بضروري فهذا مسكوت عنه.

إذاً، الفرق بين الإمكان الخاص وبين الإمكان العام أن الإمكان الخاص سلب الضرورتين معا: ضرورة الوجود وضرورة العدم، يعني سلب ضرورة الطرف الموافق والمقابل. بينما الإمكان العام سلب الضرورة عن الطرف المقابل فقط؛ كان الطرف المقابل هو العدم فنسلب ضرورة العدم، وكان الطرف المقابل هو الوجود فنسلب ضرورة الوجود.

جهة القضية ومادة القضية

الإمكان العام من أهم المباحث التي يجب أن تثبت في الذهن وتستقر في الذهن على مدار الحياة الحوزوية هذا المبحث: الفرق بين المواد وبين الإمكان الخاص والإمكان العام. والمقصود منه ما يقابل إحدى الضرورتين، ستتواجه هذا البحث على صعيد علم الأصول، ستتواجه هذا البحث على صعيد علم الفلسفة، والمقصود منه ما يقابل إحدى الضرورتين، ضرورة الإيجاب أو السلب، فهو أيضا معناه سلب الضرورة، ولكن سلب ضرورة واحدة وهي ضرورة الطرف المقابل لا الضرورتين معا ضرورة الوجود والعدم أو ضرورة الإيجاب والسلب.

فإذا كان سلب ضرورة الإيجاب -يعني سلب ضرورة الوجود- كما في قولنا الإنسان ممكن الوجود، فمعناه أن طرف السلب وهو العدم ممكن. عفوا، سلب ضرورة الإيجاب كما في قولنا شريك الباري شريك الباري ممكن العدم، هنا سلبنا ماذا؟ سلبنا ضرورة الوجود، معناه أن طرف السلب وهو العدم ممكن. إذا قلنا شريك الباري ممكن هنا سلبنا ضرورة الوجود، يعني وجوده ليس ضروريا، وإلا لو كان وجوده ضروريا لما عبرنا عنه بأنه ممكن العدم، إذاً طرف السلب وهو العدم ممكن، لكنه واجب ضروري ليس بضروري هذا مسكوت عنه.

وإذا كان سلب ضرورة الوجود كما في قولنا الإنسان ممكن الوجود، هنا طرف السلب وهو العدم مسلوب، أي عدمه ليس ضروريا في قولنا الإنسان ممكن الوجود، وإلا لو كان العدم ضروريا لما كان ممكنا الوجود، معناه أن طرف الإيجاب ممكن، بمعناه وجود الإنسان ممكن وليس بممتنع.

فلو قيل هذا الشيء ممكن الوجود، أي أنه لا يمتنع، أو فقل إن ضرورة السلب وهي الامتناع مسلوبة. وإذا قيل هذا الشيء كما في شريك الباري ممكن العدم، أي أنه لا يجب، يعني وجوده ليس بضروري، أو فقل إن ضرورة الإيجاب وهي الوجوب مسلوبة. ولذا عبر عنه أي عن الإمكان العام الفلاسفة بقولهم هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل: ممكن الوجود الطرف المقابل هو العدم فسلب العدم، ضرورة السلب مسلوبة. الإنسان ممكن الوجود، شريك البارئ ممكن العدم الوجود هو الطرف المقابل، مع السكوت عن الطرف المقابل -عفواً الموافق-. بمعنى إذا قلنا شريك البارئ ممكن العدم، الطرف الموافق وهو العدم، قال مسكوت عنه من أي ناحية؟ بمعنى هل هو ضروري؟ هل هو ليس بضروري؟ هذا مسكوت عنه. الإنسان ممكن الوجود، الطرف الموافق هو الوجود، مسكوت عنه من جهة أن الوجود واجب، ليس بواجب، هذا مسكوت عنه.

فقد يكون مسلوب الضرورة وقد لا يكون؛ مسلوب الضرورة من قبيل الإنسان ممكن الوجود، هو واقعا مسلوب ضرورة الوجود وضرورة العدم. وقد لا يكون كما في قولنا شريك البارئ ممكن العدم، فهو ليس مسلوب ضرورة العدم واقعا، بل العدم ضروري بالنسبة إلى شريك البارئ. وهذا الإمكان هو الشائع استعماله عند عامة الناس، من هنا سمي بالإمكان العام؛ لأنه متداول في تعبيراتهم، وهو كما قلنا أعم من الإمكان الخاص.

لماذا؟ لأنه إذا كان إمكانا للإيجاب فإنه يشمل الوجوب والإمكان الخاص كما في قولنا الإنسان ممكن الوجود، وإذا كان إمكانا للسلب فإنه يشمل الامتناع والإمكان الخاص كما في قولنا شريك البارئ ممكن العدم. مثال إمكان الإيجاب هذه العبارة كيف يشمل الوجوب والإمكان الخاص؟ الآن تتضح من خلال المثال: قولهم الله ممكن الوجوب والإنسان ممكن الوجود.

طبعا لاحظ، لو أريد بالإمكان هنا الإمكان الخاص لتكون القضية قضية كاذبة؛ لأن الله ليس ممكن الوجود. لكن عامة الناس عندما يعبرون الله يمكن وجوده بأي معنى؟ يعني عدمه ليس ممتنع، عدمه يكون ممتنعا. لكن يبقى السؤال: وجوده ضروري، ليس وجوده ضروري؟ نقول: هذا مسكوت عنه. فإن معناه في المثالين أن الوجود لا يمتنع، أي أن الطرف المقابل -وهذا معناه سلب الضرورة عن الطرف المقابل- أي أن الطرف المقابل وهو عدمه لأنه أن الله ممكن الوجود والإنسان ممكن الوجود، الطرف الموافق هو الوجود والمقابل هو عدم الوجود يقول: عدم الوجود ليس ضروريا، ولو بدليل أنه لو كان العدم ضروريا لكان الوجود ممتنعا لا ممكنا. وأما الطرف الموافق المسكوت عنه فغير معلوم، بمعنى أي أنه يحتمل أن يكون واجبا كما في المثال الأول وهو الله موجود، ويحتمل ألا يكون واجبا كما في المثال الثاني بأن يكون ممكن العدم أيضا كما في شريك الباري الذي سوف يأتي، أي أنه ليس ضروري الوجود كما لم يكن ضروريا، فإذا هو ليس ضروري الوجود وليس ضروري العدم، ومعنى أنه ليس ضروري الوجود وليس ضروري العدم هذا هو الإمكان الخاص، فيكون ممكنا بالإمكان الخاص، فشمل هنا الإمكان العام الوجوب والإمكان الخاص.

مثال إمكان السلب قوله شريك البارئ ممكن العدم والإنسان ممكن العدم، فإن معناه في المثالين أن الوجود وهو الطرف المقابل لا يجب، أي مسلوب، أي أن الطرف المقابل وهو وجوده ليس ضروريا، بدليل أنه لو كان الوجود ضروريا لكان واجبا وكان عدمه ممتنعا لا ممكنا. أما الطرف الموافق المسكوت عنه وهو العدم فغير معلوم؛ لأنه يحتمل أن يكون ضروريا أي العدم كما في المثال الأول في شريك البارئ، ويحتمل ألا يكون العدم ضروري كما في المثال الثاني، إذا هو ليس ضروري العدم يحتمل كما أنه يحتمل ليس ضروري الوجود وهذا هو الإمكان الخاص بأن يكون ممكن الوجود أيضا وهو الممكن بالإمكان الخاص، فشمل هنا الإمكان العام الامتناع والإمكان الخاص.

وعلى هذا فالإمكان العام معناه يصلح للانطباق على كل من حالات النسبة الثلاث: الوجوب والامتناع والإمكان -ألا وهو الإمكان الخاص- فليس هو معنى يقابلها أو قل يقع في عرضها ويكون قسيما لها، بل في الإيجاب يصدق على الوجوب والإمكان الخاص وفي السلب يصدق على الامتناع والإمكان الخاص، في الإيجاب أي في إمكان الإيجاب وفي السلب أي في إمكان السلب كما في قولنا شريك الباري.

وهذه الحالات الثلاث للنسبة التي لا يخلو من إحداها واقع القضية -يعني في نفس الأمر والواقع- تسمى مواد القضايا، وتسمى أيضا عناصر العقول أو أصول الكيفيات، والإمكان العام خارج عن مواد القضايا؛ إذاً مواد القضايا فقط ثلاث: مادة الوجوب ومادة الامتناع ومادة الإمكان الخاص، وأما الإمكان العام فهو يندرج في مبحث الموجهات وليس في مبحث المواد، والإمكان العام خارج عن المواد بل هو معدود من الجهات على ما سيأتي.

الفرق بين مادة القضية وجهة القضية

من هنا يقع الكلام في الفرق بين مادة القضية وبين جهة القضية، وهو مبحث مهم. ما هو الفرق بين مادة القضية وبين جهة القضية؟ يمكن لنا أن نذكر ثلاثة فوارق بين مادة القضية وبين جهة القضية:

الفرق الأول: وهو أساس الفوارق وأهم الفوارق وتترتب عليه بقية الفوارق، أصل الفوارق هو الفرق الأول. هذا الفرق حاصله أن هناك نقطة مشتركة بين مادة القضية وبين جهة القضية، هذه النقطة المشتركة لا تخفى، يجب ألا تخفى علينا، وهي أن مادة القضية تمثل كيفية النسبة. قلنا: إذا نسب المحمول إلى الموضوع فالنسبة لا تخلو عن ثلاث حالات: وجوب، امتناع، إمكان، إكانا خاصا. هذه الحالات الثلاث يعبر عنها كيفية نسبة، كما يقال كيف القضية أنها إما سالبة، إما موجبة. كيفية نسبة القضية نسبة الموجبة إلى الموضوع إما وجوب، إما امتناع، إما إمكان خاص. إذاً، مادة القضية تمثل كيفية النسبة في القضية. كذلك جهة القضية تمثل كيفية نسبة، فيقال كيفية النسبة الإمكان العام، الإمكان العام قلنا من الجهات. إذاً، النقطة المشتركة بين مادة القضية وبين جهة القضية أن كلا منهما يمثل كيفية نسبة في القضية. إذاً أين الفرق؟ من هنا نبدأ في ذكر الفوارق بعد معرفة العنوان المشترك بينهما وهو أن كلا منهما يمثل كيفية نسبة.

الفارق الأول: أن مادة القضية تلحظ بلحاظ نفس الأمر والواقع. ذكرت القضية، تلفظت بالقضية، شكلت القضية، عقدت قضية في ذهنك أو لم تعقد، أو لم تتلفظ أو لم تشكل، فإن مادة القضية تعرف من خلال نفس الأمر والواقع. بمعنى سواء قلت الإنسان موجود بالإمكان الخاص أو لم تقل الإنسان موجود بالإمكان الخاص، فإن نسبة الوجود إلى الإنسان أنه بالإمكان الخاص، قلت أو لم تقل؟ لأن نسبة الوجود إلى الإنسان في نفس الواقع أنه ليس ضروري الوجود وليس ضروري العدم، وهذا هو الإمكان الخاص.

سواء تفضلت علينا وقلت الله واجب الوجود أو لم تقل، فإن نسبة الوجود إلى الله سبحانه وتعالى أنه ضروري الوجود ويستحيل ثبوت العدم وطرو العدم عليه، قلت أو لم تقل؟ لماذا؟ لأن الوجوب هنا استفيد من خلال نفس الأمر والواقع، لم يستفد من خلال تكون القضية والتلفظ بالقضية، تلفظت لم تتلفظ، المادة مستفادة من نفس الأمر والواقع. سواء قلت شريك البارئ معدوم أو ممتنع أو ممتنع الوجود أو لم تقل، فإنه في الواقع ونفس الأمر نسبة الوجود إلى شريك البارئ أنه ممتنع.

إذا استفيد الإمكان، لاحظ، وإذا استفيد الوجوب، وإذا استفيد الامتناع من نفس الأمر والواقع -يعني مع غمض النظر عن شكل القضية وتكون القضية وتصور القضية والتلفظ بها وعدم التلفظ بها- هذا يعبر عنه مادة القضية، فمادة القضية تستنتج من خلال نفس الأمر والواقع. خلافا لجهة القضية؛ فإنها تستنتج من خلال انعقاد القضية وتصور القضية. فإذا قلت شريك الباري ممكن العدم، هنا الإمكان الإمكان العام، هنا نقول: استفيدت الجهة -عفواً استفيد الإمكان- من خلال تشكيل القضية والعبارة، فيقال هنا جهة القضية.

إذا التفتوا إلى هذا المثال يتضح الآن مباشرة الفرق بين مادة القضية وبين جهة القضية. مثلا، إذا قلنا الإنسان ممكن الوجود، لو سألنا: ما هي مادة القضية؟ نقول: مادة القضية الإمكان الخاص. من أين استفدنا؟ استفدنا بلحاظ الواقع أن واقعا نسبة الوجود إلى الإنسان أنه ليس ضروري الوجود كما أنه ليس ضروري العدم، وهذا معناه الإمكان الخاص. لو سألناه: ما هي جهة القضية؟ نقول أيضا: جهة القضية التي تستنتج من خلال نفس القضية هي الإمكان الخاص، هي التي صرح بها في القضية؛ لأننا صرحنا بأن الإنسان ممكن الوجود، إذا هنا المادة الإمكان الخاص والجهة أيضا الإمكان الخاص، ومن هنا قيل إنه ما صرح به هو الإمكان الخاص الإنسان ممكن الوجود بالإمكان الخاص، أيضا هنا مستفاد الإمكان الخاص.

إذاً حتى يتضح ويرتفع الإشكال، إذا قلنا الإنسان ممكن الوجود بالإمكان الخاص أو مثلا حتى يرتفع سؤال السيد مثال آخر، إذا قلنا الإنسان حيوان بالضرورة، مادة القضية ما هي؟ لاحظ، لا تلتفت إذا أردت أن تستنتج مادة القضية لا تلتفت إلى التصريح أن صرحنا بالضرورة أو لم نصرح بالضرورة، لا، لاحظ نفس الأمر والواقع، إذا نسبنا الحيوانية إلى الإنسان، هل الحيوانية ثبوتها ضروري أم ليس ضروريا؟ ضروري؛ لأنها من ذاتيات الإنسان. سواء قلت أنها ضرورة أو لم تقل أنها ضرورة، تلاحظ نفس الأمر والواقع، إذا المادة هي الضرورة. ما هي الجهة؟ هنا تلاحظ ما صرحت به، ما تعقلته في القضية، ما تصورته في القضية، أنت ماذا قلت؟ ماذا صرحت؟ بماذا تصورت؟ تصورت الضرورة، هنا نقول: جهة القضية الضرورة، وهذا معناه أن المادة طابقت الجهة؛ مادة القضية الضرورة وجهة القضية أيضا الضرورة، ولكن مادة القضية استنتجت من لحاظ نفس الأمر والواقع، بينما جهة القضية استنتجت من خلال نفس العبارة ونفس القضية.

مثال آخر، إذا قلنا الإنسان حيوان بالإمكان، ما هي مادة القضية؟ الضرورة. قلنا الضرورة هي مادة القضية؛ لماذا؟ لأنه واقعا نسبة الحيوانية إلى الإنسان الضرورة، يستحيل انفكاك الحيوانية عن الإنسان، وإلا لو انفكت الحيوانية كان معناه انفكاك الذاتي عن الذات، وانفكاك الذاتي عن الذات يوجب زوال نصف الذات، إذا مادة القضية الضرورة والوجوب. أما جهة القضية؟ الإمكان العام، إذن هي التي استنتجناها من خلال التصريح بالعبارة، التصريح بالقضية. معنى الإمكان العام بمعناه إذا قلنا الإنسان حيوان بالإمكان العام بمعنى أنه ليس ممتنع الحيوانية، غير ممتنعة بالنسبة إلى الإنسان، أما أنها ضرورية وليست بضرورية فهذا مسكوت عنه. إذا هنا نجد أن مادة القضية الضرورة بينما جهة القضية الإمكان العام، وهذا معناه أن مادة القضية لم تطابق جهة القضية، خلافا للمثال الأول وهو جهة المطابقة، هنا مادة القضية لم تطابق جهة القضية.

مثال ثالث، إذا قلنا الإنسان حيوان، ما هي مادة القضية يا شيخ مسلم؟ أحسنت، الضرورة والوجوب. الضرورة والوجوب هي مادة القضية؛ لأنه في نفس الأمر والواقع الحيوانية ضرورية بالنسبة إلى الإنسان. لكنه يا شيخ ما هي جهة القضية؟ أحسنتم، نقول هي غير موجهة، لم تذكر فيها الجهة، الجهة غير مذكورة؛ لأن الجهة لا نستفيد الجهة إلا من خلال القضية، سواء كانت القضية الملفوظة أم القضية المعقولة، وهنا لم يصرح بالجهة، إذا نقول هي غير موجهة. المادة الضرورة لأنها تستفاد من خلال نفس الأمر والواقع، أما الجهة نقول هي غير موجهة. إذا اتضح الفرق بين مادة القضية وبين جهة القضية، أن مادة القضية كيفية النسبة بلحاظ نفس الأمر والواقع، ولهذا هناك عندما بدأ في مواد القضية ماذا قال؟ قال: كل محمول إذا نسب إلى موضوع فالنسبة فيه لا تخلو في الواقع ونفس الأمر. بينما جهة القضية هي كيفية النسبة من خلال نفس القضية وتشكيل القضية والتصريح بها. هذا هو الفرق الأول.

الفرق الثاني: اتضح أن جهة القضية يمكن أن تطابق المادة ويمكن أن لا تطابق المادة.

الفرق الثالث: هو عبارة عن أن مادة القضية يستحيل أن تتغير وأن تختلف في نفس القضية، أن تتحول من مادة إلى مادة أخرى هذا مستحيل؛ لماذا؟ لأن المادة كيفية النسبة بلحاظ نفس الأمر والواقع والواقع لا ينقلب عما وقع عليه. مثلا إذا قلنا الإنسان حيوان، هنا المادة الضرورة ويستحيل أن تكون المادة الامتناع أو الإمكان الخاص، إذا المادة هي الضرورة. بينما جهة القضية يمكن أن تختلف، كما إذا قلنا الإنسان حيوان بالضرورة، هنا الجهة الضرورة، ويمكن أن يقال الإنسان حيوان بالإمكان العام، هنا الجهة أيضا الإمكان العام. إذا لاحظ في نفس المثال تارة كانت الجهة الضرورة ووافقت المادة، وأخرى تكون الإمكان العام وهنا خالفت لم تطابق المادة. إذا الجهة يمكن أن تختلف في نفس القضية الواحدة؛ لأنها تتبع التصريح والتعبير، بينما مادة القضية تلحظ من خلال نفس الأمر والواقع، والواقع من المستحيل أن يتبدل ويتغير وينقلب عما وقع عليه.

الموجهات والمادة الواقعية

قال: جهة القضية تقدم معنى مادة القضية التي لا تخرج عن إحدى تلك الحالات الثلاث بالحصر العقلي: الوجوب والامتناع والإمكان الخاص. ولهم اصطلاح آخر هنا وهو المقصود بالبحث، وهو قولهم جهة القضية، والجهة غير المادة؛ فإن المقصود بالجهة -عفوا نعم بالجهة- ما يفهم ويتصور من كيفية النسبة. إذا لاحظ، كما أن المادة كيفية النسبة، كذلك جهة، لكن كيفية النسبة بحسب ما تعطيه العبارة، العبارة عن القضية، كأن القضية أيضا تسمى بكلمة عبارة وقول من القضية.

والفرق بينهما -مع أن كل منهما كيفية في النسبة، كيفية النسبة من الكيفية كما قلنا كيف القضية أنها موجبة أو سالبة- أن المادة هي تلك النسبة الواقعية في نفس الأمر التي هي إما الوجوب، إما الامتناع، إما الإمكان الخاص (طبعا لا يحتاج الشيخ المظفر أن يصرح بكلمة الخاص؛ لأنه بقرينة المقابلة يتضح أن المراد من الإمكان هو الإمكان الخاص، أي المقابلة مع الامتناع والوجوب) ولا يجب أن تفهم وتتصور في مقام توجه النظر إلى القضية، لا، لاحظ نفس الأمر والواقع، فقد تفهم وتبين في العبارة -أي في القضية- وقد لا تفهم ولا تبين، إذا لم تبين قيل قضية غير موجهة، يعني لم يصرح بالجهة، غير موجهة اسم المفعول وليس اسم الفاعل.

وأما الجهة فهي خصوص ما يفهم ويتصور من كيفية نسبة القضية عند النظر فيها، فإذا لم يفهم شيء من كيفية النسبة فالجهة مفقودة، كما في قولنا الإنسان حيوان، أو الإنسان موجود، أو الإنسان نائم، فإن الجهة هنا مفقودة، أي أن القضية لا جهة لها حينئذ. وهي -أي الجهة- لا يجب أن تكون مطابقة للمادة الواقعية، فقد تطابقها كما في قولنا الإنسان حيوان بالضرورة أو الإنسان ممكن الوجود بالإمكان الخاص، هنا طابقت المادة الجهة؛ فإن المادة هي الضرورة والجهة أيضا التي صرح بها هي الضرورة. وقد لا تطابقها كما في قولنا الإنسان حيوان بالضرورة، حيوان بالإمكان العام، فإن الجهة هي الإمكان العام والمادة الضرورة والوجوب.

فإذا قلت الإنسان حيوان بالضرورة، فإن المادة الواقعية هي الضرورة، بمعنى يستحيل انفكاك الحيوانية عن الإنسان، والجهة فيها أيضا الضرورة، فقد طابقت في هذا المثال الجهة المادة. وبتعبير آخر، إن المادة الواقعية هي الضرورة، قد فهمت وبينت بنفسها في هذه القضية.

وأما إذا قلت في المثال، مثال عدم المطابقة، الإنسان يمكن أن يكون حيوانا، فإن المادة في هذه القضية هي الضرورة لا تتبدل؛ لأن الواقع لا يتبدل بتبدل التعبير والـ... إشارة مهمة، قال: لا يتبدل بتبدل التعبير والادراك. بتبدل التعبير إشارة إلى القضية الملفوظة، والإدراك إشارة إلى القضية المعقولة، فالقضية تارة تكون ملفوظة وأخرى تكون معقولة.

القضية الملفوظة هي التي تتلفظ بها باللسان، فتقول الإنسان حيوان بالضرورة، أو الإنسان يمكن أن يكون حيوانا. القضية المعقولة هي القضية التي تتصورها في الذهن، تتعقلها في الذهن، أنا الآن لا أتلفظ، أتعقل فقط، أتصور في مقام الذهن الإنسان حيوان بالضرورة أو الإنسان يمكن أن يكون حيوانا، من دون التصريح بها بواسطة اللسان، أي تسمى قضية معقولة. الجهة هي التي تستفاد من القضية المعقولة أو القضية الملفوظة، المادة لا، من خلال نفس الأمر والواقع، تلفظت بالقضية، تعقلت القضية لا يهم.

ولكن الجهة هنا هي الإمكان العام؛ فإنه هو المفهوم والمتصور من القضية والمصرح به، وهو لا يطابق المادة؛ لأنه في طرف الإيجاب يتناول الوجوب؛ لأن الإنسان يمكن أن يكون حيوانا، ما معناه بالإمكان العام؟ يعني عدم الحيوانية ليس -عفواً يعني الوجود ليس- الحيوانية ليست ممتنعة، الإنسان يمكن أن يكون حيوانا أي الحيوانية ليست ممتنعة؛ لأنه في طرف الإيجاب يتناول الوجوب والإمكان الخاص كما تقدم، فيجوز أن تكون المادة واقعا هي الضرورة كما في المثال، ويجوز أن تكون هي الإمكان الخاص كما لو كانت القضية الإنسان يمكن أن يكون كاتبا، نسبة الكتابة إلى الإنسان واقعا نسبة الإمكان الخاص، ليس ضروري الكتابة وليس ضروري عدم الكتابة. وهكذا لو قلت الإنسان حيوان دائما، فإن المادة هي الضرورة والجهة هي الدوام، قال دائما، الذي يصدق مع الوجوب والإمكان، وسوف يأتي الدوام في أنواع الموجهات؛ لأن الممكن بالإمكان الخاص قد يكون دائم الثبوت كحركة القمر مثلا وكزرقة العين، فلم تطابق الجهة المادة.

ثم إن القضية التي يبين فيها كيفية النسبة تسمى موجهة بصيغة اسم المفعول، وما أهمل فيها بيان الكيفية تسمى مطلقة أو غير موجهة. موجهة. ومما يجب أن يعلم أننا إذا قلنا إن الجهة لا يجب أن تطابق المادة فلا نعني أنه يجوز أن تناقضها. بيان هذا المقطع وما يليه يأتي. تم الكلام رفيع المقام، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الدرس 001استماع
الدرس 002استماع
الدرس 003استماع
الدرس 004استماع
الدرس 005استماع
الدرس 006استماع
الدرس 007استماع
الدرس 008استماع
الدرس 009استماع
الدرس 010استماع
الدرس 011استماع
الدرس 012استماع
الدرس 013استماع
الدرس 014استماع
الدرس 015استماع
الدرس 016استماع
الدرس 017استماع
الدرس 018استماع
الدرس 019استماع
الدرس 020استماع
الدرس 021استماع
الدرس 022استماع
الدرس 023استماع
الدرس 024استماع
الدرس 025استماع
الدرس 026استماع
الدرس 027استماع
الدرس 028استماع
الدرس 029استماع
الدرس 030استماع
الدرس 031استماع
الدرس 032استماع
الدرس 033استماع
الدرس 034استماع
الدرس 035استماع
الدرس 036استماع
الدرس 037استماع
الدرس 038استماع
الدرس 039استماع
الدرس 040استماع
الدرس 041استماع

قراءة الدروس وملفات Word

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.